أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - مظهر محمد صالح - دموع أبي.. وذاكرة قصر النهاية في الذكرى الخامسة والخمسين















المزيد.....

دموع أبي.. وذاكرة قصر النهاية في الذكرى الخامسة والخمسين


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8831 - 2026 / 9 / 17 - 23:45
المحور: حقوق الانسان
    


هناك أماكن لا تموت حين تهدم جدرانها.

تبقى فينا.

تبقى كجرحٍ لا يندمل، وكصوتٍ عالقٍ في آخر ممر، وكدمعة أبٍ لم يجد جوابًا لسؤالٍ واحد ظل يحمله حتى القبر:

أين ابني؟

من هنا تبدأ حكايتي…

من بوابات وزارة الدفاع، التي شُيّدت في زمن العراق الملكي، حين كان المكان عنوانًا لهيبة الدولة، وحين وضع جعفر العسكري لبناتها الأولى في مطالع ثلاثينيات القرن الماضي.

كانت البوابات يومًا تُفتح لرجال الدولة، وتُغلق خلف هيبة السلطة.

لكن الزمن غيّر كل شيء.

غاب الملك.

وغاب الوزير.

وتبدلت العناوين.

أما القصر، الذي كان يومًا جزءًا من زمنٍ ملكي، فقد تحول إلى مكانٍ آخر… مكانٍ لا يعرف الداخل إليه متى يخرج، ولا يعرف أهله أين اختفى.

قصر النهاية.

هناك، لم تعد البوابات تحرس وطنًا.

صارت تحرس الأسرار.

وخلفها غُيّب رجال بسبب آرائهم، وبقيت أمهات ينتظرن أبناءهن، وآباء يموتون كل يوم ألف مرة، لأنهم لا يعرفون أين هم.

وفي ذلك الزمن، جاء أبي.

لم يكن يحمل سوى قلبه.

وقلب الأب، حين يبحث عن ابنه، أثقل من كل ما يمكن أن تحمله اليد.

كان يحمل كيسًا من القماش.

ملابس بسيطة.

وبضعة دنانير.

أشياء صغيرة في أعين الناس، لكنها كانت بالنسبة إلى أبي رسالة كاملة:

ابني يحتاجها.

وقف عند البوابة.

وسأل عني.

مرة.

ثم مرة أخرى.

وربما مرات لا أذكر عددها، لأنني لم أكن هناك لأرى وجهه وهو ينتظر الإجابة.

لكنني أتخيله الآن.

أتخيل أبًا يقف أمام باب مغلق، وفي داخله ألف احتمال للموت، ويتشبث باحتمال واحد للحياة.

كان يريد فقط أن يعرف:

أين ابني؟

لم يحصل على جواب.

حصل على جملة باردة، خرجت من فم عريف لم يكن يعرف ماذا يعني أن يكون الإنسان أبًا.

قال له:

«ابنك في مكان بين السماء والأرض… ويمكنك أن تبحث عنه!»

ثم أخذ الكيس.

ورماه في زاوية.

انتهى الأمر.

هكذا.

كأن الكيس لا يحمل ملابس سجين.

كأنه لا يحمل يد أم رتبت الملابس، ولا قلب أب جاء بها، ولا انتظار بيت كامل.

رُمي الكيس في الزاوية…

ورُمي معه شيء من قلب أبي.

عاد أبي من البوابة.

لكنني أظن أنه لم يعد كما ذهب.

عاد بجسد يمشي، وبقلب ترك نصفه هناك.

عاد والدمعة تسكن عينيه.

وكان السؤال يمشي معه في كل خطوة:

أين ابني؟

لم يكن يعرف أن بعض الأبواب لا تُغلق بالمفاتيح.

تُغلق بالخوف.

وبالصمت.

وبالسنوات.

وبأن يُمنع الأب حتى من معرفة أين يضع قلبه.

مرت سنة.

ثم أخرى.

ثم سنوات.

كبر الانتظار.

وشاخ السؤال.

أما أبي، فكان كلما نظر إليّ، حين عدت، يرى في وجهي السنوات التي حُرم منها.

وأنا، كلما نظرت إلى وجهه، كنت أرى تلك البوابة.

أرى الكيس.

أرى العريف.

وأرى أبي واقفًا وحده، يحمل دمعة أكبر من المكان.

ثم مات أبي.

وهنا بدأ وجع آخر.

فقد يستطيع الإنسان أن يحتمل السجن.

أن يحتمل الجدران.

أن يحتمل العتمة.

أن يحتمل التعذيب.

لكن كيف يحتمل أن يموت أبوه وهو يحمل في قلبه سؤالًا لم يجد له جوابًا؟

مات أبي…

لكن سؤاله لم يمت.

دُفن جسده.

أما سؤاله، فبقي حيًا:

أين ابني؟

خمسة وخمسون عامًا مضت.

تغيرت البلاد.

تبدلت الوجوه.

انهارت أنظمة.

وسقطت جدران.

وتبدلت أسماء الأماكن.

لكنني كلما مررت في الذاكرة من تلك البوابة، أجد أبي واقفًا هناك كما تركته السنوات:

كيس من القماش في يده…

وعينان تبحثان عن ابنه.

لقد مات أبي، لكن دمعته بقيت.

وأنا لم أعد أحمل فقط ذكرى سجين.

أحمل ذكرى أب كان ذنبه الوحيد أنه أحب ابنه وانتظر عودته، في زمن لم يكن يرحم المنتظرين.

اليوم، حين أتذكر كل ذلك، لا أشعر بالغضب وحده.

أشعر بيتم متأخر.

