|
|
المثقف بين سيكولوجيا الجماهير الرقمية وصمت العقلاء..!
مظهر محمد صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 08:26
المحور:
قضايا ثقافية
(حين يصبح الاختلاف تهمة: المثقف بين ضجيج الجماهير وصمت العقلاء). غدت إشكالية الفضاء الرقمي واحدةً من أكثر القضايا إيلامًا للمثقف وصاحب الفكر، إذ لم تعد المعاناة مقتصرة على نقد الأفكار ومناقشة الحجج، بل تجاوزتها، في بعض الأحيان، إلى القمع المضاد، واغتيال السمعة المعنوية، وإطلاق التهم الزائفة، وتشويه المقاصد، وإقحام الكاتب قسرًا في أيديولوجيات لا ينتمي إليها. ومن أجمل ما كتبه المفكر الأستاذ الدكتور ليث السامرائي في هذا السياق مقاله الموسوم «الديمقراطية وسيكولوجيا التهمة الجاهزة»، إذ يشير فيه إلى أن: «التهمة الجاهزة، أو ما يُعرف بـ”إما معي أو ضدي”، هي آلية دفاعية ونفسية تقوم على التفكير القطبي الثنائي. وفي هذا النمط، يقسم العقل البشري العالم إلى فئتين لا ثالث لهما: الأصدقاء المطلقون أو الأعداء المطلقون، ملغياً أي مساحة عقلانية للاختلاف أو التنوع أو الحياد». ويمضي السامرائي في تفكيك أبعاد هذه السيكولوجيا، متناولًا بعض الأسباب والدوافع التي تدفع الأفراد والجماعات إلى تبنيها، وفي مقدمتها البحث عن الأمان واليقين ، إذ يميل العقل البشري إلى تجنب الغموض والمناطق الرمادية التي تتطلب جهدًا ذهنيًا للتحليل والموازنة. ومن ثمّ، فإن تقسيم العالم إلى «أخيار» و«أشرار» يوفر شعورًا زائفًا بالراحة والوضوح. ويضاف إلى ذلك التعصب وحماية الهوية، إذ قد يرى الشخص المتطرف فكريًا أو عقائديًا أن أي نقد لأفكاره يمثل تهديدًا مباشرًا لوجوده أو لهويته، فيتحول الاختلاف في الرأي، عندئذٍ، من فرصة للحوار إلى صورة من صور العداء الشخصي. إن هذه القراءة تضعنا أمام إشكالية تتجاوز حدود الخلاف في الرأي إلى طبيعة العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين استقلال العقل وضغوط الانتماء، وبين حرية التعبير والقدرة على تقبّل المختلف. فحين تصبح التهمة الجاهزة وسيلةً لإغلاق النقاش، لا يعود الهدف اكتشاف الحقيقة أو تصحيح الخطأ، بل تثبيت الحدود بين من يُسمح لهم بالكلام ومن يُراد إسكاتهم. أولًا: من نقد الفكرة إلى محاكمة صاحبها. لقد أتاح الفضاء الرقمي لكل فرد أن يخاطب جمهورًا واسعًا، وأن يشارك في النقاش العام من دون القيود التي كانت تفرضها وسائل النشر التقليدية. غير أن اتساع إمكان التعبير لا يعني بالضرورة ارتفاع مستوى الحوار، كما أن وفرة الأصوات لا تضمن نضج الممارسة النقدية أو الالتزام بمعايير المعرفة والإنصاف. فقد يجد المثقف نفسه أمام جمهور متشعب تتباين دوافع أفراده ومرجعياتهم، لكنه قد يواجه، في بعض مساحات النقاش، نمطًا من التلقي لا ينشغل بما تقوله الفكرة بقدر ما ينشغل بهوية قائلها. وعندئذٍ، يُنتزع الكلام من سياقه، وتُحمّل العبارات ما لا تحتمل، وتُعاد صياغة المواقف على نحو يخدم أحكامًا مسبقة، حتى يجد الكاتب نفسه مضطرًا إلى الدفاع عن نواياه وتبرير انتماءاته المفترضة بدلًا من مناقشة موضوعه الأصلي. والأخطر من ذلك أن بعض البيئات الرقمية تحوّل الاختلاف الفكري إلى اصطفاف هوياتي، فلا يعود السؤال: هل الفكرة صحيحة؟ وما الأدلة التي تسندها؟ بل يصبح: إلى أي معسكر ينتمي صاحبها؟ ومن المستفيد من طرحها؟ وهل يمكن الوثوق به أصلًا؟ وهنا يتراجع معيار الحجة أمام معيار الانتماء، وتصبح قيمة الكلام رهينة الصورة الذهنية عن قائله. وقد يُرفض رأي وجيه لأن صاحبه غير مقبول لدى جماعة معينة، كما قد يُقبل رأي ضعيف لمجرد صدوره عن شخص يحظى بثقتها. وبذلك، لا تعود الحقيقة هي التي تحدد الموقف من الأشخاص، بل يصبح الموقف المسبق من الأشخاص هو الذي يحدد ما يُقبل من الحقيقة وما يُرفض منها. إن هذا التحول ينقل النقاش من المجال المعرفي إلى المجال الهوياتي، ويجعل الاختلاف مناسبةً لإعادة توزيع الولاءات بدلًا من أن يكون فرصةً لاختبار الأفكار. وحين يُحاكم المتحدث على هويته المفترضة قبل فحص حجته، تتراجع فرص التفاهم، ويصبح الحوار ساحةً لتبادل الاتهامات بدلًا من أن يكون وسيلةً لتصحيح الأخطاء وتطوير المعرفة. ثانيًا: سيكولوجيا الجماهير في البيئة الرقمية. يمكن فهم جانب من هذه الظاهرة بالاستعانة بمفهوم سيكولوجيا الجماهير لدى (غوستاف لوبون) مع ضرورة عدم إسقاط تصوره التاريخي على الفضاء الرقمي إسقاطًا حرفيًا. فقد تناول لوبون أثر الانفعال والإيحاء والتأثر المتبادل في سلوك الحشود، وهي موضوعات تتيح مدخلًا لفهم بعض أنماط السلوك الجمعي المعاصر، وإن كانت البيئة الرقمية تفرض شروطًا جديدة تتطلب أدوات تفسير إضافية. فالجمهور الرقمي لا يجتمع بالضرورة في مكان واحد، لكنه قد يتشكل حول قضية أو شخصية أو وسم متداول، وتنتظم تفاعلات أفراده في موجات متلاحقة من التأييد والرفض. وقد ينتقل الحكم من شخص إلى آخر بسرعة تفوق سرعة التحقق من الوقائع، فيما تتحول كثافة التفاعل إلى ما يشبه الدليل الاجتماعي الذي يستند إليه بعض المشاركين لتأكيد صحة موقفهم. وفي مثل هذه البيئات، قد يؤدي التكرار دورًا يتجاوز مجرد إعادة تداول المعلومة، إذ يمكن أن يمنح الادعاء المكرر انطباعًا بالألفة والصدقية، حتى عندما لا تتوافر أدلة كافية تسنده. كما قد يدفع الانتماء إلى جماعة معينة الفرد إلى تبني أحكامها أو الدفاع عنها، لا لقوة حججها بالضرورة، بل لما يمنحه ذلك من شعور بالقبول والانسجام مع محيطه. وتزداد هذه الظاهرة تعقيدًا حين تتداخل معها آليات المنصات الرقمية التي تمنح بعض المضامين انتشارًا أوسع وفق أنماط التفاعل. فالمحتوى الذي يثير الغضب أو الخوف أو السخرية قد يجذب الانتباه أكثر من التحليل الهادئ، وقد يجد الخطاب الاستفزازي طريقه إلى الانتشار أسرع من الخطاب الذي يتطلب قراءة متأنية وفهمًا للسياقات. ولا يعني ذلك أن الجماهير الرقمية كتلة واحدة مندفعة أو فاقدة للقدرة على التفكير، فهي تضم أنماطًا متعددة من الوعي والسلوك، كما أن المنصات نفسها تتيح فرصًا للتعلم والنقاش وتبادل المعرفة. غير أن المشكلة تظهر عندما تتضافر الانفعالات الجماعية مع الأحكام المسبقة وضغط الانتماء، فيصبح التراجع عن حكم متسرع اعترافًا بالهزيمة بدلًا من أن يكون علامةً على النضج الفكري. وهكذا، قد يتحول الفضاء الرقمي من ساحة لتبادل الحجج إلى مسرح تتنافس فيه الانفعالات على استحواذ الجمهور، ويصبح الانتشار، في نظر بعض المشاركين، بديلًا عن البرهان، والتصفيق الجماعي قرينةً متوهمة على صحة الموقف. إن خطورة هذه البيئة لا تكمن في سرعة تداول المعلومات وحدها، بل