أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - مظهر محمد صالح - عبيد بلا سلاسل - الجزء الأول















المزيد.....

عبيد بلا سلاسل - الجزء الأول


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 17:04
المحور: حقوق الانسان
    


ذات مساء، خاطبتني ابنتي، وهي تعيش في الغربة، وأرسلت إليّ نصًا قصيرًا باللغة الإنكليزية:

“The modern slaves are not in chains, but in debt.”

قرأتها مرة، ثم عدت إليها. كانت جملة قصيرة، لكنها لم تكن عابرة. شيء فيها استوقفني، وأخذني بعيدًا عن الكلمات نفسها، إلى معنى أعمق: عبودية الدَّيْن.

تساءلت: هل يمكن للإنسان أن يكون عبدًا من دون أن تُكبّل يداه بسلسلة؟ هل يمكن أن يعيش حرًّا في الظاهر، بينما شيء خفي يمسك بمستقبله، ويحدد خياراته، ويقتطع من عمره؟

كلما فكرت في الأمر، بدا لي أن العبودية لم تختفِ تمامًا ،لقد تغيّر شكلها. في الأزمنة القديمة كان القيد ظاهرًا، وكانت السلاسل تُرى، وكان السجّان معروفًا. أما اليوم فقد يكون القيد ورقةً يوقّعها الإنسان، أو رقمًا في حساب مصرفي، أو قسطًا ينتظر موعده، أو قرضًا يمتد لسنوات. وقد لا يقف السجّان خلف الإنسان ،قد يكون أمامه، في هيئة فاتورة.

في الماضي كان السيد يقول لعبده: أنت لي. أما اليوم فقد تقول الديون للإنسان، من دون صوت: وقتك لي.

وهنا تكمن المفارقة. فالإنسان القديم كان يعرف أنه مقيد، ولذلك كان يحلم بالخلاص. أما الإنسان الحديث فقد يحمل قيده بيده، ويمشي به في الشوارع، ويدخل به إلى بيته، وربما يراه جزءًا طبيعيًا من حياته.

يعمل لكي يدفع، ويدفع لكي يستمر، ويستمر لكي يعمل. وهكذا تدخل الحياة في دائرة مغلقة، يصبح فيها الراتب الذي انتظره الإنسان شهرًا كاملًا موزعًا قبل أن يصل إليه.

قد يملك بيتًا، لكن البيت يأخذ من عمره سنوات. وقد يملك سيارة، لكن ثمنها يقتطع من مستقبله. وقد يملك أشياء كثيرة، ثم يكتشف ذات يوم أن الأشياء التي امتلكها أخذت منه شيئًا أثمن: حريته.

ولم تكن هذه الفكرة غائبة عن الأدب. بعد أن أرسلت إليّ ابنتي عبارتها، وجدتني أعود إلى أمبروز بيرس، الكاتب الأمريكي الساخر، وإلى كتابه الشهير The Devil’s Dictionary — قاموس الشيطان. وتحت كلمة Debt — الدَّين، كتب تعريفًا ساخرًا وقاسيًا في آن:

“An ingenious substitute for the chain and whip of the slave-driver.”

أي: «بديل بارع عن سلسلة العبد وسوط سيده.»

لم يكن بيرس يتحدث عن «العبودية الحديثة» بالصيغة التي نستخدمها اليوم، لكنه رأى في الدَّين قيدًا يؤدي وظيفة تشبه وظيفة السلسلة والسوط. والأشد إثارة أنه يرسم للمدين صورة تكاد تكون استعارةً كاملة للإنسان الحديث: كائن يسبح داخل حوضه بحثًا عن مخرج، ولا يرى السجن الذي يحيط به، وإن كان يشعر بحدوده.

توقفت طويلًا عند هذه الصورة.

السمكة لا ترى الحوض، لكنها لا تستطيع مغادرته.
حين قرأت كلام بيرس، عدت بذاكرتي إلى رسالة ابنتي. لقد جاءتني من بعيد بجملة واحدة عن السلاسل والديون، فإذا بها تفتح أمامي بابًا على أكثر من قرن من التأمل في علاقة الإنسان بالمال.

