أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مظهر محمد صالح - ذلك الكرسي














المزيد.....

ذلك الكرسي


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 16:12
المحور: سيرة ذاتية
    


عدتُ إلى البلاد في تشرين الأول من عام 1989، أحمل دكتوراه في الاقتصاد من المملكة المتحدة، وأحمل معها سنواتٍ من الغربة والسهر والكتب والانتظار.

قبل عودتي، كانت أوراقي قد قطعت رحلتها الطويلة بين الجامعات والتصديقات والملحق الثقافي، حتى اكتملت الأختام، وبقي أن تكتمل حياتي.

راجعتُ الوزارة.

كان عليّ أن أستكمل إجراءات التعيين، ثم أراجع دوائر التجنيد لأثبت موقفي من الخدمة العسكرية.

توقيعاتٌ وتأشيرات، طوابق أصعدها وأخرى أنزلها، وممراتٌ طويلة، وملفٌ أحمله كأنني أحمل سنوات عمري بين يدي.

لم يبقَ سوى توقيع أخير.

دخلتُ على امرأةٍ تجلس خلف مكتبها.

ألقيتُ السلام، وقدّمتُ الملف.

أخذت تقلّب أوراقي.

وقفتُ أنتظر.

وكان هناك كرسي إلى جانبي.

جلست.

جلست فقط.

لم أفكر.

كنتُ متعبًا.

فجاء صوتها:

«قف! لا يجوز لك الجلوس!»

وقفت.

لم أجادل.

لم أقل لها إنني في أواخر الثلاثينيات، وإن في يدي دكتوراه، وإنني عدتُ من بلادٍ بعيدة لأخدم بلادي.

لم أقل شيئًا.

وقفت.

لكن شيئًا في داخلي لم يعد إلى مكانه بعد ذلك اليوم.

لم يكن الأمر يتعلق بكرسي.

فالكرسي خشبٌ وحديد، ويمكن للإنسان أن يقف.

المشكلة أن بعض الكلمات تجعل الإنسان يشعر أنه أصغر من عمره، وأقل من علمه، وأضعف من كرامته.

خرجتُ.

وأخذتُ ملفي.

ثم مضيت.

ولم أكن أعرف أنني كنتُ قد أخذتُ معي أيضًا جرحًا صغيرًا، سيكبر كلما كبرت الأيام.

بعد أقل من عام جاء الحصار.

ثم الحرب.

ثم الدمار.

وصارت الحياة شيئًا آخر.

كابدنا سنواتٍ طويلة، نبحث عن أبسط أسباب العيش، ونحاول أن نحفظ ما بقي في أرواحنا من كرامة.

وفي خضم كل ذلك، كنتُ أظن أنني نسيت.

لكنني لم أنسَ.

عجيبٌ أمر الذاكرة…

تنسى وجوهًا كثيرة، وأسماءً كثيرة، وأيامًا كاملة، لكنها تحتفظ أحيانًا بتفصيلٍ صغير لا قيمة له عند الآخرين.

أنا لا أذكر اليوم كثيرًا من تلك الغرفة.

ولا أذكر اسمها.

لكنني أذكر الكرسي.

ذلك الكرسي.

أذكره أكثر مما ينبغي.

لأنني لم أفهم يومها أن الإنسان قد يقضي عمرًا كاملًا وهو يحاول أن يستعيد شيئًا سُلب منه في لحظة.

لم تُسلب مني وظيفة.

ولا شهادة.

ولا مال.

سُلبت مني، في تلك اللحظة، مساحة صغيرة من الكرامة.

وربما لهذا بقيت.

قد تكون هي نسيت الأمر بعد دقائق.

أما أنا، فقد حملته سنوات.

هي قالت: «قف».

فوقفت.

لكنني، منذ ذلك اليوم، لم أتوقف عن السؤال:

لماذا كان عليها أن تهينني كي أستجيب؟

ربما لم تكن تعرف ماذا صنعت.

وربما لم تقصد أن تترك في إنسانٍ كل هذا الأثر.

لكن الجروح لا تحتاج إلى نيةٍ كي تؤلم.

مرت السنوات.

وتبدلت البلاد.

وتبدلت الوجوه.

