أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مظهر محمد صالح - إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني على عتبة الثمانين)/ الجزء الثاني















المزيد.....

إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني على عتبة الثمانين)/ الجزء الثاني


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 08:48
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


(غريغور سامسا) :عندما يفقد الإنسان قيمته في عيون الآخرين.

في (المسخ ) لفرانز كافكا، يستيقظ غريغور سامسا ليجد نفسه وقد تحول إلى مخلوق غريب.

لكن المأساة ليست في التحول الجسدي وحده.

المأساة الأعمق أن قيمته في نظر الآخرين ترتبط بما يستطيع أن يفعله لهم.

حين يستطيع العمل، فهو مفيد.

حين يعجز، تبدأ قيمته في التراجع.

وهنا يصبح كافكا مرآة قاسية للاغتراب:

ماذا يبقى من الإنسان حين يتوقف عن أداء الوظيفة التي يحتاجها الآخرون منه؟

وهذا السؤال قريب جدًا من الحب.

هل أحب الإنسان لأنه هو؟

أم لأن وجوده يؤدي وظيفة في حياتي؟

إذا كنت أحبك لأنك تمنحني الأمان، ماذا يحدث حين تصبح أنت الذي يحتاج إلى الأمان؟

إذا كنت أحبك لأنك قوي، ماذا يحدث حين تضعف؟

إذا كنت أحبك لأنك تمنحني شيئًا، ماذا يحدث حين تعجز عن منحه؟

الحب الحقيقي يبدأ ربما عندما يبقى الإنسان محبوبًا حتى بعد أن تتغير قدرته على أن يكون نافعًا.

‎آنا كارنينا: حين يصطدم الحب بالمجتمع

وفي آنا كارنينا، يصبح الحب متشابكًا مع المجتمع والهوية والاعتراف.

ليست المأساة مجرد قصة حب.

إنها أيضًا صراع الإنسان بين ما يشعر به، وما يفرضه العالم عليه.

وهنا يعود سؤال الاغتراب:

هل أعيش حياتي كما أشعر بها، أم كما ينبغي أن تكون في نظر الآخرين؟

لكن الرواية لا تقدم إجابة سهلة.

فالتحرر من سلطة المجتمع لا يعني بالضرورة الوصول إلى الحرية.

وقد يؤدي الهروب من اغتراب إلى اغتراب آخر.

وهذه نقطة شديدة الأهمية:

ليس كل تمرد حرية، كما أن ليس كل التزام اغترابًا.

الحرية تحتاج إلى وعي بالذات، لا مجرد رفض لما يفرضه الآخرون.

‎الغريب: حين يصبح الإنسان غريبًا عن العالم

أما ميرسو في رواية كامو الغريب، فيأخذنا إلى صورة مختلفة.

إنه لا يعيش الاغتراب بوصفه حاجة إلى شخص آخر، بل بوصفه انفصالًا عن القواعد والمعاني التي ينظم المجتمع حياته من خلالها.

وهنا يظهر سؤال آخر:

هل يمكن للإنسان أن يعيش خارج المعاني التي يتشاركها الآخرون؟

وماذا يحدث حين لا تعود اللغة الاجتماعية قادرة على التعبير عن تجربته الداخلية؟

كامو يجعلنا نرى أن الاغتراب ليس دائمًا صرخة صاخبة.

أحيانًا يكون صمتًا.

برودة.

مسافة.

إحساسًا بأن العالم يتحدث بلغة، بينما يعيش الإنسان بلغة أخرى.

‎«أنت لست نصفِي الآخر»

وهنا نعود إلى الحب.

ربما علينا أن نعيد النظر في العبارة الرومانسية الشائعة:

«أنت نصفِي الآخر.»

إنها جميلة شعريًا.

لكنها تصبح خطرة إذا أخذناها حرفيًا.

لأنني إذا كنت نصفًا، فأنت مطالب بأن تجعلني كاملًا.

وإذا أصبح وجودي ناقصًا بدونك، يصبح بقاؤك مسؤولية عن اكتمالي.

وهنا يتحول الحب إلى خوف.