في إمكان تحول الانفعال إلى حكم، والحكم إلى موقف جماعي، والموقف الجماعي إلى ضغط على كل من يحاول الاعتراض أو تقديم قراءة مختلفة. وعندها قد يتراجع التفكير المستقل أمام الرغبة في الانسجام مع الجماعة، ويصبح الاعتراف بالخطأ أصعب من التمسك به. ثالثًا: التهمة الجاهزة وإلغاء المساحات الرمادية. إن أخطر ما تنتجه عقلية «إما معي أو ضدي» ليس مجرد سوء الفهم، بل إلغاء المساحة التي يمكن أن يلتقي فيها المختلفون على الرغم من تباين مواقفهم. فالحياة الفكرية والاجتماعية أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في ثنائيات مغلقة، والمواقف الإنسانية لا تُفهم دائمًا من خلال تصنيف أصحابها في معسكرات متقابلة. قد يتفق المرء مع شخص في قضية ويختلف معه في أخرى، وقد ينتقد موقفًا من دون أن ينحاز إلى نقيضه، وقد يعترض على طريقة معالجة مشكلة من دون أن ينكر وجودها أو يتبنى موقف خصوم من يطرحها. لكن العقلية القطبية لا تتسع لهذه الاحتمالات ، فهي تميل إلى تفسير الاختلاف بوصفه انحيازًا مستترًا، والحياد النسبي بوصفه مراوغة، والنقد الجزئي بوصفه عداءً شاملًا. وهكذا يتحول النقاش إلى اختبار للولاء، وتصبح مطالبة المتحدث بتحديد موقعه الأيديولوجي أهم من مطالبة حجته بتقديم أدلتها. ويُدفع المثقف إلى الدفاع عن هويته المفترضة بدلًا من الدفاع عن منطقه، ويصبح مطالبًا بإثبات أنه ليس مع هذا الطرف أو ذاك قبل أن يُسمح له أصلًا بمناقشة الفكرة. إن هذه الآلية لا تضر بالمثقف وحده، بل تضر بالمجتمع كله ، لأنها تُضعف إمكان بناء مساحات مشتركة للحوار، وتحول دون تشكل مواقف مركبة تستند إلى المعرفة والخبرة وتعدد زوايا النظر. وحين تُغلق المساحات الرمادية، لا يبقى أمام الإنسان سوى الانضمام إلى أحد المعسكرين أو الانسحاب من النقاش، وفي الحالتين يخسر المجال العام جزءًا من قدرته على التفكير الحر. ولعل أخطر ما في التهمة الجاهزة أنها تمنح مطلقها شعورًا بالتفوق الأخلاقي، وتختصر عليه عناء مناقشة الحجة. فبدلًا من تفنيد الرأي، يكفي أن يُلصق بصاحبه وصف سلبي حتى تتراجع فرص الاستماع إليه، ويتحول النقاش من البحث عن الحقيقة إلى إثبات الولاء أو نفيه. ومن هنا، تصبح مقاومة هذه السيكولوجيا ضرورةً ثقافية وأخلاقية ، لأنها لا تحمي المثقف وحده، بل تحمي حق المجتمع في أن يرى القضايا من زوايا متعددة، وأن يختبر الأفكار بعيدًا عن سلطة التصنيف المسبق. رابعًا: التصفيق للمسيء ومفارقة الشعبية الرقمية. من الظواهر التي تستحق التأمل في هذا السياق أن الخطاب الساخر أو العدائي قد يحظى أحيانًا بتأييد واسع، ليس بالضرورة لأنه يقدم حجة مقنعة، بل لأنه ينسجم مع مشاعر الغضب لدى بعض المتلقين، أو يؤكد تصوراتهم المسبقة، أو يمنحهم فرصة للتعبير عن انتمائهم إلى جماعة معينة. وقد يتحول الإسفاف، في مثل هذه الحالات، إلى وسيلة لاستقطاب الانتباه، فيما يصبح التجريح مادة سهلة التداول، ويُكافأ صاحب الخطاب الأكثر استفزازًا بمزيد من المشاهدات والتعليقات والمشاركات. وعندئذٍ، يتداخل الانتشار مع المكانة، ويُساء فهم الشعبية باعتبارها دليلًا على الصواب أو التفوق الفكري. غير أن كثرة المؤيدين لا تحوّل الادعاء إلى حقيقة، كما أن قلة المتفاعلين لا تجعل الفكرة ضعيفة بالضرورة. فالمعيار