أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مظهر محمد صالح - الجيل الثاني من الإصلاح المصرفي في العراق: من الامتثال إلى التنمية















المزيد.....

الجيل الثاني من الإصلاح المصرفي في العراق: من الامتثال إلى التنمية


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 23:21
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


يمثل الإصلاح المصرفي في العراق اليوم أحد أهم مسارات التحول الاقتصادي، إذ لم يعد يقتصر على معالجة الاختلالات التنظيمية أو ضبط حركة التحويلات الخارجية، بل أصبح مشروعًا لإعادة بناء وظيفة القطاع المصرفي ودوره في الاقتصاد الوطني. ومن هنا يبرز مفهوم الجيل الثاني من الإصلاح المصرفي بوصفه انتقالًا من مرحلة تثبيت الاستقرار وتعزيز الامتثال إلى مرحلة بناء قطاع مصرفي حديث قادر على تمويل التنمية والاندماج المستدام في النظام المالي العالمي.

ولا يُراد بهذا المفهوم أن يكون منفصلًا عن صلب البرامج الرسمية للإصلاح، بل هو توصيف لمرحلة متقدمة من مسار الإصلاح المصرفي نفسه، تتجسد فيها السمات الأساسية للانتقال من الإصلاحات التصحيحية Corrective Reforms إلى الإصلاحات الهيكلية Structural Reforms؛ أي الانتقال من معالجة الاختلالات واستعادة الثقة إلى بناء القدرة المؤسسية والتمويلية للقطاع المصرفي.

فقد ركز الجيل الأول من الإصلاح على استعادة الاستقرار النقدي، وتعزيز متطلبات الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتنظيم التحويلات الخارجية، وإعادة بناء العلاقات مع المصارف المراسلة العالمية، بما أسهم في حماية النظام المالي وتعزيز الثقة به. أما الجيل الثاني، فيتجه نحو تحويل هذه المكتسبات إلى قاعدة مؤسسية مستدامة تجعل المصارف العراقية شريكًا فاعلًا في التنمية الاقتصادية، وقادرة على تعبئة المدخرات وتمويل الاستثمار والإنتاج.

لقد شهد القطاع المصرفي العراقي خلال الفترة الأخيرة تطورات مهمة في مسار إعادة الاندماج المالي الدولي، كان من أبرزها إعادة تأهيل سبعة مصارف أهلية للعودة إلى التعامل بالدولار الأمريكي في عمليات فتح الاعتمادات المستندية وتمويل التجارة الخارجية، بعد استكمال متطلبات الامتثال وتعزيز الضوابط الرقابية. وتمثل هذه الخطوة مؤشرًا مهمًا على تحسن الثقة الدولية بالقطاع المصرفي العراقي، كما يمكن أن تسهم في توسيع القنوات الرسمية للتمويل الخارجي، وتقليل الاعتماد على السوق الموازية للعملة الأجنبية، ودعم استقرار سوق الصرف وتعزيز الثقة بالمصارف الخاصة.

وقد جاءت هذه التطورات في سياق أوسع من جهود الإصلاح التي تهدف إلى إعادة بناء العلاقة بين المصارف العراقية والنظام المالي العالمي. فقد أسهمت خارطة الطريق الخاصة بتطوير الامتثال والحوكمة، بالتعاون بين البنك المركزي العراقي والمؤسسات الاستشارية الدولية والمصارف العراقية، في رفع مستوى الالتزام بالمعايير العالمية، وتعزيز أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتحسين فرص إعادة بناء العلاقات مع المصارف المراسلة الدولية.

غير أن استدامة هذا التحول تتطلب الانتقال من الإصلاحات التصحيحية إلى الإصلاحات الهيكلية. فالامتثال لا ينبغي أن يبقى مجرد استجابة لمتطلبات خارجية، بل يجب أن يتحول إلى ثقافة مؤسسية راسخة داخل المصارف، مدعومة بأنظمة رقابة داخلية فعالة، وحوكمة مستقلة، وإدارة مخاطر قادرة على اكتشاف مواطن الضعف ومعالجتها قبل تحولها إلى أزمات.

