أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر - مظهر محمد صالح - حين تُقطع أنفاس الطبيعة














المزيد.....

حين تُقطع أنفاس الطبيعة


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 20:01
المحور: الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
    


هالني خبران جاءاني في وقت واحد، كأنهما صدرا من جهتين مختلفتين ليقولا الشيء نفسه: إن الطبيعة في بلادنا تُقتل ببطء، وإننا، في غمرة هذا العبث، لا نرى في موتها إلا حفنةً من الدنانير.

في وسط البلاد، رأيت صورة مؤلمة لرجل يقطع شجرة أوكالبتوس عتيقة، عاشت قرابة مئة عام، بجهاز كهربائي ينهش جذعها بلا رحمة. وبالقرب منه، كان مزارع بزيّه الريفي يشارك في اقتلاعها، وكأنهما لا يقطعان شجرة، بل يقتلعان صفحةً من ذاكرة الأرض.

وفي كردستان، كان المشهد أكثر وجعًا: شجرة بلوط شامخة في الجبال، تجاوز عمرها مئتي عام، تُحرق أمام أعيننا.

مئتا عام من المطر والشمس والريح؛ من الطيور التي احتمت بأغصانها، ومن الجذور التي تشبثت بالصخر، ومن الفصول التي تعاقبت عليها وهي صامتة، تمنح الأرض ظلها وخضرتها… ثم تنتهي في لحظات داخل نار لا تعرف معنى العمر.

أيُّ مرضٍ هذا الذي أصاب علاقتنا بالطبيعة؟

بتنا نعتدي عليها من أجل حفنة من الدنانير، ونقتلع جذورها كما لو أن الأرض لا ذاكرة لها. بساتين النخيل التي صمدت أمام الحروب تُقتلع، والأشجار التي احتملت الجفاف والغبار تُجرف، والغابات تُحرق، ثم نفرح ببضعة أمتار من الأرض الجرداء، ونبني فوقها مساكن وأحياء جديدة.

لكن، هل يستطيع الإسمنت أن يمنحنا السعادة إذا شُيّد فوق قبور الأشجار؟

كيف ستتنفس مدينة خنقت رئتيها بيديها؟
وكيف سيكبر طفل في أرض لا يعرف فيها ظل شجرة؟
وأي مستقبل نتركه لمن سيأتي بعدنا، إذا بعنا الهواء من أجل الفحم، وبعنا الظل من أجل متر من التراب؟

الشجرة ليست خشبًا.

الشجرة ذاكرةٌ واقفة، ورئةٌ خضراء، وبيتٌ لطائر، وظلٌّ لعابر، ومستودعٌ للماء، وحارسٌ صامتٌ للتربة، وشاهدٌ على زمن قد لا يعود.

وحين نقطع شجرة عمرها مئة عام، لا نحتاج إلا إلى دقائق كي نسقطها، لكننا قد نحتاج إلى قرن كامل كي نستعيد شيئًا مما قتلناه.

ولأنني عرفت معنى الشجرة، لا بوصفها نباتًا فحسب، بل بوصفها جزءًا من المكان والذاكرة، فإن صورة اقتلاعها اليوم تعيدني، كلما رأيتها، إلى يوم بعيد ما زال حيًا في داخلي.

عدتُ إلى بغداد ذات يوم، قادمًا من بريطانيا بعد حصولي على شهادة الدكتوراه. كانت فرحة العودة تختلط في داخلي بشوق طويل إلى المدينة، إلى البيت، وإلى تفاصيل المكان التي غابت عني سنوات.

دخلتُ بيتي الحالي، وهو بيت عمي أبي زوجتي، وكانت مساحته نحو ستمئة متر مربع. وما إن دخلتُ شارعنا، برفقة أبنائي وأمهم، حتى خُيّل إليّ أنني لم أدخل شارعًا من شوارع بغداد، بل دخلتُ بستانًا من النخيل، أو غابةً غنّاء تتنفس من حولنا.

كانت الأشجار في كل مكان، وكانت الخضرة جزءًا أصيلًا من المشهد، لا زينةً عابرة فيه. كان المكان حيًا إلى درجة أنني شعرت، بعد سنوات الغربة، أن بغداد تستقبلني بأشجارها قبل أن تستقبلني ببيوتها.

وكان ابني محمود يومها في الخامسة من عمره.

كانت تلك المرة الأولى التي يرى فيها نخلة عن قرب. وكانت نخلةٌ قائمة في الدار الملاصقة لبوابة داري الحالية. وما إن وقعت عيناه عليها حتى صاح، بعفوية طفل لم يعرف بعد كيف يخفي دهشته:

“What a nice tree!”

يا لها من جملة صغيرة، لكنها بقيت كبيرة في ذاكرتي.

ربما كان محمود يرى نخلةً جميلة فحسب، أما أنا فأرى اليوم في تلك العبارة صورةً كاملة لزمن كان فيه الشجر جزءًا طبيعيًا من حياتنا،زمن كان الطفل يستطيع فيه أن يدهش أمام نخلة، وأن يرى في شجرة واحدة شيئًا يستحق أن يقول عنه: ما أجمل هذه الشجرة!

واليوم، بعد عقود، أقف أمام المكان نفسه تقريبًا، فأجد أن معظم أشجار النخيل قد اقتُلعت، وأن المساكن تقلصت مساحاتها، وتفتتت الأراضي إلى قطع صغيرة، وتبدلت ملامح الشارع تبدلًا جائرًا.

لم نخسر النخيل وحده.

