أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مظهر محمد صالح - تشرين بغداد: زقزقة العصافير ومتلازمة المطر














المزيد.....

تشرين بغداد: زقزقة العصافير ومتلازمة المطر


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8847 - 2026 / 10 / 3 - 02:51
المحور: الادب والفن
    


لم يمضِ فجر بغداد بسكينته المعتادة، وقد غلّفته نسائم تشرين، ذلك الشهر الذي تتخفف فيه المدينة من قيظها، وتستعيد شيئًا من عطرها القديم، حين يصبح الهواء أكثر رقة، والسماء أقرب إلى القلب، ويغدو الخريف العراقي اعتدالًا له مذاق خاص.

وقفتُ عند نافذة الصباح، وأخذتني نظرة بعيدة إلى شجرة البامبو الدائمة الخضرة، القائمة في حديقتنا المنزلية الصغيرة، شجرتنا التي ألفنا حضورها حتى غدت جزءًا من ذاكرة المكان، وربما جزءًا من أسراره أيضًا.

لكن شيئًا غير مألوف استوقفني.

كانت العصافير تزقزق بكثافة عجيبة، في تناغم لم أعهده منها من قبل ، كأنها لا تغرّد للصباح، بل تتواطأ معه على سرّ لا أعرفه. لم تكن زقزقتها مجرد أصوات متناثرة في فضاء الحديقة، بل بدت لي كأنها موسيقى خفية تسبق حدثًا سماويًا.

تأملت المشهد طويلًا، وتسلل إلى داخلي شعور غامض، حتى خُيّل إليّ أن أمرًا ما يجري في أعالي السماء، وأن هذه الكائنات الصغيرة تعرف من أسرار الطبيعة ما لا نعرفه نحن.

فقلت في سري:

سبحان الله العظيم… لعلها تسبّح لحدثٍ عظيم.

وما هي إلا لحظات حتى تبدل المشهد فجأة.

اختفت العصافير دفعة واحدة، كأن يدًا خفية استدعتها إلى مخابئها. غادرت أغصان الشجرة العملاقة دون ضجيج أو فوضى، وكأنها أدّت طقسًا مقدسًا ثم انصرفت في صمت. بقيت الشجرة وحدها، ساكنةً، شامخةً، كأنها تنتظر هي الأخرى ما ستقوله السماء.

مرت ثوانٍ معدودات…

ثم جاءت قطرة.

وتبعتها أخرى.

ثم انفتحت السماء على زخات مطر صباحية رقيقة، لكنها كانت كافية لتعلن أن تشرين قد جاء حقًا، وأن بغداد بدأت تستعيد طقسها الجميل، وأن المطر، حين يأتي في موعده، لا يكون مجرد ماء يهطل من السماء، بل رسالةً من الغيب إلى الأرض.

عندها أدركت أن ما حسبته في البداية مجرد زقزقة عابرة، ربما كان جزءًا من ذلك النظام البديع الذي لا نراه كاملًا، ولكننا نشعر بأثره.

كانت العصافير قد سبقت المطر.

وكأنها قرأت في صفحة السماء ما لم تستطع عيناي قراءته.

تأملت المشهد طويلًا، وبقي السؤال معلقًا في داخلي: هل كانت تلك الزقزقة مجرد مصادفة سبقت المطر، أم أن في الطبيعة من الأسرار والإشارات ما تعجز حواسنا المحدودة عن إدراكه؟

ربما لا نملك إجابة قاطعة، وربما لا نحتاج إليها دائمًا.

فثمة أشياء في الحياة أجمل حين تبقى محاطة بشيء من الغموض ،لأن الغموض لا ينتقص من الحقيقة، بل يفتح أمام الإنسان باب الدهشة، ويجعله أكثر إصغاءً لما يدور حوله.

لقد اعتدنا أن ننظر إلى الطبيعة بوصفها مشهدًا صامتًا، لكنها في الحقيقة عالم نابض بالإشارات. فالطيور تشعر، والأشجار تتغير، والسماء تتبدل، والأرض تستجيب ، وكل ذلك يجري في منظومة دقيقة لا نرى منها إلا جزءًا يسيرًا.

