أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - المُغامَرَةُ: سَحْبُ الأَمْسِ وغَيْثُ الحاضِرِ














المزيد.....

المُغامَرَةُ: سَحْبُ الأَمْسِ وغَيْثُ الحاضِرِ


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 02:49
المحور: قضايا ثقافية
    


لا أدري كيف يفسر علماء النفس قدرة الإنسان على اقتحام المجهول، وهو يدرك أن الطريق محفوف بدرجات متفاوتة من اللايقين، وأن كل خطوة قد تقوده إلى الخسارة أو إلى اكتشاف ذاته. ولعل عالم النفس الكندي ألبرت باندورا، حين صاغ مفهوم “فاعلية الذات”، اقترب من تفسير هذه الظاهرة ،إذ رأى أن ثقة الإنسان بقدرته على مواجهة التحديات هي التي تدفعه إلى اقتحام المجهول وتحمل مشاق التجربة، رغم ما يحيط بها من شكوك ولايقين. فالمغامرة، في جوهرها، ليست تهورًا، بل إيمان بالقدرة على تجاوز العقبات.
لقد كانت أولى مغامراتي هي المراهقة السياسية ، ذلك العمر الذي تتحول فيه الأفكار إلى يقينيات، وتغدو الأيديولوجيا عقيدة لا تقبل النقاش. وفي تلك المرحلة يندفع الشاب للدفاع عن منظومة فكرية قد لا يكون قد اختبرها بعقله بقدر ما تشربها بعاطفته. وكأن ما وصفه الفيلسوف كارل بوبر بـ”سحر الأيديولوجيات المغلقة” يجد طريقه إلى اللاوعي، فتستقر الأفكار فيه باعتبارها حقائق نهائية، قبل أن تكشف الحياة أن الحقيقة أكثر رحابة من أي قالب فكري جامد، وأن النقد فضيلة لا تقل أهمية عن الإيمان بالمبادئ.
أما المغامرة الثانية، فكانت الاندفاع العاطفي في الحب المبكر، وهو لا يقل إخلاصًا عن الانغلاق الأيديولوجي، لكنه أكثر التصاقًا بوجدان الإنسان. فالحب في ريعان الشباب كثيرًا ما يتجاوز حسابات الواقع، ويمنح القلب سلطة تتقدم على العقل. غير أن الحياة، كما يرى أرسطو، لا تستقيم بالفضائل وحدها، بل تحتاج إلى “الحكمة العملية” التي تحقق التوازن بين الرغبة والإمكان. ومن هنا قد يتحول الزواج المبكر، إذا افتقر إلى مقوماته الاقتصادية والاجتماعية، إلى مغامرة تنتهي بانكسار، لا لأن الحب كان زائفًا، بل لأن الإرادة وحدها لا تكفي لصناعة الاستقرار.
ثم جاءت المغامرة الثالثة، وكانت الأعظم أثرًا في مسيرتي ،اقتحام العالم الغربي وأنا أحمل على كتفي مسؤولية زوجة وأطفال، وأسعى في الوقت ذاته إلى تحصيل شهادة عليا. هناك، بين برد المناخ وبرودة الغربة، أدركت أن المغامرة ليست انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل انتقال من عالم مألوف إلى عالم يعيد تشكيل الإنسان من الداخل. وقد اقترب الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغارد من هذا المعنى حين صاغ مفهوم “القفزة الإيمانية”، الذي يجعل الإنسان يُقدم على القرار المصيري قبل أن يمتلك يقينًا كاملًا بنتائجه، فيتجاوز حدود المعلوم إلى أفق الاختيار والمسؤولية. وهكذا كانت مغامرتي ، لم تكن اندفاعًا أعمى، بل ثقة بأن الطريق لا يُكتشف إلا بالسير فيه.
كانت المغامرتان السابقتان ترافقانني كذاكرة لا تغيب، لكنهما لم تعودا مصدر انكسار، بل تحولتا إلى مصدر قوة. فالتراجع، كما يرى الفيلسوف فريدريك نيتشه، ليس نقيض الإنجاز، وإنما مادة لصناعة الإرادة ، وما لا يكسر الإنسان قد يمنحه قدرة أكبر على الصمود. وهكذا أصبحت التجارب السابقة رأس مالٍ معنويًا، لا عبئًا نفسيًا.
لقد حصلت على شهادتي العليا في اختصاص نادر في حقل الاقتصاد، ولم يكن الإنجاز ثمرة الذكاء وحده، بل حصيلة صبر طويل، واقتحام متكرر لدائرة المجهول، وإيمان بأن النجاح لا يُمنح، وإنما يُنتزع. ولعل الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر كان محقًا حين رأى أن الإنسان هو مجموع اختياراته، وأنه يصنع ذاته بالفعل لا بالتمني.
وأنا أتأمل رحلتي، أجدني أستحضر أجمل ما كُتب عن المغامرة، في كلمات المفكر العراقي حسين العادلي، إذ لخّص فلسفتها بعبارات ملهمة:

((….المغامرةُ رئةٌ ثالثة.
• المغامرةُ قرارٌ ،نصفُه بصيرة، ونصفُه جرأة.
• مَن لا يُغامرُ في الحق، يُغامرُ به الباطل.
• على قدرِ العزمِ تكونُ المغامرةُ، ومَن تردَّد تبِع.
• المغامرةُ رحمُ الفرصة، وعديمُ المغامرةِ عقيم.
• بين المغامرةِ والمقامرة تُعرف حكمةُ الساسة.
• الثورةُ مغامرةُ الشعوب، والإصلاحُ مغامرةُ الحكام.
• جوهرُ القيادة: غامر… أو غادر…. انتهى العادلي.))