المعرفي يقوم على قوة الأدلة وسلامة الاستدلال، لا على عدد المشاركين في التصفيق أو حجم الضجيج المحيط بالموقف. وهنا ينبغي التمييز بين النقد الحاد، الذي قد يكون مشروعًا وضروريًا، وبين الإساءة الشخصية التي تستهدف الانتقاص من الكرامة أو تشويه السمعة. فليس كل خطاب صادم باطلًا، وليس كل خطاب هادئ صحيحًا، إنما الفيصل هو مضمون القول، ودقة الوقائع، وسلامة الحجة، ومدى احترام حق الآخرين في الرد. كما لا يجوز أن يتحول الدفاع عن المثقف إلى مطالبة بإعفائه من المساءلة. فالمثقف، شأنه شأن غيره، قد يخطئ في تقديره، أو يضعف في حجته، أو يحتاج إلى مراجعة موقفه. لكن مساءلته ينبغي أن تتناول ما قاله فعلًا، لا ما يُنسب إليه زورًا، وأن تستند إلى شواهد واضحة، لا إلى تأويلات عدائية أو تصنيفات جاهزة. إن التصفيق للمسيء لا يعني بالضرورة اقتناع جميع المصفقين بمضمونه ، فقد يكون بعضهم مدفوعًا بالرغبة في الانتماء، أو الانجذاب إلى السخرية، أو مسايرة المزاج السائد. لكن النتيجة قد تكون واحدة: تضخيم الإساءة وإضعاف فرص الرد العقلاني. ومن هنا، فإن مسؤولية المتلقي لا تقل أهمية عن مسؤولية الكاتب؛ فإعادة نشر الاتهام دون تحقق، أو تداول مقطع مبتور من سياقه، أو تحويل السخرية إلى حكم نهائي على شخص أو فكرة، كلها ممارسات قد تسهم في إنتاج بيئة يتقدم فيها الانفعال على المعرفة. خامسًا: صمت العقلاء وتأثير المتفرج. لعل المفارقة الأكثر إيلامًا لا تتمثل في ارتفاع أصوات المهاجمين وحدهم، بل في صمت بعض الذين يشاهدون الإساءة ويملكون القدرة على التمييز بين النقد والتشهير، ثم يختارون عدم التدخل. وقد يكون هذا الصمت نابعًا من الخوف من الاستهداف، أو الرغبة في تجنب سجالات لا تنتهي، أو الاعتقاد بأن التدخل لن يغير شيئًا، أو عدم امتلاك معلومات كافية تسمح بإصدار حكم منصف. وقد يعكس أحيانًا حكمةً في تجنب التصعيد أو رفضًا لمنح الإساءة مزيدًا من الانتشار. ولذلك، لا يصح التعامل مع كل صمت بوصفه موافقةً أو جبنًا أو تواطؤًا. ويمكن فهم بعض مظاهر الامتناع عن التدخل في ضوء ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ«تأثير المتفرج» (Bystander Effect)، حيث قد تتراجع احتمالات مبادرة الفرد إلى المساعدة عندما يكون محاطًا بعدد كبير من المشاهدين، بسبب توزع المسؤولية أو انتظار الآخرين أو عدم وضوح الموقف. لكن تطبيق هذا المفهوم على الصمت في الفضاء الرقمي يظل تفسيرًا جزئيًا، لا قاعدة تنطبق على جميع الحالات. فالصمت الرقمي قد ينشأ عن دوافع متعددة، ولا يمكن استنتاج موقف صاحبه الأخلاقي من مجرد غياب تعليقه. ومع ذلك، حين تكون الوقائع واضحة، ويكون التشويه ظاهرًا، ويملك المرء القدرة على تقديم توضيح منصف من دون أن يعرّض نفسه أو غيره لخطر حقيقي، فإن الامتناع الدائم عن أي موقف قد يسهم، من حيث لا يقصد، في ترك الرواية الأكثر صخبًا تحتكر المشهد. وهنا تتجلى المعضلة الأخلاقية: كيف يمكن التوفيق بين حق الإنسان في الصمت، وعدم إلزامه بالدخول في كل معركة، وبين مسؤوليته تجاه بيئة عامة ينبغي أن تتوافر فيها حدود دنيا من الإنصاف واحترام الحقيقة؟ إن الإجابة لا تكمن في مطالبة الجميع بالتدخل في كل إساءة، بل في ترسيخ ثقافة تجعل الإنصاف قيمةً مشتركة، وتتيح للأفراد الاعتراض على التشهير من دون أن يتحولوا هم أنفسهم إلى أهداف لحملات مضادة. وقد يكون موقف هادئ، يستند إلى الوقائع ويعيد الكلام إلى سياقه، أكثر فاعلية من سجال طويل تحكمه الانفعالات. ولعل عبارة «ألا من ناصرٍ ينصرني؟» تختصر، في هذا السياق، شعور المثقف بالعزلة حين يجد نفسه في مواجهة اتهامات متلاحقة، لا لأنه يطلب جمهورًا يصفق له، بل لأنه يبحث عن شاهد منصف يذكّر الجميع بأن الاختلاف لا يسقط الحقوق، وأن الخصومة لا تبيح الظلم، وأن الحقيقة لا ينبغي أن تُترك رهينةً لمن يمتلك الصوت الأعلى. إن الموقف العادل لا يقتضي من الإنسان أن يخوض كل معركة، أو أن يرد على كل إساءة، لكنه قد يقتضي، في بعض الحالات، كلمة واضحة تعيد النقاش إلى الوقائع، أو تصحيحًا هادئًا لمعلومة مضللة، أو رفضًا صريحًا لتحويل الخلاف الفكري إلى حملة تشهير. فقد لا يستطيع العقلاء إيقاف كل موجة من الانفعال، لكنهم يستطيعون، على الأقل، ألا يمنحوا التضليل شرعية الصمت حين يكون تصحيحه ممكنًا وآمنًا. وقد تكون كلمة إنصاف واحدة كافيةً لإعادة التوازن إلى نقاش اختلّ بفعل التعميم أو التحريف. سادسًا: هل يحتاج المثقف إلى مناصرين أم إلى بيئة عادلة؟ حين يشعر صاحب الفكر بأنه وحيد في مواجهة موجة من الاتهامات، قد تختصر معاناته صرخة احتجاج وجودية: «ألا من ناصرٍ ينصرني؟». وليس المقصود بالضرورة طلب التصفيق أو الاستقواء بالجماعة، بل البحث عن موقف منصف يعيد النقاش إلى ميزان العقل، ويمنح الحقيقة فرصةً للظهور وسط ضجيج الاتهامات. لكن من الضروري هنا التمييز بين نصرة الشخص لمجرد الانتماء إليه، ونصرة المبدأ الذي يضمن حقه وحق مخالفيه في التعبير. فالمطلوب ليس إنشاء جماعة مضادة ترد على التهم الجاهزة بتهم مماثلة، ولا استبدال اصطفاف بآخر، بل الدفاع عن قاعدة أخلاقية ومعرفية مؤداها أن الأفكار تُناقش بالحجج، وأن الادعاءات تُختبر بالأدلة، وأن الأشخاص لا يُدانوا بسبب انتماءات مفترضة أو نوايا يقررها خصومهم نيابةً عنهم. إن الدفاع عن المثقف لا يعني منحه حصانةً من النقد، ولا افتراض صواب آرائه لمجرد مكانته العلمية أو الثقافية، بل يعني الدفاع عن حقه في أن تُناقش أفكاره كما طرحها، وأن يُحاسب على ما قاله فعلًا، لا على ما يُنسب إليه زورًا. فهناك فرق جوهري بين تفنيد الحجة وتشويه صاحبها، وبين الاعتراض على موقف وإقحام صاحبه في هوية أيديولوجية جاهزة، وبين الاختلاف معه والسعي إلى إسكات صوته. وبالمثل، لا ينبغي للمثقف أن يجعل من نفسه مرجعية فوق المساءلة، أو أن يتعامل مع كل نقد باعتباره استهدافًا، أو أن يختزل خصومه في صورة جمهور جاهل. فالمعرفة لا تمنح صاحبها العصمة، والمكانة الثقافية لا تعفيه من مراجعة أفكاره. إن استقلال المثقف الحقيقي يتجلى في قدرته على احتمال النقد، والاعتراف بالخطأ حين يثبت، والتمييز بين الاعتراض الذي يطوّر الفكرة والاعتداء الذي يستهدف صاحبها. والمثقف الذي يدعو إلى الحوار مطالب بأن يمارسه، والذي يدافع عن حرية الرأي مطالب بأن يحترمها حين تصدر عن خصومه، والذي ينتقد منطق الإقصاء لا يجوز له أن يعيد إنتاجه في الاتجاه المعاكس. فمقاومة التعصب لا تتحقق بتعصب مضاد، والإنصاف لا يصبح فضيلةً حين يخدم من نحب فقط، بل حين نلتزم به حتى مع من نختلف معهم. ومن هنا، فإن