أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مظهر محمد صالح - لغة بعد الاستعمار: بين مابوتو وريو دي جانيرو… حين تتحول اللغة من إرث الهيمنة إلى جسر للحضارة















المزيد.....

لغة بعد الاستعمار: بين مابوتو وريو دي جانيرو… حين تتحول اللغة من إرث الهيمنة إلى جسر للحضارة


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 02:16
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


«حدود لغتي هي حدود عالمي»
لودفيغ فتغنشتاين.
هناك لحظات في تاريخ الشعوب تتحول فيها الأشياء التي حملت ذاكرة الألم إلى أدوات لصناعة المستقبل.
فالسفن التي عبرت المحيطات ذات يوم حاملة رايات الإمبراطوريات ، تركت وراءها بعد رحيل الاستعمار لغات وثقافات وشبكات إنسانية أعادت الشعوب الحرة تشكيلها وفق إرادتها.
ولعل اللغة البرتغالية تقدم واحدة من أكثر صور التاريخ مفارقةً وعمقًا ، فقد جاءت يومًا مع حركة التوسع الاستعماري، لكنها بقيت بعد انحساره لغةً مشتركة بين شعوب مستقلة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية ، تحولت من أداة سلطة إلى أداة تواصل، ومن إرث للهيمنة إلى رصيد حضاري.

دُهشت وأنا أتأمل أحد أرصفة العاصمة الموزمبيقية مابوتو، المدينة التي كانت تُعرف باسم لورينسو ماركيز خلال الحقبة الاستعمارية البرتغالية، قبل أن تستعيد اسمها الوطني بعد استقلال موزمبيق في الخامس والعشرين من حزيران/يونيو 1975. كان ذلك اليوم إيذانًا بانتهاء مرحلة طويلة من الاستعمار الاستيطاني، ورحيل قوة جعلت من هذه المدينة السمراء مركزًا لمصالحها وثرواتها.
تقع موزمبيق في واحدة من أجمل مناطق الجنوب الإفريقي، حيث تمتزج الطبيعة الخضراء بالمناخ المعتدل ورذاذ الأمطار الدافئة، إلا أن ما جذب انتباهي في مابوتو لم يكن جمال المكان فقط، بل مشهد ثقافي صغير يحمل معنىً تاريخيًا كبيرًا : انتشار الصحف والمجلات البرازيلية المطبوعة في ريو دي جانيرو، حتى بدا حضورها أكثر وضوحًا من المطبوعات القادمة من لشبونة ، عندها بدا لي أن التاريخ لا يعيش في الكتب وحدها، بل يظهر أحيانًا على أرصفة المدن وفي أكشاك الصحف. فقد امتد خيط ثقافي من شبه الجزيرة الإيبيرية في أوروبا، عبر إفريقيا، إلى أمريكا الجنوبية، ليجمع موزمبيق والبرازيل في فضاء لغوي واحد تصنعه البرتغالية.

لكن المفارقة الكبرى أن اللغة التي حملتها الإمبراطورية البرتغالية إلى هذه القارات لم تعد اليوم ملكًا للإمبراطورية، بل أصبحت ملكًا للشعوب التي أعادت إنتاجها.
لقد أخذت البرتغالية معنى جديدًا في مابوتو كما في ريو دي جانيرو ، فهي لغة الجامعة، والكتاب، والإعلام، والتجارة، والأدب، والحوار بين الثقافات.

« التحرر بلغة واحدة ومسارين مختلفين »

في موزمبيق، جاء الاستقلال في العام 1975 بعد حرب تحرير طويلة قادتها جبهة تحرير موزمبيق (فريليمو) بقيادة سومورا ميشيل. كان التحرر هناك تعبيرًا عن مقاومة جماعية، حملته القرى والجبال والذاكرة الشعبية، فكانت الأرض نفسها جزءًا من قصة الحرية.

أما البرازيل، فقد سلكت طريقًا مختلفًا عندما أعلن الأمير بيدرو الأول استقلال البلاد في السابع من أيلول/سبتمبر 1822 فيما عُرف بـ”صرخة إيبيرانغا”. لقد كان الانفصال عن البرتغال لحظة تأسيس سياسي جديد، لكنه لم يكن قطيعة ثقافية مع اللغة التي أصبحت جزءًا من الهوية البرازيلية.

وبين التجربتين، بقيت اللغة البرتغالية رابطًا غير مرئي. ففي موزمبيق أصبحت لغة رسمية ساعدت على التواصل بين مجتمع متعدد اللغات والثقافات، وفي البرازيل أصبحت عنصرًا أساسيًا في بناء هوية وطنية جامعة.

وهنا تظهر حقيقة تاريخية مهمة: إن اللغة ليست محايدة دائمًا، فقد تكون في لحظة ما أداة للسيطرة، لكنها تستطيع في لحظة أخرى أن تتحول إلى أداة للتحرر عندما تستعيد الشعوب حقها في استخدامها والتعبير بها عن ذاتها.

