أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مظهر محمد صالح - قصر النهاية: حوار مع الخوف














المزيد.....

قصر النهاية: حوار مع الخوف


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 02:50
المحور: سيرة ذاتية
    


في يومٍ شَحَبَت فيه شمس الظهيرة وهي تلامس آلام جسدٍ وعقلٍ أنهكتهما الزنزانة، كان مطلع خريف العام 1971.
يومها أُغلقت الحلقة الأخيرة من حلقات التحقيق، بعد أن تولّى استجوابي قاضٍ خُيّل إليّ أنه يحمل شهادة جامعية ، وإن كانت الكلمات التي خرجت من فمه أشد قسوة من أن تحتاج إلى شهادة.
فبين عنف الأسئلة وبراءة القضية، صدر القرار بإطلاق سراحي.
خرجت من الغرفة التحقيقية المطلة على فناء التحقيق ، لكنني لم أخرج من الخوف ، بقيت في الانتظار ، معصوب العينين ، إلى أن سُنحت لي، بغفلةٍ خاطفة، فرصة أن ألمح ما لم يكن ينبغي لعيني أن تراه.

رأيت شابًا حُشر داخل إطار عجلة شاحنة مجوفة، وأُدخل الرجل في ذلك الإطار كأن جسده لم يعد جسد إنسان، بل مادةً للتعذيب. كان الصراخ يتردد في أرجاء المكان، حتى بدا لي أن السماء نفسها معلقة على إيقاع ذلك العذاب.

في تلك اللحظة أدركت أن السجن ليس جدرانًا وأبوابًا فحسب ، السجن قد يكون صوتًا، أو نظرة، أو احتمالًا مؤجلًا للموت. وأن الإنسان حين يرى عذاب إنسان آخر ، يصبح شاهدًا على ضعفه هو أيضًا.
انتهى التحقيق، لكن الأمر لم ينتهِ تمامًا.

قبل مغادرتي السجن، أُبلغنا بأن علينا أن نلتقي برئيس جهاز العلاقات العامة في بناية القصر الملكي في الطابق الثاني ، كان المكتب فخمًا ، على نحوٍ يتناقض بصورة جارحة مع المكان الذي جئت منه. كان الرجل معروف الصورة في ذاكرتي، وقد جلس أمامنا يتحدث عن دورنا في الحياة ، وعن ضرورة الابتعاد عن عالم التجاذبات التي تصطدم بالنظام السياسي.

كنت جالسًا على أريكة إلى جانبِه الأيسر حين التفت إليّ وسأل:

— هل أنت طالب جامعي؟

أجبته:

— نعم، ولم يبقَ على تخرجي سوى أشهر قليلة.

ثم سألني عن طموحاتي.

تحدثت بعفوية شاب لم يتعلم بعد كيف يخاف من أحلامه. حدثته عما كان يجول في خاطري عن إدارة الاقتصاد الكلي ، والنهوض بالاقتصاد الوطني، وعن دور الشباب في بناء وعي اقتصادي يمكن أن يخدم نهضة البلاد.
كنت أتكلم عن المستقبل، بينما كان الرجل ينظر إليّ من زاوية أخرى.
شعرت أن حديثي المفعم بالاندفاع لم يَرُق له كثيرًا. ثم فاجأني بقوله:
— جيدة طموحاتك المهنية والعلمية، ولكن أخشى عليك أن تصبح شيوعيًا!

تبسمت، ربما لأنني لم أدرك في تلك اللحظة أن الجملة لم تكن نصيحة، بل كانت تحذيرًا ..!

أجبته ببساطة:
— أنا اقتصادي فحسب.

غادرت مجلسه، لكنني لم أغادر الجملة.

ركبت حافلة السجن، وبعد الظهر تركتني في منتصف الدوار المقابل لمعرض بغداد ، نزلت وحيدًا ، ولم أفكر في شيء. لم أفعل سوى أن ركضت، دون وعي، صوب حي المنصور، حتى وصلت إلى دار شقيقتي، وكانت أقرب نقطة أعرفها.

كنت قد خرجت من السجن، لكن السجن لم يخرج مني.

كان جسدي يتحرك في شوارع بغداد بحرية، بينما كان عقلي يركض خلف سؤال واحد: ماذا لو أصبحت كلمة «شيوعي» تهمة جديدة؟ وماذا لو كان الخروج من الزنزانة مجرد انتقال من غرفةٍ مغلقة إلى وطنٍ واسعٍ لا تزال جدرانه قائمة؟

في ذلك اليوم تعلمت أن الخوف لا ينتهي لحظة فتح باب السجن. أحيانًا يبدأ الخوف الحقيقي بعد أن يُفتح الباب.