المسؤولية مزدوجة: مسؤولية الجماعة في ألا تجعل الاختلاف سببًا للإقصاء، ومسؤولية المثقف في ألا يحوّل استهدافه، إن وقع، إلى مبرر للتعالي على المجتمع أو الانسحاب منه. فالعلاقة بين المثقف والجمهور ليست علاقة خصومة دائمة، بل علاقة نقد وتأثير متبادل، تتطلب استقلالًا فكريًا من جهة، وإصغاءً اجتماعيًا من جهة أخرى. سابعًا: مسؤولية المثقف في استعادة المجال العام. لا تقتصر مسؤولية المثقف اليوم على إنتاج المعرفة، بل تمتد إلى حماية الشروط التي تتيح لها الازدهار. ويأتي في مقدمة هذه الشروط التثبت من المعلومات، والدقة في النقل، والإنصاف في التأويل، والتمييز بين الرأي والواقعة، والاعتراف بتعدد التفسيرات الممكنة، ورفض تحويل المنصات الرقمية إلى (محاكم شعبية ) تصدر أحكامها قبل التحقق من الوقائع أو الاستماع إلى مختلف الأطراف. كما تقع على المثقف مسؤولية مقاومة الإغراء بالانجرار إلى منطق الجماعة، حتى عندما تكون الجماعة مؤيدةً له. فالمثقف الذي يطالب خصومه بالاحتكام إلى العقل لا يستطيع أن يتخلى عن هذا المعيار عندما يصفق له أنصاره. والعدالة الفكرية لا تُختبر فقط حين نُنصف من نختلف معهم، بل أيضًا حين نمتنع عن تبرير أخطاء من نتفق معهم. ومن هنا، فإن الموقف النقدي لا ينبغي أن يكون امتيازًا لفئة أو أداةً في صراع بين المعسكرات، بل قاعدةً عامة تحكم الجميع. فالحقيقة لا تصبح ملكًا لجماعة لأنها تتبناها، والباطل لا يتحول إلى حق لأن عدد المدافعين عنه كبير، والإنصاف لا يفقد قيمته عندما يكون المستفيد منه شخصًا لا نتفق معه. وتزداد هذه المسؤولية أهميةً في ظل بيئة رقمية تتسارع فيها الأخبار والانطباعات، وتتداخل فيها المعلومات الدقيقة مع الشائعات والتأويلات. فالمثقف مطالب بأن يدافع عن فضيلة التمهل في زمن الاستعجال، وعن الشك المنهجي في زمن اليقين المتعصب، وعن حق الاختلاف في زمن التصنيفات الجاهزة. ومهمته ليست إرضاء الجمهور، بل الإسهام في توسيع أفقه، ومساعدته على التمييز بين ما يثير مشاعره وما تسنده الوقائع. ولا يعني ذلك أن يقف المثقف في برج عاجي، أو أن ينظر إلى المجتمع بتعالٍ ، بل أن يشارك فيه من دون أن يفقد استقلاله، وأن يصغي إلى أسئلته من دون أن يساير أحكامه المسبقة، وأن يدافع عن حق الناس في التعبير، من دون أن يتنازل عن حقه في نقد ما يقولونه. وفي المقابل، تقع على المؤسسات الثقافية والإعلامية والتعليمية مسؤولية ترسيخ قواعد النقاش المسؤول، وتعزيز الثقافة الرقمية، وتشجيع التحقق من المعلومات، وتوفير مساحات للحوار لا تقوم على الإثارة أو التشهير. فالمشكلة لا تُحل بمطالبة الأفراد وحدهم بضبط سلوكهم، ما لم تتوافر بيئة عامة تكافئ المعرفة وتمنح التفكير المتزن فرصةً عادلة للوصول إلى الجمهور. كما أن مسؤولية المنصات الرقمية لا تقل أهميةً في هذا السياق ، إذ ينبغي أن تتوافر للمستخدمين أدوات فعالة للإبلاغ عن الإساءة المنظمة والمعلومات المضللة، وسياسات واضحة تحد من استغلال الانتشار في حملات التشهير، من دون أن تتحول هذه الإجراءات إلى وسيلة لقمع النقد المشروع أو تقييد حرية التعبير. إن استعادة المجال العام لا تعني القضاء على الخلاف، بل إعادة تنظيمه على أسس تحترم الإنسان وتمنح الحجة مكانتها. فالاختلاف ليس خللًا ينبغي محوه، وإنما