أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصناعة والزراعة - مظهر محمد صالح - معمل أبي غريب… حين كانت أحلامنا تمرّ من هنا















المزيد.....

معمل أبي غريب… حين كانت أحلامنا تمرّ من هنا


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 18:14
المحور: الصناعة والزراعة
    


كنتُ صبيًّا في خمسينيات القرن الماضي، حين كانت الحافلة تمضي بنا من الفلوجة، حيث كان أبي، رحمه الله، موظفًا حكوميًّا، إلى بغداد، في رحلاتنا العائلية الموسمية لزيارة بيت جدّي. كانت الطريق يومئذٍ أكثر من مسافةٍ تقطعها الحافلة بين مدينتين ،كانت شريطًا من المشاهد التي تتسلّل إلى الذاكرة دون استئذان، ثم تمكث فيها حتى بعد أن يرحل العمر، وتتبدّل الأمكنة، وتصبح الطفولة وطنًا آخر لا نعود إليه إلا بالحنين.
وفي الطريق، عند أبي غريب، كان يلوح ذلك المعمل الناشئ، متربّعًا وسط خضرةٍ غامرة، كأنّ الأرض قد اختارت له أجمل بقاعها لتودع فيها بذرةً من بذور المستقبل. كنتُ أرقبه من نافذة الحافلة بعينَي صبيٍّ لم تكن الحياة قد كشفت له أسرارها بعد، لكنّهما كانتا تعرفان، بالفطرة، كيف تميّزان الجمال، وكيف تنحازان إلى كل ما يوحي بالنظام والرقيّ والقدرة على البناء. كانت هندسته تستوقفني، وتناسق أجزائه يأسرني، ومشهدُه، في ذلك الفضاء الأخضر، يترك في نفسي انطباعًا يصعب على طفلٍ أن يفسّره بالكلمات، لكنه يستطيع أن يشعر به عميقًا: أنّ بلادي كانت تصنع شيئًا من مستقبلها، وأنّ الغد لم يكن بعيدًا كما يبدو.
لم أكن أعرف يومها معنى رأس المال، ولا أسرار الإنتاج، ولا كيف تتحوّل المعرفة إلى قوّةٍ اقتصادية، وكيف تصبح الصناعة إحدى اللغات التي تتحدّث بها الأمم عن إرادتها واستقلالها. لم أكن أعرف شيئًا من ذلك ، كنتُ مجرّد طفلٍ ينظر من نافذة حافلة، غير أنّ الحياة كانت تكتب في وجدانه، من حيث لا يدري، أوّل دروسها في معنى الوطن. فبعض المعاني لا نتعلّمها من الكتب، بل نتلقّاها من مشهدٍ عابر، أو نافذةٍ مفتوحة، أو بناءٍ ينهض وسط الخضرة، فيستقرّ في أعماقنا كأنّه وعدٌ لم يُنطق به، لكنه ظلّ مسموعًا في القلب.
وهكذا، لم يكن معمل أبي غريب في ذاكرتي مجرّد منشأةٍ صناعية، كان صورةً مبكّرة لوطنٍ يكتشف قدرته على النهوض، ورمزًا لزمنٍ بدا فيه المستقبل قابلًا لأن يُصنع، لا أن يُنتظر. كان في ذلك الصرح معنى يتجاوز جدرانه وآلاته ، معنى أن تكون للأرض ثمارٌ تتجاوز ما تنبته من زرع، وأن تتحوّل خيراتها إلى عملٍ ومعرفةٍ وإنتاج، وأن يجد الإنسان في بلاده ما يدعوه إلى البقاء، وما يمنحه الثقة بأنّ أبناءه يستطيعون أن يضيفوا إلى العالم شيئًا من صنع أيديهم وعقولهم.
وما أغرب الذاكرة! إنّها لا تحفظ الأشياء على صورتها وحدها، بل تحفظ معها ما كنّا عليه حين رأيناها، وما تمنّيناه ونحن نحدّق فيها، وما كنّا نعتقد أنّ الزمن سيمنحنا إيّاه. لذلك، حين أستعيد اليوم ذلك المعمل، لا أستعيد جدرانًا ومرافقَ ومشهدًا صناعيًّا فحسب ، إنّما أستعيد الطفل الذي كنته، وأستعيد أبي، وأستعيد الطريق إلى بغداد، وأستعيد وطنًا كان المستقبل في عينيه أقرب إلى الوعد منه إلى السؤال.
