أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مظهر محمد صالح - حين كان الشختور يعبر بي إلى ضفاف الصبا














المزيد.....

حين كان الشختور يعبر بي إلى ضفاف الصبا


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 16:43
المحور: سيرة ذاتية
    


لم تكن جُبّة بالنسبة لي مجرد جزيرة خضراء تستريح في قلب الفرات، ولم يكن الشختور مجرد قارب يعبر بالناس من ضفة إلى أخرى… كانا معًا جزءًا من زمن جميل، ما زالت ألوانه تسكن الذاكرة، كلما مرّ طيف الفرات في خاطري.

كان ذلك في صيف العام 1959، حين كنت في ريعان الصبا، وقد حملتني العطلة الصيفية إلى بيت عمتي في أعالي الفرات، حيث كانت لها بساتين زراعية مميزة ورثتها عن زوجها في منطقة طلبلبية، على الضفة الأخرى من النهر.

كنت يومها أرى العالم بعين مختلفة؛ عين الصبي الذي يكتشف الأشياء للمرة الأولى، فيدهشه النهر، والبستان، والنخيل، ورائحة العنب، وثمار التفاح الأبيض التي كانت تتدلى من الأشجار في شهر آب، كأنها هدايا معلقة في حضن الصيف.

لكن أكثر ما كان يستهويني هو الشختور.

يا لذلك الشختور الذي ما زالت صورته تسكن ذاكرتي!

كان قاربًا عميقًا، عريضًا، يبلغ عرضه نحو ثلاثة أمتار وطوله قرابة ستة أمتار، ويمضي فوق مياه الفرات مربوطًا بسلك فولاذي مشدود بين الضفتين. وكان رجل من أهل القرية يتولى أمره، يمسك السلك بيديه ويجذب الشختور رويدًا رويدًا، حتى ينزلق فوق الماء، حاملاً الناس وأحمالهم، وأكياس الحبوب، وصناديق الفاكهة، وما تحمله أيدي الفلاحين من خيرات الأرض.

كان عبور الفرات يومها مغامرة صغيرة في نظر الصبي الذي كنته، وفرحًا لا يشبهه فرح.

كنت أراقب الماء، وأتابع حركة الشختور، وأشعر أنني أعبر إلى عالم آخر… عالم أكثر خضرة، وأكثر هدوءًا، وأقرب إلى القلب.

كانت جُبّة تبدو لي يومها كأنها لؤلؤة خضراء وسط الفرات؛ جزيرة كثيفة النخيل والبساتين، يحيط بها الماء من كل جانب، وتفوح منها رائحة الأرض والثمار.

وفي إحدى مرات العبور، رأيت مشهدًا لم يغادر ذاكرتي حتى اليوم.

كان قروي يسبح عكس تيار الفرات، متجهًا نحو جُبّة، وأمامه جِرْبة سوداء منفوخة من جلد الماعز، يستعين بها على السباحة ومقاومة التيار. بقيت أراقبه بدهشة ، فقد كان المشهد بالنسبة لي شيئًا من الحكايات القديمة، حيث الإنسان والنهر وجهًا لوجه، لا تفصل بينهما إلا شجاعة القلب وخبرة أهل المكان.

وفي جُبّة لم أكتفِ بالبساتين والنخيل والنهر، بل كانت لي فيها وقفة أخرى مع الذاكرة ،فقد رأيت آثار وبقايا المدرسة التي افتتحها والدي الراحل، ضمن جهود نشر التعليم وإشاعة المدارس في العراق في عشرينيات القرن الماضي.

وهناك، شعرت بأن للمكان ذاكرة تتجاوز الإنسان نفسه ، فالأب الذي رحل بقي شيء من أثره في مدرسة، وفي جدران، وفي قرية، وفي وجدان طفل جاء إليها بعد سنوات ليتلمس بعضًا من خطواته.

وحين حان وقت العودة، كان عليّ أن أعبر الفرات مرة أخرى، ولكن من جهة أخرى لا يتوافر فيها الشختور.

كان الفرات يومها أكثر هيبة، وكانت أمواجه تبدو لي عالية ومخيفة، والقوارب الصغيرة تكافح مياهه بعناد.

وما إن بلغت الضفة الغربية حتى كانت تنتظرني مفاجأة لا تزال تثير ابتسامتي كلما تذكرتها:

حمار أبيض وديع!

كانت عمتي قد رتبت أمر العودة ببساطة أهل الريف وكرمهم، فكان عليّ أن أمتطي ذلك الحمار، ونقطع الطريق عبر الهضاب الغربية، في رحلة استغرقت نحو ساعتين، حتى بلغنا منطقة البغدادي.

وما زلت أذكر الطريق… هدوء الهضاب، واتساع الأفق، وحرارة الصيف، وذلك الشعور الغريب بالسعادة الذي لا يعرفه إلا الصبا.

ثم بلغنا تجمعًا سكانيًا كان الناس فيه ينتظرون الحافلة القادمة من القرى والقصبات المنتشرة على ضفاف أعالي الفرات.