ربما تكون العبارة الأكثر نضجًا:

«أنت لست نصفًا ينقصني، وأنا لست نصفًا ينقصك؛ نحن شخصان، لكل منا وجوده، وقد اخترنا أن نشارك جزءًا من هذا الوجود.»

هنا يصبح التكامل إضافة، لا تعويضًا.

‎التفرد أم التكامل؟

ربما يكون السؤال إذن قد صيغ بصورة خاطئة.

ليس علينا أن نختار بين التفرد والتكامل.

بل علينا أن نفهم العلاقة بينهما.

التفرد شرط للتكامل.

إذا لم يكن هناك «أنا» و«أنت»، فلا يمكن أن يكون هناك «نحن».

سيكون هناك ذوبان.

والذوبان ليس حبًا.

قد يكون خوفًا من الوحدة.

وقد يكون خوفًا من الحرية.

وقد يكون هروبًا من الذات.

الحب الناضج لا يقول:

«أصبح أنت.»

ولا يقول:

«أريدك أن تصبح أنا.»

بل يقول:

«كن أنت، وسأكون أنا، ولنحاول أن نلتقي.»

‎عندما يصبح الحب مقاومة للاغتراب

وهنا نعود إلى فروم.

الحب عنده ليس مجرد شعور.

إنه قدرة.

قدرة على الرعاية.

وقدرة على المسؤولية.

وقدرة على الاحترام.

وقدرة على المعرفة.

لكن يمكن أن نضيف إلى ذلك سؤالًا يهمنا هنا:

هل يجعلني الحب أكثر قربًا من نفسي أم أبعد عنها؟

إذا كنت معك ولا أستطيع أن أكون نفسي، فهناك شيء مفقود.

وإذا كنت معك وأنت لا تستطيع أن تكون نفسك، فهناك شيء مفقود أيضًا.

أما إذا استطعت أن أكون أنا، واستطعت أنت أن تكون أنت، ثم استطعنا أن نبني شيئًا بيننا، فربما نكون قد تجاوزنا واحدة من أعمق صور الاغتراب.

الحب هنا لا يلغي الوحدة.

بل يجعل الوحدة قابلة للحياة.

لا يلغي الاختلاف.

بل يجعل الاختلاف ممكنًا.

لا يلغي الحرية.

بل يجعل الحرية جزءًا من العلاقة.

‎ماذا يبقى عندما أبلغ الثمانين؟

وعندما أعود إلى السؤال من موقعي الآن، وأنا أقترب من الثمانين، أشعر أن بعض الأسئلة تصبح أهم من غيرها.

لم يعد السؤال:

كم شخصًا أحببت؟

ولا:

كم شخصًا أحبني؟

ولا:

كم علاقة نجحت؟

بل:

ماذا فعل الحب بنا؟

هل جعلنا أكثر رحمة؟

أكثر حرية؟

أكثر قدرة على فهم الآخر؟

هل جعلنا الأشخاص الذين أحببناهم أقرب إلى أنفسهم؟

أم جعلناهم أكثر اعتمادًا علينا؟

هل كنا في حياتهم وطنًا، أم كنا أحيانًا سجنًا دون أن ندري؟

هذه الأسئلة تبدو قاسية.

لكنها، ربما، أكثر عدلًا من السؤال عن مدة العلاقة أو نجاحها.

لأن قيمة الحب لا تقاس فقط بقدر ما أعطانيه.

بل بما جعلني قادرًا على إعطائه للآخر.

‎أن أحبك دون أن أغترب عن نفسي

ربما تكون خلاصة كل ما سبق جملة واحدة:

كيف يمكن أن أحبك دون أن أغترب عن نفسي، وأن أكون نفسي دون أن أغترب عنك؟

هذه ليست مسألة عاطفية فقط.

إنها مسألة إنسانية.

فنحن نقضي حياتنا بين حاجتين:

أن ننتمي،

وأن نبقى أنفسنا.

نحتاج إلى الآخرين،

لكننا لا نريد أن نكون ملكًا لهم.

نحتاج إلى الحب،

لكننا لا نريد أن يصبح الحب شرطًا لوجودنا.

