أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مظهر محمد صالح - فلسفة الموقف: تجاوز ثنائية الثبات والتغير نحو تركيب مستدام














المزيد.....

فلسفة الموقف: تجاوز ثنائية الثبات والتغير نحو تركيب مستدام


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 16:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ليست الفلسفة تاريخًا للأجوبة بقدر ما هي تاريخٌ للأسئلة الكبرى التي ظل الإنسان يطرحها على نفسه: ما الذي ينبغي أن يبقى ثابتًا في عالم لا يكف عن التغير؟ وما الذي ينبغي أن يتغير كي لا يتحول الثبات إلى جمود؟

منذ هيراقليطس، الذي رأى الوجود في حركة دائمة، وبارمنيدس الذي ردّ الوجود إلى الثبات، ظل الفكر الإنساني أسير هذه الثنائية. وقد اتخذت لاحقًا صورًا متعددة في فلسفات أفلاطون وأرسطو، وفي الفكر الإسلامي، ثم في الفلسفات الحديثة والوجودية والبراغماتية. غير أن التجربة الإنسانية أظهرت أن الثبات المنفصل عن الواقع قد ينتهي إلى الجمود، كما أن الحركة المنفصلة عن المرجعية قد تنتهي إلى النسبية وفقدان البوصلة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى تجاوز الثنائية، لا بإلغاء أحد طرفيها، وإنما بتركيب العلاقة بينهما: ثباتٌ في القيم والغايات، وحركةٌ في الوسائل والمواقف والقرارات، ووعيٌ قادر على التمييز بين ما ينبغي الحفاظ عليه وما ينبغي تغييره.

في هذا السياق تكتسب الفلسفة الموقفية Situationalism أهميتها، فالموقف ليس مجرد استجابة لظرف عابر، بل هو نقطة التقاء بين المبدأ والواقع، وبين الوعي والقرار، وبين القيم ومتطلبات الفعل. وفي الموقف تُختبر الأفكار، وفي القرار تتجسد القيم، وفي الممارسة تتحول الحكمة من معرفة مجردة إلى قوة فاعلة في الحياة.

ومن هذه الزاوية يمكن استحضار بعض التجارب الفكرية في التراث الإسلامي، ومنها تجربة الإمام جعفر الصادق، لا بوصفها انتماءً تاريخيًا إلى مفهوم «الفلسفة الموقفية المستدامة»، وإنما بوصفها نموذجًا تحليليًا للتفاعل بين ثبات القيم ومرونة الوسائل، وبين المعرفة والعمل، وبين الحكمة والسياق.

ومن هنا أخذني كتاب «تفلسف خارج الفلسفة: السبيل إلى الفلسفة الموقفية المستدامة» للمفكر الإنساني والاستراتيجي الدكتور عقيل الخزعلي إلى سؤال يتجاوز حدود الكتاب ذاته: هل يمكن بناء فلسفة لا تستسلم لجمود الثبات ولا لفوضى التغير، وإنما تجعل من التفاعل بينهما مصدرًا لاستدامة الإنسان والمعنى؟

ولعل الكتاب يمثل، إن جاز التعبير، «عضلة الحكمة» وبيانها التأسيسي لفلسفة موقفية مستدامة في مواجهة الاستباحة والانطفاء، فالاستباحة تبدأ حين تصبح القيم والهوية والإرادة قابلة للاختراق، والانطفاء يحدث حين يفقد الإنسان قدرته على إنتاج المعنى والمشاركة في صناعة العالم.
ومن خلال القراءة الأولية، يبدو أن مشروع الدكتور عقيل الخزعلي يحاول بناء منطقة ثالثة بين الفلسفة الساكنة والفلسفة الديناميكية ، منطقة يكون فيها الثبات جذرًا، والحركة حياةً، والوعي جسرًا بينهما.

وهنا تكمن خصوصية الفكرة: الثبات ليس أن نبقى في المكان نفسه، والحركة ليست أن نتخلى عن ذواتنا ، بل أن نعرف ما الذي لا يجوز أن نفقده ونحن نتحرك، وما الذي يجب أن نغيره كي نحافظ على ما يستحق البقاء.