فالجلاد لا يحتاج دائمًا إلى سوطٍ أو غرفة تحقيق. يكفيه أن يزرع في رأس الضحية احتمالًا، ثم يتركها تكمل عملية التعذيب بنفسها. وحينها يتحول الخوف إلى حارسٍ داخلي ،لا ينام ولا يحتاج إلى أوامر، ولا ينتظر حضور السجان.

أما الضحية، فهي لا تحمل آثار التعذيب على جسدها وحده. تحملها في لغتها ، وفي صمتها، وفي الطريقة التي تختار بها كلماتها ، وفي الأحلام التي تبدأ بمراجعتها قبل أن تنطق بها.

لقد كان الجلاد يريد مني أن أخاف من أن أكون شيوعيًا ، بينما كنت أخاف من أن أُتهم بأنني كذلك. وبين الحقيقتين مسافة صنعتها السلطة: أن يصبح الإنسان مسؤولًا ليس عما فعل، بل عما يمكن أن يظُن أنه سيفعله.

وربما كانت تلك هي المفارقة الأكثر قسوة في علاقة الجلاد بالضحية : الجلاد يريد أن يملك جسد الضحية ، لكن سلطته الحقيقية تبدأ حين ينجح في امتلاك خيالها.

منذ ذلك اليوم، بقيت عبارة «إياك والشيوعية» تلاحقني.

لم تكن مجرد كلمات قيلت في مكتب فخم داخل قصر، كانت بابًا آخراً للخوف، بابًا لا يُرى، ولا يُغلق بالمفتاح. وكان عليّ أن أتحفظ من تهمة جديدة، تهمة قد لا تحتاج إلى دليل، وقد تقودني هذه المرة إلى الموت.

خرجت من السجن حيًا…

لكنني خرجت وأنا أعرف أن النجاة ليست دائمًا نهاية المحنة ، أحيانًا تكون بدايتها الأكثر هدوءًا.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين كان الشختور يعبر بي إلى ضفاف الصبا
- فقر الطبقة الوسطى: من التهميش الاقتصادي إلى اغتراب الوعي
- ميدوسا العراقية: حين تحجّر الوطن وباعت الطبقة الوسطى مدافئها
- لغة بعد الاستعمار: بين مابوتو وريو دي جانيرو… حين تتحول اللغ ...
- من صخرة سيزيف إلى القوارب المتجهة نحو البر الأوروبي: التمرد ...
- مقاهي الانغلاق الأيديولوجي: بين التقليدية والرقمية قراءة في ...
- الاحتواء الرقمي واحتواء الذكاء الاصطناعي: سيناريو تحول أدوات ...
- الجيل الثاني من الإصلاح المصرفي في العراق: من الامتثال إلى ا ...
- الذكاء الاصطناعي… السلاح الذي يعيد رسم خرائط القوة والسيادة ...
- مصادفات أدبية… من مكتبة عبد الكريم قاسم إلى بيت لميعة عباس ع ...
- التين… ذاكرة تموز على ضفاف الفرات
- عام 1996… حين أدار النفط الجوع بدل أن يصنع المستقبل-من صندوق ...
- على مسرح الباطل
- المُغامَرَةُ: سَحْبُ الأَمْسِ وغَيْثُ الحاضِرِ
- طراز الحياة ابتلع المهن: من اقتصاد الإصلاح إلى مجتمع الاستهل ...
- الانتصار بالسلام: استراتيجية الفوز المشترك في النظام الاقتصا ...
- الأبيض والأسود في العهد الملكي: سيرة أب في زمن الوضوح
- العراق على مفترق العقد: شهادتي التاريخية في المجلس الأطلسي
- أوكسجين الحرية: بين الحرب والسجن الذي نحمله في داخلنا
- سعر صرف الدينار العراقي: بين دفاع الاحتياطيات وصدمة هرمز


المزيد.....




- انتهاء مهلة الـ60 يوما للتوصل إلى اتفاق بين أمريكا وإيران.. ...
- هل فقد الجيل زد حماسه للذكاء الاصطناعي؟
- كيف تحولت رواية -مزرعة الحيوانات- إلى مرجع لفهم السلطة والاس ...
- الذكاء الاصطناعي القتالي الروسي.. مقاتلة -سو-57- منصة لقيادة ...
- الدفاع الروسية: إسقاط 205 مسيرات أوكرانية غربي البلاد
- خبير نرويجي: استخدام كييف درونات بريطانية ضد العمق الروسي قد ...
- الطقس يتدخل ويمنع زحف حرائق غابات بلجيكا نحو ألمانيا (فيديوه ...
- انتهاء مهلة الـ60 يوما بين واشنطن وطهران دون اتفاق.. وإيران ...
- سفير روسيا لدى ألمانيا: ساسة أوروبا يعيشون بعقلية العجوز شاب ...
- موسكو.. أم تضع مولودها الـ15 بعمر 41 عاما


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مظهر محمد صالح - قصر النهاية: حوار مع الخوف