نريد أن نكون قريبين،

لكننا نحتاج أيضًا إلى مساحة نسمع فيها أصواتنا الداخلية.

ولهذا ربما يكون النضج الحقيقي ليس في أن نستغني عن الآخرين، ولا في أن نعتمد عليهم بالكامل.

بل في أن نعرف كيف نحتاج دون أن نستعبد، وكيف نحب دون أن نمتلك، وكيف ننتمي دون أن نذوب.

‎من الاغتراب إلى اللقاء

ربما يكون الاغتراب، في النهاية، هو أن أفقد المسافة الصحيحة بيني وبين نفسي، أو بيني وبين الآخر.

أن أصبح غريبًا عن ذاتي.

أو أن أحول الآخر إلى شيء.

أو أن أطلب منه أن يكون خلاصًا.

أما اللقاء الحقيقي فيبدأ عندما يعود كل إنسان إلى إنسانيته.

أنا لست مالكًا لك.

وأنت لست مالكًا لي.

أنا لا أريد أن أكون حياتك كلها.

ولا أريدك أن تكون حياتي كلها.

لكنني أريد أن تكون في حياتي، وأن أكون في حياتك، بطريقة تجعل كلاً منا أكثر قدرة على أن يكون نفسه.

هنا يصبح الحب فعلًا من أفعال الحرية.

وهنا يصبح التفرد طريقًا إلى التكامل، لا عائقًا أمامه.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء (تأمل إنساني ع ...
- ذلك الكرسي
- عندما تهرم الذئاب
- حوت في دفتر الفيزياء: ذكريات من الخامس من حزيران 1967
- دموع أبي.. وذاكرة قصر النهاية في الذكرى الخامسة والخمسين
- لَوْعَةُ الوعي
- تشظّي الهابيتوس السياسي: ديناميات الانقسام داخل المكوّن الوا ...
- الحب: الهروب نحو الحرية
- فلسفة الموقف: تجاوز ثنائية الثبات والتغير نحو تركيب مستدام
- حين تُقطع أنفاس الطبيعة
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الأول
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الاخير
- من شارع الأمير غازي إلى شارع النضال: حكاية شارع من ذاكرة بغد ...
- قصر النهاية: حوار مع الخوف
- حين كان الشختور يعبر بي إلى ضفاف الصبا
- فقر الطبقة الوسطى: من التهميش الاقتصادي إلى اغتراب الوعي
- ميدوسا العراقية: حين تحجّر الوطن وباعت الطبقة الوسطى مدافئها
- لغة بعد الاستعمار: بين مابوتو وريو دي جانيرو… حين تتحول اللغ ...
- من صخرة سيزيف إلى القوارب المتجهة نحو البر الأوروبي: التمرد ...
- مقاهي الانغلاق الأيديولوجي: بين التقليدية والرقمية قراءة في ...


المزيد.....




- سارة جيسيكا باركر بضفيرة -رابنزل- وفستان رومانسي في نيويورك ...
- أخبرها طالعها بما عليها فعله..من هي أول متبرعة فردية لمتحف ا ...
- -إبادة إيران- واحتمال إصدار -عفو رئاسي- عن مسؤولين.. ملخص سر ...
- فيديو من داخل رحلة -فلاي دبي- يظهر اللحظات الدرامية في الطائ ...
- مصر.. حصان يهرب بعروسين وينقلب في مشهد غير متوقع
- تقرير: ترامب استشار -الذكاء الاصطناعي - قبل أسر مادورو ووجه ...
- ترامب يتوعّد إيران بـ-ضربة قوية جداً- إذا ثبت ضلوعها في حادث ...
- مشادة وصراخ داخل اجتماع مغلق حول غزة.. وزير الخارجية التركي ...
- بيسكوف: على أوكرانيا أن تدفع ثمن الضربات التي بدأت بشنها في ...
- الدفاع الروسية: استهداف منشآت عسكرية ولوجستية أوكرانية واعتر ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مظهر محمد صالح - إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني على عتبة الثمانين)/ الجزء الثاني