وربما كان الإنسان، وسط هذا الكون الواسع، يحتاج أحيانًا إلى أن يتوقف عن محاولة تفسير كل شيء، وأن يكتفي بأن ينصت.

ينصت إلى زقزقة العصافير.

إلى صمت الشجرة.

إلى أول قطرة.

وإلى ذلك الصوت الخفي الذي تقوله السماء قبل أن يهطل المطر.

تأملت شجرتنا مرة أخرى، وقد غسلت أوراقها قطرات تشرين، فبدت أكثر اخضرارًا وحياةً ، وكأن المطر لم يأتِ ليبللها فحسب، بل ليجدد فيها سرًا قديمًا من أسرار الحياة.

وما أروع بغداد حين تمطر!

وما أروع تشرين حين يأتيها محمّلًا برائحة الأرض، وبزقزقة العصافير، وبذلك الوعد القديم بأن الحياة، مهما أرهقها الصيف، تعرف دائمًا طريقها إلى التجدد.

وفي صباح بغدادي من صباحات تشرين، علّمتني العصافير أن للطبيعة لغةً أخرى، وأن للمطر مقدماتٍ قد لا تسمعها الآذان، ولكن قد يلتقطها قلبٌ اعتاد أن يصغي.

زقزقةٌ… ثم صمتٌ… ثم مطر.

ثلاثة مشاهد قصيرة، لكنها في ذلك الصباح بدت لي كأنها قصيدة كتبتها السماء على شجرةٍ بغدادية، وقرأتها العصافير قبلنا.

قصيدةٌ عن الحياة، وعن التجدد، وعن ذلك التناغم العجيب بين الكائنات والسماء والأرض.

سبحان من جعل في كل قطرةٍ حياة، وفي كل طائرٍ آية، وفي كل صباحٍ عراقي حكاية.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني ...
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء (تأمل إنساني ع ...
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني ...
- ذلك الكرسي
- عندما تهرم الذئاب
- حوت في دفتر الفيزياء: ذكريات من الخامس من حزيران 1967
- دموع أبي.. وذاكرة قصر النهاية في الذكرى الخامسة والخمسين
- لَوْعَةُ الوعي
- تشظّي الهابيتوس السياسي: ديناميات الانقسام داخل المكوّن الوا ...
- الحب: الهروب نحو الحرية
- فلسفة الموقف: تجاوز ثنائية الثبات والتغير نحو تركيب مستدام
- حين تُقطع أنفاس الطبيعة
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الأول
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الاخير
- من شارع الأمير غازي إلى شارع النضال: حكاية شارع من ذاكرة بغد ...
- قصر النهاية: حوار مع الخوف
- حين كان الشختور يعبر بي إلى ضفاف الصبا
- فقر الطبقة الوسطى: من التهميش الاقتصادي إلى اغتراب الوعي
- ميدوسا العراقية: حين تحجّر الوطن وباعت الطبقة الوسطى مدافئها
- لغة بعد الاستعمار: بين مابوتو وريو دي جانيرو… حين تتحول اللغ ...


المزيد.....




- زيندايا تنضم لفيلم خيال علمي جديد من إخراج أليكس غارلاند
- ما علاقة موضة الكشكش بالشر؟ ممثلة بريطانية تحوّل أزياءها إلى ...
- المسرحي الغزي علي أبو ياسين ينال لقب -كاتب الشجاعة- لعام 202 ...
- فيلم -اغتراب- يتوج بالجائزة الكبرى لمهرجان تطوان وتنويه خاص ...
- فلسطين في قلب مهرجان الدوحة السينمائي 2026: حكايات الصمود وا ...
- الأحد المقبل.. الجامعة العربية تشارك في المؤتمر الثالث للثقا ...
- عداد بلا جمهور.. هل شاهد 43 مليونا فعلا فيلم إسرائيل المضاد ...
- معرض بيروت للكتاب: خريطة القلق اللبناني بين الذاكرة والحرب و ...
- كيف تورط الشاعر محمد الفيتوري في عملية اختطاف الإمام موسى ال ...
- مهرجان «العودة للجذور» يمنح نينوى جائزة أفضل فيلم روائي طويل ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مظهر محمد صالح - تشرين بغداد: زقزقة العصافير ومتلازمة المطر