ومن هنا تبرز أهمية الانتقال في فلسفة الرقابة المصرفية من الرقابة القائمة على القواعد -(Rule--Based Supervision-) إلى الرقابة القائمة على المخاطر -(Risk--Based Supervision-). فالرقابة الحديثة لا تكتفي بالتأكد من الالتزام بالتعليمات، بل تقيم قدرة المصرف على إدارة المخاطر المرتبطة برأس المال والسيولة والائتمان والامتثال والحوكمة.

وعليه، فإن المعالجة المثلى للأزمات المصرفية لا ينبغي أن تقوم على التوسع في الوصاية أو التدخل المباشر، بل على بناء منظومة رقابية وقائية تحدد مواطن الخلل في مراحل مبكرة. ويبقى اللجوء إلى الوصاية إجراءً استثنائيًا يرتبط بحالات الإخفاق الجوهري، مثل تآكل رأس المال أو انخفاضه إلى مستويات تهدد سلامة المصرف، وفقًا لأحكام قانون المصارف رقم 94 لسنة 2004.

وقد أظهرت التجربة العراقية خلال السنوات الماضية أن التوسع في بعض المبادرات الائتمانية، رغم أهميتها في دعم النشاط الاقتصادي، أدى أحيانًا إلى تداخل الدور التنموي مع الدور الرقابي، وخلق نمطًا رقابيًا هجينًا بين التدخل المباشر والرقابة المؤسسية. كما كشفت بعض الحالات عن ضعف في رؤوس الأموال، وقصور في الحوكمة، وممارسات ريعية مرتبطة بالعملة الأجنبية، وهو ما يؤكد الحاجة إلى إعادة ترتيب أولويات الإصلاح باتجاه تعزيز الملاءة المالية، ورفع كفاءة إدارة المخاطر، وربط التمويل بالنشاط الإنتاجي الحقيقي.

وفي هذا الإطار، فإن إعادة هيكلة القطاع المصرفي، بما في ذلك دمج بعض المصارف أو معالجة أوضاع المصارف غير القادرة على المنافسة، يجب أن تتم ضمن رؤية متوازنة تحمي حقوق المودعين والعاملين، وتؤسس لمصارف أكثر قوة وكفاءة وقدرة على تمويل الاقتصاد.

كما تحتاج المرحلة المقبلة إلى أدوات مؤسسية جديدة تدعم الانتقال نحو التمويل التنموي، ومن بينها إنشاء مؤسسات مالية متخصصة قادرة على مشاركة المخاطر وتوفير الضمانات الائتمانية للمشاريع الإنتاجية. ويمكن لمؤسسة مصرفية تنموية مثل Active Bank أن تؤدي دورًا مهمًا في دعم تمويل خطوط الإنتاج، وتقديم الضمانات اللازمة للمصارف، وربط السوق العراقية بمؤسسات التمويل ووكالات ائتمان الصادرات العالمية، بما يعزز قدرة القطاع الخاص على الاستثمار والتوسع.

وفي موازاة ذلك، يمثل انفتاح العراق على المؤسسات المالية العالمية، ومن بينها JPMorgan Chase، فرصة استراتيجية لتعزيز ارتباط العراق بالنظام المالي الدولي. فوجود مؤسسة مصرفية عالمية بهذا الحجم لا يقتصر على تقديم الخدمات المالية، بل يفتح المجال أمام تمويل المشاريع الكبرى، وترتيب القروض السيادية، وإدارة المخاطر، وتطوير شبكة العلاقات المصرفية الدولية، ونقل الخبرات في مجالات الحوكمة والتكنولوجيا المالية.

إن المرحلة المقبلة تتطلب كذلك تسريع التحول الرقمي في القطاع المصرفي، من خلال تطوير التكنولوجيا المالية FinTech، وتوسيع أنظمة الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية، وتقليل الاعتماد على النقد، بما يعزز الشمول المالي، ويرفع كفاءة الخدمات المصرفية، ويدعم أنظمة الرقابة ومكافحة الجرائم المالية.

