أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - مظهر محمد صالح - طراز الحياة ابتلع المهن: من اقتصاد الإصلاح إلى مجتمع الاستهلاك














المزيد.....

طراز الحياة ابتلع المهن: من اقتصاد الإصلاح إلى مجتمع الاستهلاك


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 02:48
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


كانت خمسينيات بلادي وما تلاها زمناً اقتصادياً نابضاً بالحياة، تتشابك فيه الحرف التقليدية مع تفاصيل العيش اليومي، حتى غدت كل مهنة حلقةً أساسيةً في دورة المجتمع. لم يكن الشيء يُقتنى ليُستهلك ثم يُلقى، بل كان يُصان ويُرمَّم، ويُورَّث أحياناً، في ثقافة تؤمن بقيمة العمل وقيمة المادة معاً.
كان حذاء طفولتي، الذي صنعته سواعد أبناء بلادي، أكثر من قطعة جلد تُلبس ، كان ثمرة خبرة صانع، ونتاج اقتصاد محلي يحترم المهنة ويمنحها مكانتها. فإذا تمزقت إحدى واجهاته بسبب لعب الصغار أو وعورة الطرق، لم يكن مصيره سلة المهملات، بل كان ينتقل إلى يد الركّاع أو القندرجي، ذلك الحرفي الذي يعيد إليه الحياة. وكانت أحذية الأسرة كلها تتجمع في موعد معلوم، لتأخذ طريقها إلى أشهر مصلح أحذية في المدينة، فيرقع، ويخيط، ويبدل النعال، ثم يختم عمله بطبقة من الأصباغ والملمعات، فتعود الأحذية وكأنها خرجت للتو من يد صانعها.
كان ذلك المشهد يمثل (اقتصاداً دائرياً- Circular Economy بالفطرة )قبل أن تعرف البشرية هذا المصطلح بسنوات طويلة؛ فالصانع، ومصلح الأحذية، وبائع الجلود، وصانع المسامير، وتاجر الأصباغ، جميعهم كانوا يعيشون من دورة إنتاج وصيانة متكاملة تحفظ المال والموارد، وتديم فرص العمل.
ثم تغيرت الحياة، وتغير معها طرازها وأنماط المعيشة. وغزت البضائع المستوردة الأسواق، وسيطرت ثقافة الاستبدال على حساب ثقافة الصيانة، واختفت تدريجياً ورش الركّاعين والقندرجية، وغابت أصوات مطارقهم ورائحة الجلود والأصباغ التي كانت تعبق بها الأسواق القديمة. وطُويت صفحة رجل بسيط، لكنه كان يحمل بين يديه علماً متوارثاً وعدة متقنة، تضم أنواع المسامير والكلاليب، وماكينات الخياطة الثقيلة، والمخيط اليدوي، والأزاميل، وأصناف الأصباغ والملمعات التي كانت تمنح الحذاء عمراً جديداً.
حدثني شاب عن والده، الذي كان من أمهر القندرجية في بغداد، فسألته عن مصير مكائن صناعة الأحذية ومعدات صيانتها التي أفنى عمره معها. تنهد بحسرة وقال: «مات والدي، ومات معه معظم إخوته، وماتت المهنة، وأُغلق السوق». كانت جملة قصيرة، لكنها تختصر نهاية مرحلة كاملة من تاريخ المدينة.
وتألمت حين رأيت حفيدي يستبدل حذاءه بسبب عيب بسيط بحذاء جديد، وأنا أعلم أن مصلحي الأحذية الذين كانوا يعيدون للحذاء عمره قد اختفوا، وأن أدواتهم صدئت أو بيعت خردة، وأن أبناءهم اتجهوا إلى مهن أخرى فرضها واقع اقتصادي جديد. عندها أدركت أن خسارتنا لم تكن حذاءً فحسب، بل كانت خسارة لذاكرة مهنية، وثقافة إنتاج، وقيم اجتماعية كانت تؤمن بأن الإصلاح فضيلة، وأن دوام النعمة في حسن رعايتها.
وليس العراق وحده من شهد هذا التحول ،فقد عرفت مدن العالم، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، تغيراً جذرياً مع التصنيع الكثيف والعولمة وظهور المنتجات منخفضة الكلفة، فتراجعت مهن مثل إصلاح الأحذية، وصناعة السروج، وتصليح الأواني النحاسية، وإصلاح الساعات الميكانيكية، لتحل محلها ثقافة الاستهلاك السريع. وقد وصفت الدراسات الاقتصادية هذا التحول بأنه انتقال من اقتصاد الإصلاح إلى اقتصاد الاستبدال، وهو تحول رفع معدلات الاستهلاك، لكنه أسهم أيضاً في اندثار كثير من الحرف التراثية.