وصرتُ أكبر من ذلك الموقف بكثير.

لكنني كلما عدتُ إليه في ذاكرتي، رأيت الرجل نفسه:

رجلًا عاد من الغربة بشهادة الدكتوراه، وفي قلبه شيء من الفرح لأنه عاد إلى وطنه.

ثم جلس على كرسي.

فقيل له: قف.

فوقف.

ومنذ ذلك اليوم…

وهو يحاول أن يعرف:

كم يحتاج الإنسان من العمر حتى يشفى من كلمةٍ قيلت له في لحظة؟

لا أدري.

كل ما أعرفه أن ذلك الكرسي كان صغيرًا جدًا.

لكن الجرح الذي تركه كان أكبر من الكرسي، وأطول عمرًا منه.

ولهذا، لا أطلب منها اعتذارًا.

ولا أبحث عنها.

ولا أريد أن أنتقم.

فالعمر علّمني أن بعض الحسابات ليست لنا.

أضع تلك اللحظة في يد الله، وأقول:

حسبي الله ونعم الوكيل.

فقد تضيع المظالم في مكاتب البشر، وتُغلق الملفات، وتجف الأحبار، وينسى الناس.

لكنني أؤمن أن هناك يومًا لا يحتاج فيه المظلوم إلى شرح قصته.

يومها لن يكون هناك مكتب.

ولا موظف.

ولا ملف.

ولا كرسي.

سيكون هناك حقٌّ وعدل.

وسأعرف، أخيرًا، لماذا كان عليّ أن أقف.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما تهرم الذئاب
- حوت في دفتر الفيزياء: ذكريات من الخامس من حزيران 1967
- دموع أبي.. وذاكرة قصر النهاية في الذكرى الخامسة والخمسين
- لَوْعَةُ الوعي
- تشظّي الهابيتوس السياسي: ديناميات الانقسام داخل المكوّن الوا ...
- الحب: الهروب نحو الحرية
- فلسفة الموقف: تجاوز ثنائية الثبات والتغير نحو تركيب مستدام
- حين تُقطع أنفاس الطبيعة
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الأول
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الاخير
- من شارع الأمير غازي إلى شارع النضال: حكاية شارع من ذاكرة بغد ...
- قصر النهاية: حوار مع الخوف
- حين كان الشختور يعبر بي إلى ضفاف الصبا
- فقر الطبقة الوسطى: من التهميش الاقتصادي إلى اغتراب الوعي
- ميدوسا العراقية: حين تحجّر الوطن وباعت الطبقة الوسطى مدافئها
- لغة بعد الاستعمار: بين مابوتو وريو دي جانيرو… حين تتحول اللغ ...
- من صخرة سيزيف إلى القوارب المتجهة نحو البر الأوروبي: التمرد ...
- مقاهي الانغلاق الأيديولوجي: بين التقليدية والرقمية قراءة في ...
- الاحتواء الرقمي واحتواء الذكاء الاصطناعي: سيناريو تحول أدوات ...
- الجيل الثاني من الإصلاح المصرفي في العراق: من الامتثال إلى ا ...


المزيد.....




- -ها قد بدأنا-.. موعد عرض الموسم الـ2 من مسلسل -هذا البحر سيف ...
- تقرير: 7000 يورو لكل لاجئ سوري يغادر ألمانيا طوعاً
- السيول تتصدر المشهد الإنساني في ليبيا
- الجيش الإسرائيلي يحبط محاولة لتهريب المخدرات في مسيّرة قادمة ...
- لغز دوران الأرض... دراسة جديدة تحل لغز التغيرات كل بضعة عقود ...
- زيارة البابا إلى فرنسا: قداس حاشد في جادة الشانزيليزيه
- فلسطينيون محاصرون في الرأس الأحمر يرفضون النزوح
- العملات المشفرة.. مال لا تديره البنوك
- من حاجز للرعب إلى حديقة للفرح.. مبادرة تحول موقعا أمنيا سابق ...
- تأثيرها يمتد سنوات.. تداعيات بيئية خطيرة لتفجيرات الاحتلال ف ...


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / المهندس صباح يوسف ابراهيم
- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مظهر محمد صالح - ذلك الكرسي