حقيقة اجتماعية وفكرية يمكن أن تتحول إلى مصدر للإثراء إذا أُديرت بعقلانية، أو إلى أداة للتفكك إذا أُخضعت لمنطق التخوين والإقصاء. من صفوة الكلام : حين يصبح الإنصاف موقفًا شجاعًا. إن أخطر ما قد يصيب الفضاء الرقمي ليس ارتفاع الأصوات الغاضبة وحده، بل تراجع الاستعداد للدفاع عن معايير الحوار حين تصبح كلفة الدفاع عنها مرتفعة. فالحقيقة لا تحتاج إلى حشود تصفق لها بقدر ما تحتاج إلى عقول تفحصها، والعدالة لا تتحقق بكثرة المؤيدين بقدر ما تتحقق بإنصاف المختلفين، واحترام حقهم في التعبير، والاحتكام إلى الحجة والدليل. وفي المقابل، لا ينبغي للمثقف أن يستمد قيمة فكره من حجم التفاعل معه، أو أن يقيس صواب موقفه بعدد من يناصرونه أو يخذلونه. فاستقلال العقل لا يُختبر حين يلقى صاحبه القبول، بل حين يواجه الاعتراض، ويصبح مطالبًا بتفسير موقفه والدفاع عن حجته. كما أن شجاعة المثقف لا تكمن في مخالفة الجماهير لمجرد المخالفة، بل في قدرته على قول ما يراه صوابًا وعلى وفق ما لديه من أدلة، واستعداده في الوقت نفسه لمراجعة رأيه متى ظهرت حجة أقوى. إن المجتمع الذي يُعاقَب فيه الإنسان على رأيه، ويُكافأ فيه التشويه بالتصفيق، ويُقابل فيه الإنصاف بالصمت، لا يخسر فردًا مستهدفًا فحسب، بل يضعف تدريجيًا قدرته على إدارة اختلافاته بالعقل والحجة. وحين تضيق المساحة المشتركة التي تسمح بتصحيح الأخطاء وتبادل الأفكار، يصبح الجميع أكثر عرضةً للأحكام المتسرعة، بمن فيهم أولئك الذين يظنون أنهم بمنأى عنها. ولعل السؤال الأعمق ليس: لماذا تصرخ الجماهير؟ بل: لماذا يعجز المجال العام أحيانًا عن التمييز بين (قوة الصوت وقوة الحجة ؟) ، ولماذا يتراجع بعض العقلاء عن إظهار موقف منصف حين يشعرون بأن الإنصاف نفسه قد يُفسَّر بوصفه اصطفافًا؟ إن التحدي الحقيقي الذي يواجه المثقف في عصر الجماهير الرقمية هو أن يحافظ على استقلال عقله من دون أن ينعزل عن مجتمعه، وأن يدافع عن حقه في الاختلاف من دون أن يصادر حق الآخرين فيه، وأن يواجه التشويه من دون أن يستنسخ أساليبه، وأن يظل وفيًا للحقيقة حتى حين لا يجد من يصفق لها. فحين يصبح الاختلاف تهمة، لا تكون الخسارة في إسكات صوت واحد فحسب، بل في إضعاف قدرة المجتمع على التفكير الحر. وحين يصمت العقلاء، لا يجوز أن نفترض أنهم جميعًا قد تخلوا عن الحقيقة، لكن من الضروري أن نسأل عن السبل التي تجعل الإنصاف ممكنًا، والكلمة المسؤولة مسموعة، والاختلاف ممارسةً حضارية لا سببًا للإقصاء. إن الموقف الأخلاقي الأكثر نضجًا ليس أن ننصر المثقف لأنه من جماعتنا، ولا أن نخذله لأنه يخالفنا، بل أن نحتكم إلى معيار واحد في الحالتين: الدليل والإنصاف واحترام الكرامة الإنسانية. فحين يخطئ المثقف، ينبغي أن يُصحَّح خطؤه بالحجة، وحين يُظلم، ينبغي أن يُرفع عنه الظلم بالوقائع ، وحين يختلف معنا، ينبغي أن يبقى اختلافه حقًا مشروعًا لا تهمةً تستوجب الإدانة. فالمجتمع لا يُختبر بقدرته على التصفيق لمن يشبهه، بل بقدرته على إنصاف من يختلف معه ، والمثقف لا تُقاس قيمته بقدرته على كسب الجمهور، بل بقدرته على صيانة العقل والحجة والكرامة الإنسانية في فضاء تتنافس فيه الأصوات، وتبقى الحقيقة بحاجة إلى من يحسن البحث عنها، لا إلى من يكتفي بادعاء امتلاكها.