ولم أفكر في الدَّيْن بمعناه المالي وحده. فكرت فيها. فكرت في الغربة. في الإنسان الذي يترك وطنه، ويحمل حقيبة صغيرة وأحلامًا كبيرة، ويذهب إلى مكان بعيد بحثًا عن حياة أفضل.

الغريب لا يحمل حقيبته فقط. إنه يحمل معه أهله، وذكرياته، وقلقه، ومسؤولياته، وكل ما ينتظره منه الذين تركهم خلفه.

يعمل لكي يعيش، ويعمل أكثر لكي يرسل إلى أهله، ويقتصد لكي يبقى، ويبقى لكي يستطيع أن يعمل.

وفي الغربة قد يتحول الراتب من وسيلة للعيش إلى مقياس للنجاة.

وهنا بدت لي عبارة ابنتي أكثر عمقًا. ربما لم تكن تتحدث عن الدَّيْن بمعناه المالي وحده. ربما كانت تتحدث عن الإنسان الذي يبيع جزءًا من حاضره لكي يشتري مستقبلًا أفضل.

لكن ماذا يحدث إذا طال البيع؟

ماذا يحدث إذا باع الإنسان يومه من أجل غده، ثم باع غده من أجل اليوم الذي يليه؟

عندها يصبح العمر نفسه دينًا.

ليست المشكلة في الدَّيْن نفسه. فالإنسان قد يستدين ليبني بيتًا، أو يتعلم، أو يبدأ مشروعًا، أو يعبر أزمة عابرة. الدَّيْن قد يكون وسيلة. لكن المأساة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى سيد، عندما يبقى الإنسان في عمل يكرهه لأنه لا يستطيع ترك القسط، أو يعيش حياة لا يريدها لأنه يخشى أن يخسر مستوى من المعيشة اعتاد عليه، أو يصبح مستقبله مرهونًا بتوقيع حدث في الماضي.

عندها لا تعود القضية قضية مال.

إنها قضية حرية.

فالحرية ليست أن تستطيع شراء كل ما تريد. الحرية، في أعمق معانيها، أن تستطيع أن تقول: لا أريد.

أن تستطيع أن تتوقف. أن تستطيع أن تختار. أن يكون لك من وقتك ما يكفي لكي تكون أنت.

لكن ثمة عبودية أخرى أكثر خفاءً من عبودية الدَّيْن: عبودية الرغبة.

أن نريد ما لدى الآخرين، وأن نعيش كي نبدو ناجحين، وأن نشتري لا لأننا نحتاج، بل لأننا نخشى أن نشعر بأننا أقل من غيرنا.

عندها لا يعود الاستهلاك مجرد شراء. يصبح إغراءً.

ولا أحد يضع السلسلة في عنقك.

أنت الذي تمد يدك إليها.

وهكذا يصبح الإنسان، من حيث لا يشعر، مدينًا لأشياء لم يكن يحتاج إليها أصلًا. يدفع ثمن مظهره، وثمن صورته أمام الآخرين، وثمن حياة يريد أن يثبت أنه يعيشها.

ثم يأتي آخر الشهر، فيكتشف أن ما تبقى له ليس سوى القليل من المال، والقليل من الوقت، والكثير من الالتزامات.

ومنذ أن أرسلت إليّ ابنتي تلك الجملة، بقي سؤال يطاردني:

كم نحتاج لكي نعيش؟

ثم جاء سؤال آخر أكثر قسوة:

وكم نحتاج لكي نظهر للآخرين أننا نعيش؟

ربما بين السؤالين تقع مساحة كبيرة من عمر الإنسان.

هناك من يكدّس الأشياء، ثم يكتشف أنه بدد سنواته في جمعها. وهناك من يركض خلف المستقبل، حتى يصل إليه متأخرًا، وقد نسي أن يعيش الطريق.

وقد يملك الإنسان بيتًا وسيارة وحسابًا مصرفيًا، لكنه لا يملك شيئًا من وقته.