واليوم، وقد بلغت من العمر ما يجعل الإنسان أكثر ميلًا إلى التأمل من الاندفاع، أجد أن مغامراتي الثلاث لم تكن انتصارات منفصلة، بل كانت مدرسة واحدة علّمتني أن الإنجاز الحقيقي لا يكمن في غياب التعثر، وإنما في القدرة على تحويل التعثر إلى خبرة، والخبرة إلى حكمة، والحكمة إلى قوة أخلاقية تنير البصيرة وتصقل الشخصية.
لقد أدركت أن المغامرة ليست تهورًا، وإنما فعلٌ أخلاقي حين يقترن بالبصيرة، وأنها ليست مقامرة بالمصير، بل استثمار في الإمكان الإنساني. فالحياة، كما يؤكد فلاسفة الرواقية، لا تمنح الإنسان السيطرة على كل ما يحدث له، لكنها تمنحه دائمًا حرية اختيار موقفه مما يحدث. ومن هذه الحرية يولد المعنى، ومن المعنى تنبع الإرادة، وبالإرادة تتجدد قدرة الإنسان على أن يجعل من سحب الأمس غيثًا يروي الحاضر ويصنع المستقبل.
أدركتُ أن المغامرة ليست اندفاعًا أعمى نحو المجهول، بل يقينٌ واعٍ بقدرة الإنسان على عبور ما لا يُدرك بثبات البصيرة. وما كان بالأمس غيومًا مثقلة في ذاكرة الروح، غدا اليوم مطرًا يخصب أرض التجربة ويعيد إليها الحياة.
وهكذا يتكشف أن الإنسان لا ينهض حقًا إلا حين يحوّل عثراته إلى معرفة، ومعرفته إلى خبرة، وخبرته إلى حكمة، ثم يجعل من تلك الحكمة نورًا داخليًا يهتدي به حين يشتد الغموض وتضيق مسالك الرؤية.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طراز الحياة ابتلع المهن: من اقتصاد الإصلاح إلى مجتمع الاستهل ...
- الانتصار بالسلام: استراتيجية الفوز المشترك في النظام الاقتصا ...
- الأبيض والأسود في العهد الملكي: سيرة أب في زمن الوضوح
- العراق على مفترق العقد: شهادتي التاريخية في المجلس الأطلسي
- أوكسجين الحرية: بين الحرب والسجن الذي نحمله في داخلنا
- سعر صرف الدينار العراقي: بين دفاع الاحتياطيات وصدمة هرمز
- السيبرنتيك والذكاء الاصطناعي: لماذا نحتاج إلى استعادة مركزية ...
- كريستوفر فُوت : إصلاح نظام العملة في العراق بين أنقاض الحرب ...
- الكنيسة البروتستانتية في عصر الذكاء الاصطناعي: ماكس فيبر الث ...
- العشُّ الأول للحرية
- الهدوء الذي سبق العاصفة المالية: ذكريات عراقية من قلب النظام ...
- وول ستريت… حين يتقاطع خريفُ الذاكرة بين الحلال والحرام
- من سرق رخامنا؟
- نفط العراق من بوابة الساعة الذهبية
- المرأة والمقهى… تحولات القوة الناعمة في المجتمع العراقي
- بين خيوط السجاد ودموع أمي ذكريات من ثورة مايس 1941
- الصدمة النفطية وتمويل المشاريع الاستثمارية: إشكالية العجز وك ...
- بلاْدي الصُنع: اقتصاد بلا إنتاج وسوق بلا معنى
- ذكريات على ورقٍ بلا عناقيد
- شارعٌ تغيّر اسمه… وبقيت حكايته


المزيد.....




- كيف ربح ترامب 1.4 مليار دولار من عملته المشفرة -$TRUMP- بينم ...
- داخل -شاحنات الحرية-.. كيف تروي إدارة ترامب تاريخ أمريكا للأ ...
- أول رحلة جوية مباشرة تربط مسقط بسوتشي.. 150 راكبا يدشنون خطا ...
- إيران تتوعد الولايات المتحدة وإسرائيل برد -قاسٍ- على أي هجوم ...
- بعد أيام من أحداث عابدين.. قوات إسرائيلية تنفذ توغلًا جديدًا ...
- وزير خارجية إيران يؤكد تقارير عن خطة إسرائيل لاستهداف مفاوضي ...
- استهدف مقهى شعبيًا وسط العاصمة.. ارتفاع حصيلة تفجير دمشق إلى ...
- أكثر من 640 ألف نازح لبناني عادوا إلى منازلهم.. والقرى الحدو ...
- أكثر من ألفي حالة وفاة إضافية في فرنسا خلال ذروة موجة الحر، ...
- صحيفة: نتائج فحوصات -إيجابية- لمنشطات لدى لاعبين في منتخب تو ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - المُغامَرَةُ: سَحْبُ الأَمْسِ وغَيْثُ الحاضِرِ