« اللغة في فكر ما بعد الاستعمار »

لقد أدرك مفكرو ما بعد الاستعمار هذه العلاقة العميقة بين اللغة والقوة. فقد رأى المناضل فرانتز فانون أن الاستعمار لا يحتل الأرض فقط، بل يسعى إلى التأثير في الوعي والثقافة، لأن اللغة تحمل معها تصورًا للعالم وهوية كاملة للشعوب.
ويرى فرانتز فانون في كتابيه “بشرة سوداء، أقنعة بيضاء” و”معذبو الأرض” أن الاستعمار لا يفرض سيطرته على الأرض فقط، بل يسعى أيضًا إلى التأثير في وعي الإنسان ولغته وصورته عن ذاته ، ولذلك فإن التحرر لا يكتمل إلا عندما تستعيد الشعوب قدرتها على إنتاج معناها الخاص للعالم.

أما الروائي والمفكر الكيني البارز نغوغي واثيونغو فقد أكد في كتابه (تصفية استعمار العقل) أن اللغة وعاء للذاكرة الجماعية، وأن تحرير الإنسان يتطلب تحرير مخيلته من الهيمنة الثقافية.
و يرى نغوغي واثيونغو أن تحرير الإنسان لا يكتمل إلا عندما يستعيد حقه في التعبير عن العالم بلغته الخاصة ، فاللغة ليست مجرد أداة للكلام، بل ذاكرة وهوية وطريقة في رؤية الوجود.

ويشير الكاتب الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابيه الاستشراق Orientalism و الثقافة والإمبريالية (Culture and Imperialism إلى أن القوة لا تعمل بالسلاح وحده، بل عبر إنتاج سرديات تحدد صورة الشعوب عن نفسها وعن الآخرين. ولذلك فإن استعادة الشعوب لحقها في رواية تاريخها هي جزء من استعادة استقلالها الثقافي.

ومن زاوية فلسفية خالصة ، يرى الفيلسوف الألماني هانس-غيورغ غادامير ، أن اللغة هي الوسط الذي يتحقق فيه التفاهم بين البشر، فهي ليست جدارًا يفصل الشعوب، بل فضاء يلتقي فيه المختلفون.

أما الفيلسوف الفرنسي بول ريكور صاحب المدرسة التأويلية The hermeneutical school ، فقد ربط اللغة بالسرد والذاكرة، مؤكدًا أن الأمم تبني هويتها بالطريقة التي تروي بها تاريخها. ومن أشهر أفكاره مفهوم “اندماج الآفاق” (Fusion of Horizons) أي أن الفهم الحقيقي يحدث عندما يلتقي أفق القارئ أو الإنسان المعاصر مع أفق النص أو الثقافة الأخرى، فينشأ معنى جديد من الحوار بين التجارب.
وهذا ما يفسر تجربة موزمبيق والبرازيل ،فالبرتغالية لم تعد مجرد أثر للماضي الاستعماري، بل أصبحت لغة تكتب بها شعوب مستقلة أدبها وعلومها ومؤسساتها ورؤيتها للمستقبل.

« اللغة بوصفها احتياطيًا حضاريًا »
إذا كانت الدول تحتفظ بالاحتياطيات الأجنبية لحماية اقتصاداتها من الصدمات وتعزيز الثقة بها، فإن الأمم تمتلك نوعًا آخر من الاحتياطيات هو الاحتياطي الحضاري: اللغة، والمعرفة، والثقافة، والذاكرة، والمؤسسات.

فاللغة ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل أصل حضاري تتراكم فيه خبرات الأجيال. وكلما اتسع استخدامها في التعليم والبحث العلمي والإبداع والتجارة، ازدادت قيمتها، تمامًا كما يزداد رأس المال قيمة عندما يُستثمر وينتج.
ومن هذا المنظور، أصبحت البرتغالية احتياطيًا حضاريًا مشتركًا بين شعوب متعددة، من البرازيل إلى موزمبيق وأنغولا والرأس الأخضر وغيرها. فلم تعد رمزًا لإمبراطورية مضت، بل رصيدًا ثقافيًا تتقاسمه أمم مستقلة.

وهنا تلتقي اللغة بالاقتصاد ، فالثقة والمعرفة والشبكات الثقافية والقدرة على التواصل، كلها أصول غير مادية تسهم في بناء العلاقات التجارية والتعليمية والتنموية بين الشعوب، ويمكن تسميتها
مجازا بعلم الاقتصاد الحضاري Civilizational Economics ، فهو مجال متعدد التخصصات يدرس كيف تشكل الأصول الثقافية والتاريخية والمؤسسية والمعرفية ، مسار التنمية الاقتصادية وقدرة المجتمعات على الصمود والازدهار طويل الأمد.