لقد مضت عقودٌ طويلة، وتبدّلت وجوه المدن، وتراكمت على الذاكرة طبقاتٌ من الوقائع والخيبات. غير أنّ ذلك المشهد القديم ما زال حيًّا في داخلي، كأنّ الزمن عجز عن الوصول إليه. وما زلت، كلّما استدعيتُه، أرى الحافلة تمضي، والخضرة تمتدّ، والمعمل يلوح من بعيد، وأرى نفسي طفلًا يحدّق في ذلك البناء دون أن يعرف أنّه سيكبر يومًا، وأنّ ما يراه بعينيه الصغيرتين سيغدو، بعد كل هذه السنوات، جزءًا من حنينه الكبير.
ولعلّ أقسى ما يفعله الزمن بالإنسان ليس أنّه يسرق منه شبابه، بل أنّه يعيده إلى الأمكنة التي أحبّها، فيضع أمامه صورتين متقابلتين: صورةً لما كان، وصورةً لما صار ، ثم يتركه وحيدًا أمام المسافة بينهما. عندئذٍ لا يعود الحزن مجرّد أسفٍ على منشأةٍ أصابها التراجع، أو على معلمٍ فقد بعض ألقه، بل يصبح حزنًا على الإمكانات التي لم تكتمل، وعلى الأحلام التي تأخّر موعدها، وعلى ذلك المستقبل الذي تخيّلناه يومًا امتدادًا طبيعيًّا لما بدأناه.
يا لمرارة أن يكبر الإنسان، ثم يكتشف أنّ بعض أحلام طفولته لم تكبر معه، بل ظلّت معلّقةً في زمنها، تنتظر أن يعود إليها الوطن!
إنّ ما يؤلمني في حكاية معمل أبي غريب للألبان ليس ما أصابه وحده، بل ما يمثّله في وجداني من سؤالٍ أكبر: كيف يمكن لأمةٍ أن تمتلك بذور النهوض، ثم تتعثّر في رعايتها؟ وكيف يمكن لمكانٍ كان يومًا عنوانًا على التقدّم أن يتحوّل في الذاكرة إلى مرآةٍ لما ضاع من فرص، وما انقطع من مسارات، وما كان ينبغي أن يستمرّ ويتطوّر ويتجدّد؟ إنّ المنشآت الصناعية ليست أبنيةً صامتة، إنّها خلاصة عقولٍ وجهودٍ وموارد، وشواهد على مرحلةٍ من إرادة المجتمع في تحويل أحلامه إلى واقع. وحين يتراجع دورها، فإنّ الخسارة لا تُقاس بما تفقده من إنتاج فحسب، بل بما ينحسر معها من معرفةٍ وفرص عملٍ وثقةٍ بالمستقبل.
ومع ذلك، فإنّني لا أريد لذكرياتي أن تنتهي عند حدود الأسى، ولا أريد للصبيّ الذي رأى المعمل أوّل مرّة أن يظلّ أسير صورةٍ حزينةٍ لشيءٍ أحبّه ولم يستطع أن يحميه. فما قيمة الحنين إن لم يفتح نافذةً للأمل؟ وما جدوى الوفاء للماضي إن لم يتحوّل إلى رغبةٍ صادقة في استعادة ما كان فيه من قدرةٍ على البناء؟
إنّ الأوطان، مثل البشر، قد تمرّ بأزمنةٍ تنحسر فيها قواها، وتثقل فيها خطواتها، وتبتعد عن الطريق الذي بدأت منه ، لكنّ الانحسار ليس قدرًا أبديًّا، كما أنّ المجد القديم لا يكفي وحده لصناعة مجدٍ جديد. إنّما تستعيد الأمم عافيتها حين تفهم دروس ماضيها، وتحسن إدارة حاضرها، وتمنح المعرفة والعمل والإنتاج مكانتها التي يستحقّونها. وعندها لا تكون العودة إلى الحياة مجرّد ترميمٍ لجدرانٍ قديمة، بل بعثًا للوظيفة والمعنى، واستئنافًا لمسيرةٍ انقطعت أو تعثّرت.