أشعر أنني فقدت أبي مرتين:

مرة حين أخذوني منه.

ومرة حين مات وهو يحمل وجع تلك السنوات.

ولذلك، حين أقول إن السجن فقد أبوابه، لا أعني أن الحديد اختفى.

أعني أن أبوابًا كثيرة سقطت، لكن أبواب الذاكرة بقيت مفتوحة.

فما أقسى أن ينجو السجين من سجنه، ثم يكتشف أن أباه لم ينجُ من انتظاره.

وما أقسى أن يعود الابن، بينما يكون الأب قد رحل.

كنت أتمنى لو عاد أبي معي من ذلك الباب.

لكنني عدت وحدي.

وهو ذهب وحده.

وبين ذهابي وعودتي، ضاع عمر كامل.

اليوم أقف أمام ذاكرة قصر النهاية، لا لأستعيد المكان، بل لأستعيد أبي.

أبحث عن صورته بين الحجارة.

عن خطوته عند البوابة.

عن يده وهي تسلّم الكيس.

عن عينيه وهما تبحثان عن ابن غائب.

ولا أجد سوى الصمت.

ذلك الصمت الذي كان يومًا أقسى من السجن.

رحم الله أبي.

لم يكن يعرف أن ابنه سيحمل دمعته أكثر من نصف قرن.

لم يكن يعرف أن الكيس الذي رُمي في الزاوية سيبقى في ذاكرتي أثقل من كل خزائن الدنيا.

ولم يكن يعرف أنني، بعد خمسة وخمسين عامًا، ما زلت أسمع صوته في داخلي:

«أين ابني؟»

وأظل عاجزًا عن الإجابة.

لأن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى جواب.

تحتاج فقط إلى أن يتذكرها التاريخ.

فالأبواب التي أُغلقت على الأحرار قد تُفتح ذات يوم…

لكن الباب الذي أُغلق في وجه أب يبحث عن ابنه، لا يفتحه الزمن أبدًا.

وهكذا بقيت دمعة أبي…

أبقى من كل السجون.

وأقوى من كل الجدران.

وظل رماد السنين شاهدًا على أن قصر النهاية لم يكن نهاية السجين وحده، بل كان بداية وجع امتد من الأب إلى الابن، ومن جيل إلى جيل.

وبقيت أنا، بعد خمسة وخمسين عامًا، أفتش في رماد السنين عن ذلك الأب الذي وقف ذات يوم أمام بوابة مغلقة، ولم يكن يريد من الدنيا سوى ابنه.

كان يريد أن يعرف شيئًا واحدًا:

أين ابني؟

سجن فقد أبوابه…

لكن أبواب الذاكرة لم تُغلق.

وما دام أبي في الذاكرة، فلن تكون تلك النهاية هي النهاية.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لَوْعَةُ الوعي
- تشظّي الهابيتوس السياسي: ديناميات الانقسام داخل المكوّن الوا ...
- الحب: الهروب نحو الحرية
- فلسفة الموقف: تجاوز ثنائية الثبات والتغير نحو تركيب مستدام
- حين تُقطع أنفاس الطبيعة
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الأول
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الاخير
- من شارع الأمير غازي إلى شارع النضال: حكاية شارع من ذاكرة بغد ...
- قصر النهاية: حوار مع الخوف
- حين كان الشختور يعبر بي إلى ضفاف الصبا
- فقر الطبقة الوسطى: من التهميش الاقتصادي إلى اغتراب الوعي
- ميدوسا العراقية: حين تحجّر الوطن وباعت الطبقة الوسطى مدافئها
- لغة بعد الاستعمار: بين مابوتو وريو دي جانيرو… حين تتحول اللغ ...
- من صخرة سيزيف إلى القوارب المتجهة نحو البر الأوروبي: التمرد ...
- مقاهي الانغلاق الأيديولوجي: بين التقليدية والرقمية قراءة في ...
- الاحتواء الرقمي واحتواء الذكاء الاصطناعي: سيناريو تحول أدوات ...
- الجيل الثاني من الإصلاح المصرفي في العراق: من الامتثال إلى ا ...
- الذكاء الاصطناعي… السلاح الذي يعيد رسم خرائط القوة والسيادة ...
- مصادفات أدبية… من مكتبة عبد الكريم قاسم إلى بيت لميعة عباس ع ...
- التين… ذاكرة تموز على ضفاف الفرات


المزيد.....




- إدارة ترامب تسمح لـ-الوفد الأساسي- الإيراني لحضور اجتماعات ا ...
- عاجل | أسوشيتد برس: واشنطن توافق على إصدار تأشيرات لمسؤولين ...
- ألمانيا: اعتقال -إسلاموي- مشتبه به في التخطيط لاستهداف كنيسة ...
- السلطة الفلسطينية تعلق على منع إدارة ترامب محمود عباس من حضو ...
- بينهم عنصر من وزارة الدفاع... أحكام بالإعدام والسجن لمدانين ...
- اعتقال نورا عريقات في فلوريدا خلال جلسة لمقاطعة بالم بيتش حو ...
- غضب من حكم جرائم الحرب على تاتشي يتحول إلى احتجاجات أمام بعث ...
- أحكام صادمة في قضية أحداث الساحل السوري.. إعدام متهم ومؤبد و ...
- مكافحة الفساد خارج الحدود.. مطلوبون يعودون والأموال تنتظر!
- بعثة أممية تتهم إيران بـ -ارتكاب جرائم ضد الإنسانية- وتثير ش ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - مظهر محمد صالح - دموع أبي.. وذاكرة قصر النهاية في الذكرى الخامسة والخمسين