#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
معمل أبي غريب… حين كانت أحلامنا تمرّ من هنا
-
غسل الأموال وتشوهات التراكم الرأسمالي: من الجريمة الاقتصادية
...
-
العبث بين أزمة المعنى وسلطة القطيع وانهيار المسؤولية.
-
عبد الرحمن البزاز: رجل من بلادي صديق أبي… وذكرى من طفولتي
-
حين تتحول الغَلَبة إلى ثقافة، والإحباط إلى نظام اجتماعي
-
المَخرَج… حين يصبح الخلاص امتحانًا للإنسان. (قراءة في فلسفة
...
-
من الوعي إلى الذكاء الاصطناعي: هيغل ونوري جعفر
-
من سلطة الماضي إلى ثقافة الحياة: (العقل الماضوي والاستدعاء ا
...
-
تشرين بغداد: زقزقة العصافير ومتلازمة المطر
-
إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني
...
-
إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء (تأمل إنساني ع
...
-
إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني
...
-
ذلك الكرسي
-
عندما تهرم الذئاب
-
حوت في دفتر الفيزياء: ذكريات من الخامس من حزيران 1967
-
دموع أبي.. وذاكرة قصر النهاية في الذكرى الخامسة والخمسين
-
لَوْعَةُ الوعي
-
تشظّي الهابيتوس السياسي: ديناميات الانقسام داخل المكوّن الوا
...
-
الحب: الهروب نحو الحرية
-
فلسفة الموقف: تجاوز ثنائية الثبات والتغير نحو تركيب مستدام
المزيد.....
-
أوكرانيا تفتح جبهة قتال جديدة ضد روسيا.. ماذا يعني استهداف -
...
-
بلاط البيوت القديمة تحوّل إلى حقائب عصرية.. كيف تُلهم بيروت
...
-
لحظة تعرض الصحفية هايدي ليفين لهجوم من مستوطنين إسرائيليين ف
...
-
شاهد.. ترامب يمزح بشأن تسمية مضيق هرمز والمحيط الأطلسي باسمه
...
-
مطار عدن.. طائرة برحلة إلى مصر تنجو من صواريخ الحوثي بأمتار
...
-
مسؤول صربي رفيع: فوز فوتشيتش في الانتخابات المقبلة سيضمن علا
...
-
سياسية ألمانية تشبه روسيا بـ-سفينة نوح- وتكشف سبب انتقال الأ
...
-
أزمة ممثلة أمريكية مشهورة في الجو تتحول إلى معركة قانونية وط
...
-
الخارجية العراقية تعلن جهوزيتها لانطلاق اجتماعات التعاون الإ
...
-
ماكرون يدعو للهدوء وسط تحذيرات أمنية وترقب لاحتجاجات حاشدة ف
...
المزيد.....
-
محمد أركون ونقد الأنوار.
/ ابراهيم ازروال
-
ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري
/ حكمت الحاج
-
الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي
/ كريم الوائلي
-
تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة
/ كريم الوائلي
-
التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت
...
/ كريم الوائلي
-
أزمة التعليم في العرا ق
/ كريم الوائلي
-
منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث
/ كريم الوائلي
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
المزيد.....
|