ولذلك، ما زلتُ أؤمن أنّ معمل أبي غريب يستطيع أن يولد من جديد، لا بوصفه ذكرى تُستعاد، بل بوصفه مستقبلًا يُصنع. أؤمن أنّ أبوابه يمكن أن تُفتح مرّةً أخرى، وأن تستعيد آلاته نبضها، وأن تعود الخضرة المحيطة به جزءًا من مشهدٍ يجمع جمال الأرض بكرامة العمل، وأن يرى طفلٌ عراقيٌّ جديد ذلك الصرح من نافذة حافلةٍ عابرة، فيشعر بما شعرتُ به ذات يوم: أنّ بلاده تتحرّك إلى الأمام، وأنّ الغد يحمل له شيئًا يستحقّ الانتظار.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن يحدث لذاكرتي، بعد كل هذه العقود، أن أرى الحلم الذي احتفظتُ به طفلًا يتحوّل إلى حقيقةٍ يراها الأبناء والأحفاد. عندها فقط، لن تكون عودة المعمل مجرّد عودةٍ لمنشأةٍ صناعية إلى العمل ، ستكون مصالحةً بين الأمس والغد، وجوابًا عمليًّا عن أسئلة الحنين، ورسالةً تقول إنّ ما تعثّر يمكن أن يستأنف طريقه، وإنّ ما خبا يمكن أن يستعيد نوره، إذا وجدت الإرادة الواعية طريقها إلى الفعل.
رحم الله أبي، ورحم أيامًا مضت وبقي عبيرها في الذاكرة، ورحم تلك الطفولة التي كانت ترى في معملٍ وسط الخضرة أكثر من بناء ، كانت ترى فيه وعدًا صغيرًا بأنّ الحياة تتقدّم، وأنّ الوطن قادرٌ على أن يكون أجمل.
وإذا كانت السنوات قد أخذت منّا أشياء كثيرة، فإنّها لم تستطع أن تأخذ منّي تلك الصورة الأولى ، صورة المعمل وهو يلوح من بعيد، وصورة الصبيّ الذي يراقبه بإعجاب، وصورة الوطن وهو يتشكّل في خياله على هيئة مستقبلٍ رحب.
فما زلتُ، بعد كل هذه السنين، أرى الحافلة تمضي، وأرى المعمل، وأرى الطفل الذي كنته يحدّق فيه من خلف الزجاج. وأقول له، كأنّني أطمئنه بعد رحلة عمرٍ كاملة: لا تحزن يا صغيري ، فما زال في العمر متّسعٌ للأمل، وما زال في العراق متّسعٌ للنهوض، ولعلّ ذلك الصرح الذي رأيته يومًا بعينيك سيقف من جديد، كي لا تبقى أحلامنا مجرّد مشاهد عابرة من وراء نافذة، بل تصبح واقعًا يراه أبناؤنا بأعينهم، ويواصلون البناء من حيث تمنّينا أن نصل.
فالأوطان لا تستعيد مستقبلها بالحنين إلى ما كان، بل بتحويل ذلك الحنين إلى عمل ، وليس أجمل من أن يعود معمل أبي غريب يومًا إلى الحياة، ليشهد بأنّ بعض الأحلام، وإن طال غيابها، لا تموت ما دام هناك من يؤمن بأنّها تستحقّ أن تولد من جديد.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- غسل الأموال وتشوهات التراكم الرأسمالي: من الجريمة الاقتصادية ...
- العبث بين أزمة المعنى وسلطة القطيع وانهيار المسؤولية.
- عبد الرحمن البزاز: رجل من بلادي صديق أبي… وذكرى من طفولتي
- حين تتحول الغَلَبة إلى ثقافة، والإحباط إلى نظام اجتماعي
- المَخرَج… حين يصبح الخلاص امتحانًا للإنسان. (قراءة في فلسفة ...
- من الوعي إلى الذكاء الاصطناعي: هيغل ونوري جعفر
- من سلطة الماضي إلى ثقافة الحياة: (العقل الماضوي والاستدعاء ا ...
- تشرين بغداد: زقزقة العصافير ومتلازمة المطر
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني ...
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء (تأمل إنساني ع ...
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني ...
- ذلك الكرسي
- عندما تهرم الذئاب
- حوت في دفتر الفيزياء: ذكريات من الخامس من حزيران 1967
- دموع أبي.. وذاكرة قصر النهاية في الذكرى الخامسة والخمسين
- لَوْعَةُ الوعي
- تشظّي الهابيتوس السياسي: ديناميات الانقسام داخل المكوّن الوا ...
- الحب: الهروب نحو الحرية
- فلسفة الموقف: تجاوز ثنائية الثبات والتغير نحو تركيب مستدام
- حين تُقطع أنفاس الطبيعة