وهنا تصبح الثروة سؤالًا مختلفًا:

ليس كم تملك؟

بل:

كم من حياتك ما زال لك؟

ربما لهذا بقيت رسالة ابنتي معي.

كانت تعيش بعيدًا عني، لكنها أرسلت لي جملة عن السلاسل والديون، فإذا بها تقرّب المسافة بين الغربة والوطن، وبين المال والحرية، وبين الإنسان والزمن.

فكرت في المسافة التي تفصلنا أحيانًا عن أحبائنا، وفكرت في المسافة التي تفصل الإنسان عن نفسه.

قد يعيش المرء في وطنه ويكون غريبًا عن حياته. وقد يعيش في الغربة، لكنه يحمل وطنه معه في قلبه. وقد تكون أقسى أنواع الغربة أن يصبح الإنسان غريبًا عن وقته، فلا يجد في يومه فسحةً لنفسه.. وربما
.كان هذا هو الفارق بين العبودية القديمة والعبودية الحديثة. الأولى كانت تقول للإنسان: أنت مقيد. أما الثانية فتتركه يعتقد أنه حر.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الاخير
- من شارع الأمير غازي إلى شارع النضال: حكاية شارع من ذاكرة بغد ...
- قصر النهاية: حوار مع الخوف
- حين كان الشختور يعبر بي إلى ضفاف الصبا
- فقر الطبقة الوسطى: من التهميش الاقتصادي إلى اغتراب الوعي
- ميدوسا العراقية: حين تحجّر الوطن وباعت الطبقة الوسطى مدافئها
- لغة بعد الاستعمار: بين مابوتو وريو دي جانيرو… حين تتحول اللغ ...
- من صخرة سيزيف إلى القوارب المتجهة نحو البر الأوروبي: التمرد ...
- مقاهي الانغلاق الأيديولوجي: بين التقليدية والرقمية قراءة في ...
- الاحتواء الرقمي واحتواء الذكاء الاصطناعي: سيناريو تحول أدوات ...
- الجيل الثاني من الإصلاح المصرفي في العراق: من الامتثال إلى ا ...
- الذكاء الاصطناعي… السلاح الذي يعيد رسم خرائط القوة والسيادة ...
- مصادفات أدبية… من مكتبة عبد الكريم قاسم إلى بيت لميعة عباس ع ...
- التين… ذاكرة تموز على ضفاف الفرات
- عام 1996… حين أدار النفط الجوع بدل أن يصنع المستقبل-من صندوق ...
- على مسرح الباطل
- المُغامَرَةُ: سَحْبُ الأَمْسِ وغَيْثُ الحاضِرِ
- طراز الحياة ابتلع المهن: من اقتصاد الإصلاح إلى مجتمع الاستهل ...
- الانتصار بالسلام: استراتيجية الفوز المشترك في النظام الاقتصا ...
- الأبيض والأسود في العهد الملكي: سيرة أب في زمن الوضوح


المزيد.....




- الأمم المتحدة: انخفاض المساعدات الإنمائية قد يؤدي إلى ارتفاع ...
- شاهد.. إحباط محاولة هروب -يوتيوبر- تركي عُرف بتحريضه ضد اللا ...
- اعتقال قائد الأمن الداخلي في حماس.. تسلل قوة إسرائيلية خاصة ...
- تضارب الأنباء حول اعتقال قيادي في حماس عقب كمين لقوة إسرائيل ...
- وزير الدفاع الإسرائيلي يعلن اعتقال قيادي بارز في حماس
- مستوطنون يحاولون إحراق مسجد في نابلس وحملة اعتقالات واسعة تط ...
- عملية أمنية معقدة غرب غزة: تضارب الأنباء حول اعتقال قيادي في ...
- وزير الدفاع الإسرائيلي يعلن اعتقال قيادي بارز في -حماس-
- بوتين يذكر الأمم المتحدة بـ-السيد لا-
- خطوة تاريخية بالأمم المتحدة.. إلزام الدول بتعويض ضحايا تجارة ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - مظهر محمد صالح - عبيد بلا سلاسل - الجزء الأول