لقد كانت أسواق بغداد، ولا سيما سوق السراي، وسوق الصفافير، وسوق باب الآغا، والأزقة المتفرعة من شارع الرشيد، تحتضن عشرات الحرفيين الذين شكلوا جزءاً من هوية المدينة. وكان القندرجي، شأنه شأن الصفّار والخياط والنجار، شخصية مألوفة في النسيج الاجتماعي، تؤدي دوراً اقتصادياً وثقافياً يتجاوز حدود المهنة نفسها.
إن طراز الحياة الحديث منح الإنسان كثيراً من وسائل الراحة، لكنه، في المقابل، ابتلع مهناً عريقة، وأطفأ مصابيح ورش صغيرة كانت تعج بالحياة، واختزل العلاقة بين الإنسان والسلعة إلى معادلة بسيطة: اشترِ… ثم استبدل. وبين الأمس واليوم، لا يبقى سوى الحنين إلى زمن كانت فيه الأشياء تُصنع بإتقان، وتُصلح بمحبة، وتعيش أعماراً أطول، كما كان أصحاب المهن يعيشون بكرامة من عرق أيديهم، تاركين وراءهم إرثاً من الحرفة والإخلاص لا يزال يستحق أن يُروى للأجيال.
ختاماً، لم يكن الركّاع والقندرجي مجرد صاحبي مهنة، بل كانا جزءاً من منظومة اقتصادية واجتماعية تجعل من الإصلاح قيمة، ومن إطالة عمر السلعة فضيلة، ومن تدوير الموارد أسلوباً للحياة. وما نسميه اليوم كما ذكرنا بـ«الاقتصاد الدائري» ، اذ لم يكن ذلك الاقتصاد مفهوماً مستورداً في خمسينيات العراق وستينياته، بل كان ممارسة يومية راسخة في الأسواق والأحياء والبيوت.
ولعل المفارقة أن العالم المتقدم عاد اليوم يدعو إلى الحق في إصلاح السلع، وتقليل النفايات، وإعادة الاستخدام، بينما ما زلنا نبتعد عن تلك القيم التي عرفناها بالفطرة.
إن استعادة روح تلك المهن ليست استعادة للماضي بقدر ما هي استعادة لثقافة اقتصادية رشيدة، تجعل الإنتاج والصيانة والتدوير ركائز للتنمية المستدامة، وتحفظ الموارد، وتعيد الاعتبار الى الانسان المنتج قبل الانسان المستهلك.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانتصار بالسلام: استراتيجية الفوز المشترك في النظام الاقتصا ...
- الأبيض والأسود في العهد الملكي: سيرة أب في زمن الوضوح
- العراق على مفترق العقد: شهادتي التاريخية في المجلس الأطلسي
- أوكسجين الحرية: بين الحرب والسجن الذي نحمله في داخلنا
- سعر صرف الدينار العراقي: بين دفاع الاحتياطيات وصدمة هرمز
- السيبرنتيك والذكاء الاصطناعي: لماذا نحتاج إلى استعادة مركزية ...
- كريستوفر فُوت : إصلاح نظام العملة في العراق بين أنقاض الحرب ...
- الكنيسة البروتستانتية في عصر الذكاء الاصطناعي: ماكس فيبر الث ...
- العشُّ الأول للحرية
- الهدوء الذي سبق العاصفة المالية: ذكريات عراقية من قلب النظام ...
- وول ستريت… حين يتقاطع خريفُ الذاكرة بين الحلال والحرام
- من سرق رخامنا؟
- نفط العراق من بوابة الساعة الذهبية
- المرأة والمقهى… تحولات القوة الناعمة في المجتمع العراقي
- بين خيوط السجاد ودموع أمي ذكريات من ثورة مايس 1941
- الصدمة النفطية وتمويل المشاريع الاستثمارية: إشكالية العجز وك ...
- بلاْدي الصُنع: اقتصاد بلا إنتاج وسوق بلا معنى
- ذكريات على ورقٍ بلا عناقيد
- شارعٌ تغيّر اسمه… وبقيت حكايته
- صخرة الذاكرة وقصر الألم: تأملات في فلسفة الوجع والحنين


المزيد.....




- فانس ينتقد قاضية بالمحكمة العليا بسبب موقفها بشأن -حق المواط ...
- ليبيا والمغرب يبحثان تطوير التدريب العسكري وتبادل الخبرات
- تهديد وترغيب.. ترامب يمارس ضغوطا جديدة على حلفائه الأوروبيين ...
- فنزويلا: إنقاذ أكثر من 6400 شخص من تحت الأنقاض عقب الزلازلين ...
- لبنان وإسرائيل.. تغيير أولويات الاتفاق
- الرئيس الإماراتي يبحث مع الشرع تعزيز التعاون والعمل المشترك ...
- اليونان تعيد إلى مصر كنزا مهربا
- زخاروفا ساخرة تهنئ البرلمان البريطاني على صدارته في تمثيل مج ...
- كيف سيبدو البشر في المستقبل؟
- ترامب يحقق أكثر من مليار دولار من العملات المشفّرة في العام ...


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - مظهر محمد صالح - طراز الحياة ابتلع المهن: من اقتصاد الإصلاح إلى مجتمع الاستهلاك