المزيد.....




- -هل تعتقد أنك تُستخدم ككبش فداء لمشاكل ترامب-؟.. زيلينسكي ير ...
- النفط يقفز إلى 110 دولارات للبرميل لأول مرة منذ 5 أشهر.. ما ...
- إيران تحدد 3 شروط للصلح مع الولايات المتحدة
- دول معاهدة الأمن الجماعي تجري مناورات
- معتمر باكستاني يعود من الموت بعد 14 ثانية
- اختتام منتدى -أسبوع الطاقة الروسي-
- بعد خمسة أيام في المنصب.. ترامب ينهي مهام المتحدثة باسم البي ...
- زيلينسكي في مهبّ العاصفة
- سوريا.. سماع دوي انفجارات وحديث عن تصد لمسيرات معادية في غرب ...
- ليبيا: روسيا شريك مهم بقطاع الطاقة


المزيد.....

- كيف استفادت روسيا من العقوبات الاقتصادية الأمريكية لصالح تطو ... / سناء عبد القادر مصطفى
- مشروع الجزيرة والرأسمالية الطفيلية الإسلامية الرثة (رطاس) / صديق عبد الهادي
- الديمغرافية التاريخية: دراسة حالة المغرب الوطاسي. / فخرالدين القاسمي
- التغذية والغذاء خلال الفترة الوطاسية: مباحث في المجتمع والفل ... / فخرالدين القاسمي
- الاقتصاد الزراعي المصري: دراسات في التطور الاقتصادي- الجزء ا ... / محمد مدحت مصطفى
- الاقتصاد الزراعي المصري: دراسات في التطور الاقتصادي-الجزء ال ... / محمد مدحت مصطفى
- مراجعة في بحوث نحل العسل ومنتجاته في العراق / منتصر الحسناوي
- حتمية التصنيع في مصر / إلهامي الميرغني
- تبادل حرّ أم تبادل لا متكافئ : -إتّفاق التّبادل الحرّ الشّام ... / عبدالله بنسعد
- تطوير المشاريع الصغيرة والمتوسطة، الطريقة الرشيدة للتنمية ا ... / احمد موكرياني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصناعة والزراعة - مظهر محمد صالح - معمل أبي غريب… حين كانت أحلامنا تمرّ من هنا