ومن ثم، فإن «الاستدامة» لا تعني مجرد الاستمرار، بل تعني قدرة المنظومة القيمية على البقاء فاعلة تحت ضغط التحولات؛ أن تمتلك من المرونة ما يسمح لها بالتجدد، ومن الصلابة ما يمنعها من الذوبان.

بهذا المعنى، تصبح الفلسفة الموقفية المستدامة محاولةً لبناء إنسان ثابت الجذور، متحرك العقل، يقظ الضمير، إنسان لا يعيش أسير الماضي ولا ذائبًا في المستقبل، بل قادرًا على تحويل المرجعية إلى فعل، والفكرة إلى منهج، والمنهج إلى موقف، والموقف إلى ممارسة.

وعليه، فإن هذه المقدمة لا تسعى إلى تصنيف مشروع الدكتور عقيل الخزعلي داخل مدرسة فلسفية جاهزة، بقدر ما تحاول الكشف عن موقعه في ذلك النسيج الممتد من سؤال هيراقليطس وبارمنيدس إلى سؤال الإنسان المعاصر: كيف نثبت فيما يستحق الثبات، وكيف نتغير فيما يستحق التغيير؟

ربما هنا تحديدًا يبدأ معنى الموقف؛
وربما هنا أيضًا تبدأ الفلسفة من جديد..!.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تُقطع أنفاس الطبيعة
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الأول
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الاخير
- من شارع الأمير غازي إلى شارع النضال: حكاية شارع من ذاكرة بغد ...
- قصر النهاية: حوار مع الخوف
- حين كان الشختور يعبر بي إلى ضفاف الصبا
- فقر الطبقة الوسطى: من التهميش الاقتصادي إلى اغتراب الوعي
- ميدوسا العراقية: حين تحجّر الوطن وباعت الطبقة الوسطى مدافئها
- لغة بعد الاستعمار: بين مابوتو وريو دي جانيرو… حين تتحول اللغ ...
- من صخرة سيزيف إلى القوارب المتجهة نحو البر الأوروبي: التمرد ...
- مقاهي الانغلاق الأيديولوجي: بين التقليدية والرقمية قراءة في ...
- الاحتواء الرقمي واحتواء الذكاء الاصطناعي: سيناريو تحول أدوات ...
- الجيل الثاني من الإصلاح المصرفي في العراق: من الامتثال إلى ا ...
- الذكاء الاصطناعي… السلاح الذي يعيد رسم خرائط القوة والسيادة ...
- مصادفات أدبية… من مكتبة عبد الكريم قاسم إلى بيت لميعة عباس ع ...
- التين… ذاكرة تموز على ضفاف الفرات
- عام 1996… حين أدار النفط الجوع بدل أن يصنع المستقبل-من صندوق ...
- على مسرح الباطل
- المُغامَرَةُ: سَحْبُ الأَمْسِ وغَيْثُ الحاضِرِ
- طراز الحياة ابتلع المهن: من اقتصاد الإصلاح إلى مجتمع الاستهل ...


المزيد.....




- مصر.. منشور في صفحة مدرسة يثير جدلًا بشأن ارتداء الطالبات ال ...
- في لبنان والضفة وغزة.. نتنياهو يربك ترامب
- وسط غضب إسرائيلي.. بريطانيا تتجه غداً لحظر التجارة مع المستو ...
- واشنطن تتحدث عن -تقدم جوهري- نحو محادثات ثلاثية.. وزيلينسكي: ...
- النمسا تبدأ بتطبيق حظر -غطاء الرأس الإسلامي- بالمدارس وسط طع ...
- مطار صدام .. خيال ام سلاح غامض ؟
- الاستخبارات الإيرانية تعلن تفكيك خلية إرهابية تابعة للموساد ...
- علامة في الوجه قد تكشف خطرا يهدد القلب والدماغ
- أوروبا.. نوايا الحرب ورغبة بمقعد تفاوضي
- الدوحة تكشف عن وساطة لصياغة اتفاق بين طهران وواشنطن يرضي الط ...


المزيد.....

- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مظهر محمد صالح - فلسفة الموقف: تجاوز ثنائية الثبات والتغير نحو تركيب مستدام