لقد خسرنا شيئًا من صورة المكان، وشيئًا من ذاكرة البيت، وشيئًا من طفولة أبنائنا، وشيئًا من ذلك المشهد الذي استقبلنا يوم عودتنا إلى بغداد.

ولهذا فإن قطع الشجرة ليس دائمًا مجرد قطع لشجرة.

أحيانًا نقطع معها ظلًا قديمًا، وذكرى، وملجأ لطائر، ونقطةً في خريطة طفولة، وربما نقطع جزءًا من علاقتنا بالمكان دون أن نشعر.

ذات يوم، كنت أتأمل صور غابات كندا، وأوراق شجرة الـMaple وهي تتدرج بألوانها بين الأخضر والأصفر والأحمر. لم أكن أتأمل جمال الأشجار وحده، بل كنت أفكر في سر العلاقة بين الإنسان والأرض هناك ،كيف تُترك للشجرة فرصة أن تعيش عمرها، وكيف يمكن لورقة صغيرة أن تحمل كل ذلك الجمال، بينما نعجز نحن عن حماية شجرة حملت قرنًا كاملًا من الحياة.

تأملت الورقة طويلًا، وشعرت كأنها تقول لي:

أنا لا أطلب منك شيئًا… فقط لا تقتل الشجرة التي تمنحك الحياة.

يا بلاد النخيل والصفصاف والبلوط والأوكالبتوس، لا تحوّلوا خضرتكم إلى فحم، ولا تجعلوا من جذوع أشجاركم شواهد قبور.

فالأرض التي نجرّدها اليوم من أشجارها ستنظر إلينا غدًا بلا ظل، وبلا هواء، وربما بلا ذاكرة.

وربما، حينها، سنكتشف متأخرين (أن أكثر ما أحرقناه لم يكن الحطب…بل كان مستقبلنا).

حسبنا الله ونعم الوكيل.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الأول
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الاخير
- من شارع الأمير غازي إلى شارع النضال: حكاية شارع من ذاكرة بغد ...
- قصر النهاية: حوار مع الخوف
- حين كان الشختور يعبر بي إلى ضفاف الصبا
- فقر الطبقة الوسطى: من التهميش الاقتصادي إلى اغتراب الوعي
- ميدوسا العراقية: حين تحجّر الوطن وباعت الطبقة الوسطى مدافئها
- لغة بعد الاستعمار: بين مابوتو وريو دي جانيرو… حين تتحول اللغ ...
- من صخرة سيزيف إلى القوارب المتجهة نحو البر الأوروبي: التمرد ...
- مقاهي الانغلاق الأيديولوجي: بين التقليدية والرقمية قراءة في ...
- الاحتواء الرقمي واحتواء الذكاء الاصطناعي: سيناريو تحول أدوات ...
- الجيل الثاني من الإصلاح المصرفي في العراق: من الامتثال إلى ا ...
- الذكاء الاصطناعي… السلاح الذي يعيد رسم خرائط القوة والسيادة ...
- مصادفات أدبية… من مكتبة عبد الكريم قاسم إلى بيت لميعة عباس ع ...
- التين… ذاكرة تموز على ضفاف الفرات
- عام 1996… حين أدار النفط الجوع بدل أن يصنع المستقبل-من صندوق ...
- على مسرح الباطل
- المُغامَرَةُ: سَحْبُ الأَمْسِ وغَيْثُ الحاضِرِ
- طراز الحياة ابتلع المهن: من اقتصاد الإصلاح إلى مجتمع الاستهل ...
- الانتصار بالسلام: استراتيجية الفوز المشترك في النظام الاقتصا ...


المزيد.....




- قصف أمريكي ورد إيراني.. ماذا حدث خلال الساعات الماضية؟
- مصر والصين توقعان 20 اتفاقية بحضور السيسي وشي
- موسكو: إغلاق القنصلية في بون والبيت الروسي ببرلين -يدمر- الع ...
- نتنياهو من داخل غزة: لن ننسحب ونسيطر على 60% من القطاع
- الصين توجه رسالة دعم لمصر بشأن نهر النيل
- سوريا.. قرود شاردة وهروب جماعي ومطاردة في الشوارع (فيديو)
- وزير الحرب الأمريكي يشطب 6 ضباط من قائمة الترقيات
- «المصريين الأحرار»: زيارة الرئيس الصيني لمصر تؤسس لمرحلة جدي ...
- باستثمارات تتجاوز 1.69 مليار جنيه:وزيرة الإسكان تتابع موقف ت ...
- وزيرة التنمية المحلية والبيئة تتابع نتائج حملات الحوكمة والم ...


المزيد.....

- ‫-;-وقود الهيدروجين: لا تساعدك مجموعة تعزيز وقود الهيدر ... / هيثم الفقى
- la cigogne blanche de la ville des marguerites / جدو جبريل
- قبل فوات الأوان - النداء الأخير قبل دخول الكارثة البيئية الك ... / مصعب قاسم عزاوي
- نحن والطاقة النووية - 1 / محمد منير مجاهد
- ظاهرةالاحتباس الحراري و-الحق في الماء / حسن العمراوي
- التغيرات المناخية العالمية وتأثيراتها على السكان في مصر / خالد السيد حسن
- انذار بالكارثة ما العمل في مواجهة التدمير الارادي لوحدة الان ... / عبد السلام أديب
- الجغرافية العامة لمصر / محمد عادل زكى
- تقييم عقود التراخيص ومدى تأثيرها على المجتمعات المحلية / حمزة الجواهري
- الملامح المميزة لمشاكل البيئة في عالمنا المعاصر مع نظرة على ... / هاشم نعمة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر - مظهر محمد صالح - حين تُقطع أنفاس الطبيعة