أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - من شارع الأمير غازي إلى شارع النضال: حكاية شارع من ذاكرة بغداد














المزيد.....

من شارع الأمير غازي إلى شارع النضال: حكاية شارع من ذاكرة بغداد


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 20:47
المحور: قضايا ثقافية
    


أخذني الفضول، في يوم شتائي من أيام بغداد، قبل أكثر من عقدين من الزمن، إلى البحث في ذاكرة مدينتنا ، تلك المدينة التي تعاقبت عليها عصور وسلالات وإمبراطوريات، وظلت، رغم تبدّل الأزمنة، تحتفظ بقدرتها العجيبة على أن تخبئ تاريخها في تفاصيل تبدو عابرة.
مررت يومها أمام القصر الأبيض، أحد الشواهد الباقية من العصر الملكي، وهو يطل على شارع عريق ارتبط اسمه في الذاكرة السياسية العراقية بالنضال ضد العهد الملكي: شارع النضال.
توقفت لحظة، وأخذني سؤال صغير إلى فضاء أكبر:
ماذا كان اسم هذا الشارع في العهد الملكي؟
فالاسم الحالي، «النضال»، ينتمي إلى معجم سياسي ارتبط بالحركات المعارضة والثورات والتحولات التي عرفها العراق بعد قيام الجمهورية. فكيف كان يمكن لشارع في العهد الملكي أن يحمل اسماً من هذا القاموس؟
كان السؤال بسيطاً، لكنه أيقظ في داخلي فضولاً بغدادياً قديماً: أسماء الشوارع ليست حجارةً معلقة على الزوايا، إنها ذاكرة سياسية واجتماعية للمدينة.

وفي مصادفة بغدادية جميلة، صادفت الحقوقي الراحل عبد الهادي الشاوي، ذلك الرجل الكرخي الأصيل، الذي كانت الثقافة القانونية تجري في حديثه كما تجري دجلة في ذاكرة بغداد. كان هادئاً، بشوشاً، قليل الادعاء، واسع المعرفة، حتى ليخيّل إليك أن بغداد القديمة قد وضعت بعض أسرارها في مكتبته وفي ذاكرته.

قلت له:

— أستاذنا العزيز، لدي سؤال بغدادي… ما اسم شارع النضال في العهد الملكي؟

صمت هنيهة، وكأنه أخذ يبحث في طبقات ذاكرته، ثم قال بابتسامته الهادئة:

(غلبتني هذه المرة… لا أتذكر) .

وكانت تلك الإجابة، على بساطتها، أكثر إثارة من جواب جاهز. قلت له:

أتمنى أن تتذكر، فالسؤال لا يزال ينتظر.

مرت أيام قليلة.

وإذا به يأتي مسرعاً، وكأنه يحمل خبراً من بغداد أخرى:

أين أنت أيها الرجل؟ لقد عرفت اسم شارع النضال في العهد الملكي!

قلت له بشغف:

وما اسمه؟

فأجاب بهدوئه المعتاد:

(شارع الأمير غازي).

قلت له:

وكيف عرفت؟ هل عدت إلى بطون الكتب؟

ابتسم وقال:

لن تصدق مصدري.

قلت:

ماذا؟

فأجاب:
عثرت في زوايا مكتبتي على كتلوك نادر لخطوط النقل العام في بغداد، أعدّه مهندس اسمه جعفر، وفيه تفاصيل دقيقة عن حركة حافلات النقل العام ومساراتها ومواعيد انطلاقها ووصولها.

وهنا كانت المفاجأة.

لم يكن المصدر كتاباً في التاريخ السياسي، ولا مذكرات ملكية، ولا وثيقة حزبية ، بل كتلوك لحركة حافلات بغداد!

وكانت الحافلات، كما وصفها، حافلات بريطانية حمراء، منها ذات الطابق الواحد ومنها ذات الطابقين، تجوب شوارع بغداد وفق خطوط ومسارات ومواعيد دقيقة، في مشهد يكاد يستعير شيئاً من إيقاع مدينة لندن.

أدهشني الأمر.

فقد عثرت بغداد، من خلال حركة حافلاتها، على جزء من ذاكرتها السياسية.

شارع الأمير غازي في العهد الملكي أصبح شارع النضال في العهد الجمهوري، وبين الاسمين تبدلت حقبة كاملة، وتغير قاموس المدينة، وتغيرت دلالات المكان.

وهنا أدركت أن أسماء الشوارع في المدن ليست مجرد عناوين لتحديد المواقع ، إنها لغة أخرى لكتابة التاريخ.

الشعوب تغيّر أسماء شوارعها حين تتغير ذاكرتها السياسية، أو حين تريد أن تعيد ترتيب تلك الذاكرة. فقد يبقى المكان واحداً، فيما تتبدل التسمية، وكأن كل سلطة تكتب على الجدار نفسه سطراً جديداً من روايتها للتاريخ.

ولهذا فإن قراءة أسماء الشوارع قد تكون أحياناً أكثر إثارة من قراءة كتب التاريخ ، فالاسم القديم يحفظ ما أرادت حقبة أن تخلده، والاسم الجديد يكشف ما أرادت حقبة أخرى أن تتذكره أو تنساه.

وفي بغداد، حيث تتجاور آثار السلالات والإمبراطوريات والملوك والجمهوريات والانقلابات والتحولات الاجتماعية، تصبح أسماء الشوارع أشبه بطبقات جيولوجية للذاكرة الوطنية، كل طبقة تخفي تحتها طبقة أخرى، وكل اسم يترك ظله على الاسم الذي سبقه.

ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن السؤال عن اسم شارع لم يبدأ من كتاب، وانتهى أيضاً بعيداً عن كتب التاريخ ، بدأ أمام القصر الأبيض، وعاد إلى الذاكرة من خلال كتلوك لحافلات النقل العام.

وما بين شارع الأمير غازي وشارع النضال، لم يتغير الاسم وحده ، تغيرت بغداد نفسها.

والأكثر إيلاماً أن الحكاية لم تتوقف عند تبدل أسماء الشوارع، بل عند تبدل وظيفة المدينة أيضاً.

ففي بغداد الأمس، كانت الحافلة العامة ذات الطابقين تشق طريقها في شوارع المدينة، تحمل الناس ضمن منظومة نقل عامة لها خطوطها ومواعيدها ومساراتها ، أما بغداد اليوم فقد هدر فيها جزء كبير من ذلك النقل العام، وغلب النقل الفردي على حركة المدينة، حتى أصبح الشارع نفسه أكثر ازدحاماً، وأقل رحابة، وأبعد عن روح المدينة التي كانت تجمع الناس في وسيلة نقل واحدة.

وهكذا وجدت نفسي أمام مفارقة بغداد القديمة:

تبدل اسم الشارع، وتبدلت وسيلة النقل، وتبدلت السياسة، لكن الشارع بقي شاهداً.

فالمدينة لا تنسى ، إنها فقط تغيّر أسماء ذاكرتها.

وربما لهذا تستحق شوارع بغداد أن تُقرأ لا باعتبارها طرقاً تصل بين مكانين، وإنما باعتبارها نصوصاً مفتوحة في كتاب العراق ، أسماءها تحفظ الملوك والجمهوريات، والانقلابات والحركات، والأحلام والانكسارات، وحتى تفاصيل الحياة اليومية التي قد تبدو صغيرة، لكنها حين تمر عليها عقود الزمن تصبح وثائق لا تقل قيمة عن الوثائق الرسمية.

ومن يدري؟ ربما كان ذلك الـ«كتلوك» القديم لحافلات بغداد، الذي عثر عليه الحقوقي عبد الهادي الشاوي في مكتبته، أكثر من دليل على مسارات الحافلات.

ربما كان، من حيث لا يدري صاحبه، خريطة صغيرة لذاكرة بغداد السياسية والاجتماعية.

ففي المدن العريقة، حتى الحافلات تعرف التاريخ.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصر النهاية: حوار مع الخوف
- حين كان الشختور يعبر بي إلى ضفاف الصبا
- فقر الطبقة الوسطى: من التهميش الاقتصادي إلى اغتراب الوعي
- ميدوسا العراقية: حين تحجّر الوطن وباعت الطبقة الوسطى مدافئها
- لغة بعد الاستعمار: بين مابوتو وريو دي جانيرو… حين تتحول اللغ ...
- من صخرة سيزيف إلى القوارب المتجهة نحو البر الأوروبي: التمرد ...
- مقاهي الانغلاق الأيديولوجي: بين التقليدية والرقمية قراءة في ...
- الاحتواء الرقمي واحتواء الذكاء الاصطناعي: سيناريو تحول أدوات ...
- الجيل الثاني من الإصلاح المصرفي في العراق: من الامتثال إلى ا ...
- الذكاء الاصطناعي… السلاح الذي يعيد رسم خرائط القوة والسيادة ...
- مصادفات أدبية… من مكتبة عبد الكريم قاسم إلى بيت لميعة عباس ع ...
- التين… ذاكرة تموز على ضفاف الفرات
- عام 1996… حين أدار النفط الجوع بدل أن يصنع المستقبل-من صندوق ...
- على مسرح الباطل
- المُغامَرَةُ: سَحْبُ الأَمْسِ وغَيْثُ الحاضِرِ
- طراز الحياة ابتلع المهن: من اقتصاد الإصلاح إلى مجتمع الاستهل ...
- الانتصار بالسلام: استراتيجية الفوز المشترك في النظام الاقتصا ...
- الأبيض والأسود في العهد الملكي: سيرة أب في زمن الوضوح
- العراق على مفترق العقد: شهادتي التاريخية في المجلس الأطلسي
- أوكسجين الحرية: بين الحرب والسجن الذي نحمله في داخلنا


المزيد.....




- روسيا تحذر.. توسع الناتو تهديد لأمننا
- أردوغان: نحن -دولة عظمى- ولن نخضع لـ-دولة صغيرة- أُنشئت بشكل ...
- أرمينيا على طريق الاتحاد الأوروبي.. هل تبتعد يريفان نهائياً ...
- مليون طفل على حافة الموت في أفغانستان.. تحذير أممي من كارثة ...
- حالة من القلق بين الإيرانيين بعد إعلان العقوبات الأمريكية
- لجنة الحكام تحسم الجدل حول ركلة جزاء الأهلي ضد الشرقية إنبي ...
- سفراء «الطفولة والأمومة» يتعرفون على مهام الهلال الأحمر في م ...
- «أهلاً بالصيف» تجمع أطفال المحافظات الحدودية في رأس البر.. أ ...
- “الطفولة والأمومة” يحبط محاولة زواج طفلة تبلغ 16 عامًا بمحاف ...
- ممدوح عباس يهاجم بيزيرا: «مش هو اللي يبيع ويشتري في الزمالك» ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مظهر محمد صالح - من شارع الأمير غازي إلى شارع النضال: حكاية شارع من ذاكرة بغداد