لقد كان المفكر البرازيلي باولو فريري،
في كتابيه (تربية المقهورين) و (التعليم بوصفه ممارسة للحرية) يرى أن الكلمة ليست مجرد صوت، بل فعل يغير العالم. فالإنسان يتحرر عندما يمتلك القدرة على تسمية العالم بلغته ورؤيته. ومن هنا تصبح اللغة ممارسة للحرية.
خاتمة :
«من ذاكرة الهيمنة إلى أرصفة الحرية..! »
يعلمنا التاريخ ان الإمبراطوريات قد تفرض لغاتها بالقوة، لكنها لا تستطيع أن تحتكر معناها إلى الأبد. فالشعوب الحرة تعيد امتلاك اللغة، وتمنحها روحًا جديدة، وتحولها من أداة للسيطرة إلى جسر للحوار.
وعلى رصيف صغير في مابوتو، أمام صحف جاءت من ريو دي جانيرو، بدا المشهد امامي وكأنه رسالة من التاريخ: إن البرتغالية لم تعد تحكي قصة الإمبراطورية التي نشرتها، بل قصة الشعوب التي حررتها.
فالحرية لا تعني فقط استعادة الأرض، بل استعادة القدرة على إنتاج المعنى. وعندما تتحرر اللغة، تصبح أحد أهم أصول الحضارة ، لأنها تمنح الأمم القدرة على التفاهم قبل التفاوض، وعلى بناء الثقة قبل بناء الأسواق، وعلى صناعة السلام قبل صناعة المصالح.
وهكذا تتحول الكلمات من ذاكرة للهيمنة إلى أرصفة للحرية، تعبر فوقها الشعوب نحو مستقبل أكثر رحابة وإنسانية.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من صخرة سيزيف إلى القوارب المتجهة نحو البر الأوروبي: التمرد ...
- مقاهي الانغلاق الأيديولوجي: بين التقليدية والرقمية قراءة في ...
- الاحتواء الرقمي واحتواء الذكاء الاصطناعي: سيناريو تحول أدوات ...
- الجيل الثاني من الإصلاح المصرفي في العراق: من الامتثال إلى ا ...
- الذكاء الاصطناعي… السلاح الذي يعيد رسم خرائط القوة والسيادة ...
- مصادفات أدبية… من مكتبة عبد الكريم قاسم إلى بيت لميعة عباس ع ...
- التين… ذاكرة تموز على ضفاف الفرات
- عام 1996… حين أدار النفط الجوع بدل أن يصنع المستقبل-من صندوق ...
- على مسرح الباطل
- المُغامَرَةُ: سَحْبُ الأَمْسِ وغَيْثُ الحاضِرِ
- طراز الحياة ابتلع المهن: من اقتصاد الإصلاح إلى مجتمع الاستهل ...
- الانتصار بالسلام: استراتيجية الفوز المشترك في النظام الاقتصا ...
- الأبيض والأسود في العهد الملكي: سيرة أب في زمن الوضوح
- العراق على مفترق العقد: شهادتي التاريخية في المجلس الأطلسي
- أوكسجين الحرية: بين الحرب والسجن الذي نحمله في داخلنا
- سعر صرف الدينار العراقي: بين دفاع الاحتياطيات وصدمة هرمز
- السيبرنتيك والذكاء الاصطناعي: لماذا نحتاج إلى استعادة مركزية ...
- كريستوفر فُوت : إصلاح نظام العملة في العراق بين أنقاض الحرب ...
- الكنيسة البروتستانتية في عصر الذكاء الاصطناعي: ماكس فيبر الث ...
- العشُّ الأول للحرية


المزيد.....




- ترامب: -شركات النفط تجني أرباحاً طائلة.. وأنا لست سعيداً بذل ...
- سوريا.. بلاغ من مزارع يقود إلى ضبط صواريخ -غراد- في ريف درعا ...
- روسيا تقدم احتجاجا لبولندا على إزالة نصب تذكاري متعلق بالحرب ...
- غارات إسرائيلية مستمرة على غزة والجيش يضع -خطوطا حمراء- لتنف ...
- العثور على رفات بشرية بين قطنا وإمبيا بريف دمشق.. والتحقيقات ...
- مسؤول أمني كبير لـ-واللا-: الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب قصو ...
- القطاع الصحي في الخرطوم يسابق الزمن لاستعادة خدماته
- أنامل الخير.. بازار في ريف دمشق لدعم العائلات وتشجيع المشاري ...
- تصعيد روسي يستنزف دفاعات أوكرانيا وكييف تطلب صواريخ باتريوت ...
- تصاعد ضربات الموانئ والطاقة بين موسكو وكييف.. وهذه التفاصيل ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مظهر محمد صالح - لغة بعد الاستعمار: بين مابوتو وريو دي جانيرو… حين تتحول اللغة من إرث الهيمنة إلى جسر للحضارة