إن تفاهمات واشنطن وما رافقها من تطورات مصرفية لا تمثل نهاية الإصلاح المصرفي، بل بداية مرحلة جديدة أكثر عمقًا وطموحًا. فالنجاح الحقيقي لن يقاس بعدد المصارف التي استعادت علاقاتها مع البنوك المراسلة، ولا بعدد المؤسسات المالية الأجنبية التي تدخل السوق العراقية، وإنما بقدرة العراق على بناء قطاع مصرفي قوي يمتلك رؤوس أموال كافية، وحوكمة رصينة، وامتثالًا مؤسسيًا متقدمًا، وتكنولوجيا مالية حديثة، وقدرة حقيقية على تعبئة المدخرات وتمويل التنمية والإنتاج.

فالجيل الثاني من الإصلاح المصرفي يعني الانتقال من الامتثال إلى التنمية، ومن إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات، ومن حماية النظام المالي إلى توظيفه في خدمة الاقتصاد الوطني. وهو يمثل انتقالًا في فلسفة الإصلاح نفسها: من الرقابة التقليدية إلى الرقابة الذكية القائمة على المخاطر، ومن تمويل التجارة إلى تمويل التنمية، ومن الإصلاح التنظيمي إلى الاندماج الكامل في النظام المالي العالمي.

وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل القطاع المصرفي العراقي يتوقف على قدرة الدولة والمصارف معًا على تحويل الثقة الدولية المتجددة إلى استثمارات حقيقية، واستقرار نقدي، ونمو اقتصادي مستدام، بحيث يصبح القطاع المصرفي محركًا للتنمية الاقتصادية ورافعة لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على المنافسة، ينعكس أثره بصورة مباشرة على المواطن العراقي.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الذكاء الاصطناعي… السلاح الذي يعيد رسم خرائط القوة والسيادة ...
- مصادفات أدبية… من مكتبة عبد الكريم قاسم إلى بيت لميعة عباس ع ...
- التين… ذاكرة تموز على ضفاف الفرات
- عام 1996… حين أدار النفط الجوع بدل أن يصنع المستقبل-من صندوق ...
- على مسرح الباطل
- المُغامَرَةُ: سَحْبُ الأَمْسِ وغَيْثُ الحاضِرِ
- طراز الحياة ابتلع المهن: من اقتصاد الإصلاح إلى مجتمع الاستهل ...
- الانتصار بالسلام: استراتيجية الفوز المشترك في النظام الاقتصا ...
- الأبيض والأسود في العهد الملكي: سيرة أب في زمن الوضوح
- العراق على مفترق العقد: شهادتي التاريخية في المجلس الأطلسي
- أوكسجين الحرية: بين الحرب والسجن الذي نحمله في داخلنا
- سعر صرف الدينار العراقي: بين دفاع الاحتياطيات وصدمة هرمز
- السيبرنتيك والذكاء الاصطناعي: لماذا نحتاج إلى استعادة مركزية ...
- كريستوفر فُوت : إصلاح نظام العملة في العراق بين أنقاض الحرب ...
- الكنيسة البروتستانتية في عصر الذكاء الاصطناعي: ماكس فيبر الث ...
- العشُّ الأول للحرية
- الهدوء الذي سبق العاصفة المالية: ذكريات عراقية من قلب النظام ...
- وول ستريت… حين يتقاطع خريفُ الذاكرة بين الحلال والحرام
- من سرق رخامنا؟
- نفط العراق من بوابة الساعة الذهبية


المزيد.....




- فوائد قروض المصارف العراقية تتجاوز الواقع الاقتصادي!
- ترامب يفرض رسوما بنسبة 50% على كندا
- اليمن يعلن استئناف تصدير النفط المتوقف منذ عامين لمواجهة الأ ...
- خبير بريطاني يتوقع ركودا عالميا في الخريف ويرى أن روسيا -الأ ...
- مصر.. بيان من هيئة المحطات النووية بشأن مفاعل الضبعة بشأن اد ...
- -ثورة- الطاقة البديلة.. كيف تحول الصين أزمة هرمز لفرصة إسترا ...
- بالأرقام.. تعرف إلى حجم التجارة السعودية عبر البحر الأحمر
- محكمة أمريكية تعلّق صفقة اندماج باراماونت ووارنر براذرز
- التأمين البحري عبر هرمز يقفز إلى 10% من قيمة السفينة
- من المهد إلى المحفظة الاستثمارية.. هل آن أوان الاستثمار المب ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مظهر محمد صالح - الجيل الثاني من الإصلاح المصرفي في العراق: من الامتثال إلى التنمية