ركبنا الحافلة، وانحدرنا مع مجرى النهر عائدين إلى مدينتنا، بعد أيام قليلة من عطلة صيفية بدت يومها طويلة جدًا، وما زالت اليوم تبدو لي أجمل مما ينبغي للزمن أن يسمح به.

وكان من أطرف أيام تلك الزيارة يوم تبرعت، مع بعض أقاربي، بالمساعدة في تسيير الشختور بين ضفتي الفرات.

كان يومًا مليئًا بالمزاح والضحكات، وبالمزارعين البسطاء الذين كانوا يحملون منتجاتهم إلى الأسواق، فيما كان الشختور يشق طريقه بين أمواج الفرات، ونحن نعيش فرحة صغيرة لم نكن ندرك أنها ستصبح، بعد عشرات السنين، واحدة من أجمل ذكريات العمر.

واليوم، بعد أن ابتعدت السنوات، لم يعد الشختور موجودًا في حياتي، وربما تغيرت جُبّة، وتبدلت البساتين، وغادر كثير من أولئك الناس الطيبين إلى رحاب الله…

لكن شيئًا واحدًا لم يتغير:

كلما تذكرت الفرات، عاد إليّ ذلك الصبي الذي كنتُه.

أراه واقفًا على الشختور، يتطلع إلى الماء بدهشة، ويسمع صوت السلك وهو ينزلق تحت يد الرجل الذي يقود القارب، ويرى جُبّة تقترب منه ببطء، خضراء، وادعة، مغمورة بالنخيل والثمار.

وعندها أشعر أن الشختور لم يكن يعبر بي من ضفة إلى ضفة…

كان يعبر بي من العمر إلى العمر، ومن الحاضر إلى زمن الصبا.

وما أجمل أن يكون للإنسان مكانٌ إذا تذكره، عاد إليه صباه للحظات.

كانت جُبّة ذلك المكان.

وكان الفرات شاهدي.

أما الشختور… فما زال، إلى اليوم، يحملني في الذاكرة إلى أجمل ضفاف العمر.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فقر الطبقة الوسطى: من التهميش الاقتصادي إلى اغتراب الوعي
- ميدوسا العراقية: حين تحجّر الوطن وباعت الطبقة الوسطى مدافئها
- لغة بعد الاستعمار: بين مابوتو وريو دي جانيرو… حين تتحول اللغ ...
- من صخرة سيزيف إلى القوارب المتجهة نحو البر الأوروبي: التمرد ...
- مقاهي الانغلاق الأيديولوجي: بين التقليدية والرقمية قراءة في ...
- الاحتواء الرقمي واحتواء الذكاء الاصطناعي: سيناريو تحول أدوات ...
- الجيل الثاني من الإصلاح المصرفي في العراق: من الامتثال إلى ا ...
- الذكاء الاصطناعي… السلاح الذي يعيد رسم خرائط القوة والسيادة ...
- مصادفات أدبية… من مكتبة عبد الكريم قاسم إلى بيت لميعة عباس ع ...
- التين… ذاكرة تموز على ضفاف الفرات
- عام 1996… حين أدار النفط الجوع بدل أن يصنع المستقبل-من صندوق ...
- على مسرح الباطل
- المُغامَرَةُ: سَحْبُ الأَمْسِ وغَيْثُ الحاضِرِ
- طراز الحياة ابتلع المهن: من اقتصاد الإصلاح إلى مجتمع الاستهل ...
- الانتصار بالسلام: استراتيجية الفوز المشترك في النظام الاقتصا ...
- الأبيض والأسود في العهد الملكي: سيرة أب في زمن الوضوح
- العراق على مفترق العقد: شهادتي التاريخية في المجلس الأطلسي
- أوكسجين الحرية: بين الحرب والسجن الذي نحمله في داخلنا
- سعر صرف الدينار العراقي: بين دفاع الاحتياطيات وصدمة هرمز
- السيبرنتيك والذكاء الاصطناعي: لماذا نحتاج إلى استعادة مركزية ...


المزيد.....




- هل تهدّد الحرارة المرتفعة عطلتك الصيفية وكيف تؤثر في رحلتك ا ...
- تخريب نصب تذكاري للحرب العالمية الثانية في واشنطن.. من الفاع ...
- بوتين يعقد اجتماعا مع أعضاء مجلس الأمن الروسي
- القوات الأمريكية والأوكرانية وجهاً لوجه في مناورة عسكرية.. و ...
- عودة السوريين من تركيا تتسارع بعد سقوط الأسد.. وزير يكشف أرق ...
- راما دواجي تزور سوريا ولبنان: -سوء تفاهم- مع شرطة مدينة نيوي ...
- ترامب يصف نتنياهو بـ-أسوأ عدو لنفسه-
- ليبيا.. ترتيبات أمنية جديدة في الزاوية بقيادة رئاسة الأركان ...
- رومانيا.. سقوط مسيّرة مجهولة على بعد 5 كيلومترات من حدود أوك ...
- زاخاروفا: سلطات مولدوفا تتصرف وفقا لنهج النازيين في كييف


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مظهر محمد صالح - حين كان الشختور يعبر بي إلى ضفاف الصبا