أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - مظهر محمد صالح - حين تتحول الغَلَبة إلى ثقافة، والإحباط إلى نظام اجتماعي















المزيد.....

حين تتحول الغَلَبة إلى ثقافة، والإحباط إلى نظام اجتماعي


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 04:53
المحور: المجتمع المدني
    


1- تمهيد :
ليست أكثر المجتمعات قسوةً تلك التي تعلن عداءها للإنسان، بل تلك التي تُقنعه بأن انكساره قدر، وأن عجزه فضيلة، وأن طموح غيره تهديدٌ لوجوده. ففي المجتمعات التي تتراكم فيها عُقَد النقص واضطرابات تقدير الذات، لا يبقى الإحباط شعورًا فرديًا عابرًا، بل يمكن أن يتحول، في ظروف اجتماعية معينة، إلى منظومة تنتج الإحباط وتعيد توزيعه وتحمي شروط استمراره.

2- من الجرح الفردي إلى الظاهرة الاجتماعية.

ثمة قوى لا تستطيع أن تصنع مجدها، فتسعى إلى تحطيم مجد الآخرين ، ولا تستطيع أن تنتزع الاعتراف بجدارتها، فتعمل على إسقاط جدارة من حولها. إنها لا تواجه التفوق بالإنجاز، بل بالتشكيك ، ولا تواجه الاختلاف بالحوار، بل بالإقصاء ، ولا تواجه المستقبل بصناعته، بل بمحاولة تعطيله.

وهكذا ينتقل الإحباط من شعور داخلي إلى لغة مشتركة، ثم إلى ثقافة سائدة، ثم إلى سلوك اجتماعي، وقد ينتهي، في البيئات المختلة، إلى أداة سلطة.

وفي البيئات الراكدة والمعتمة، يصبح الإنسان الناجح كائنًا مقلقًا، لأنه يذكّر الآخرين بما كان يمكن أن يكونوه ولم يكونوا. ومن هنا تنشأ الرغبة في تسوية الجميع إلى مستوى واحد، لا عبر الارتقاء بالجميع، وإنما عبر إسقاط من ارتفع. وكأن القاعدة الضمنية تصبح:

3- إذا لم نستطع الصعود، فلنهدم السلم.

حين يتحول النقص إلى قبول بالإذلال

ولا يمكن فهم هذه الظاهرة من دون النظر إلى جذورها النفسية. فالتنمر، والرفض الاجتماعي، وضغوط الأسرة، والفشل في تحقيق توقعات غير واقعية، والعلاقات السامة، والتلاعب العاطفي، كلها تجارب قد تترك آثارًا عميقة في صورة الإنسان عن ذاته، وتدفعه إلى الشك في قيمته وجدارته بالاحترام.

وفي هذا السياق، يسلط الأكاديمي والمفكر الدكتور ليث السامرائي الضوء على مفهوم التعاطف الذاتي بوصفه أحد المداخل التي تساعد الإنسان على معالجة النقص في تقدير الذات واستعادة القبول بالنفس، مشيرًا إلى أن تجارب التنمر والرفض، والفشل في بلوغ أهداف مبالغ فيها، والعلاقات التي تقوم على التقليل من شأن الفرد أو التلاعب به عاطفيًا، يمكن أن تضعف ثقته بذاته تدريجيًا.

كما يلفت إلى أثر أنماط التفكير الداخلية ، فالمقارنة الاجتماعية المستمرة، ولا سيما أمام الصور المثالية التي تقدمها وسائل التواصل الاجتماعي، قد تولد شعورًا زائفًا بأن الآخرين يعيشون حياة أفضل، بينما يؤدي الحوار الداخلي السلبي المتكرر إلى ترسيخ عبارات من قبيل: «أنا غير موفق»، أو «لن أنجح»، أو «أنا لا أستحق». ومع مرور الوقت قد يتعامل العقل مع هذه الأفكار بوصفها حقائق.

ويضاف إلى ذلك تضخيم الأخطاء وتهميش الإنجازات ، إذ يركز الإنسان على زلة واحدة، ويتجاهل عشرات النجاحات التي حققها، فيصبح تقييمه لذاته رهينًا بما ينقصه، لا بما يمتلكه.

غير أن المسألة لا تتوقف عند حدود الفرد ، فالجرح النفسي، إذا وجد بيئة اجتماعية تشجعه وتعيد إنتاجه، يمكن أن يتحول من ألم شخصي إلى سلوك جمعي.

4-من المرض النفسي إلى البنية الثقافية.

وهنا تقع اللحظة الفاصلة: حين يتحول المرض النفسي والاجتماعي من حالة فردية قابلة للعلاج إلى بنية ثقافية تتكفل بإعادة إنتاجه.

فالمجتمع الذي تُدار علاقاته بمنطق (الغلبة ) لا يحتاج إلى قانون قوي، لأنه يستبدل القانون بالنفوذ، ولا يحتاج إلى مؤسسات راسخة، لأنه يستبدل المؤسسة بالشخص ، ولا يحتاج إلى مواطنة حقيقية، لأنه يستبدلها بالعصبية والولاء الأولي.

وعندما تتراجع المدنية تتقدم الغلبة، وحين تتقدم الغلبة يبدأ المجال العام بفقدان وظيفته الحضارية.

فالمدنية، في جوهرها، ليست مجرد تنظيم عمراني أو إداري، وإنما هي القدرة على تحويل القوة إلى قانون، والاختلاف إلى تعايش، والمصلحة الفردية إلى مصلحة عامة. وكلما عجز المجتمع عن ذلك، عادت علاقاته إلى منطق ما قبل المؤسسة.

ترييف المدينة: حين تتغير الروح ولا تتغير الخريطة

ومن أخطر تجليات هذه الحالة ترييف المدينة.

وليس المقصود بترييف المدينة قدوم سكان الريف إليها، فالهجرة والتحول الديموغرافي ظاهرتان طبيعيتان في تطور المجتمعات. وإنما المقصود هو انتقال أنماط من التفكير والسلوك وآليات إنتاج السلطة إلى المجال الحضري، بحيث تصبح العصبية أقوى من المؤسسة، والعلاقة الشخصية أقوى من القانون، والانتماء الضيق أقوى من المواطنة، ويصبح النفوذ معيارًا للحق بدل أن يكون الحق هو معيار النفوذ.

عندها تتغير المدينة دون أن تتغير خرائطها.

تبقى الأبنية شاهقة، والشوارع مزدحمة، والأسواق عامرة، لكن روح المدينة تتراجع. فالحضارة ليست إسمنتًا وحديدًا، الحضارة هي القدرة على ضبط القوة، واحترام المختلف، والاحتكام إلى القانون، وإدارة التناقض من دون تحويله إلى صراع دائم بين الأفراد والجماعات.

وحين تفشل المدينة في أداء هذه الوظيفة، تتحول من فضاء لإنتاج المدنية إلى مجرد تجمع سكاني كبير تحكمه آليات ما قبل الدولة.

اقتصاد الإحباط وسياسة الغلبة

وهنا تتسع دائرة الإحباط لتطال مختلف مجالات الحياة.

في السياسة، تصبح الكفاءة أقل قيمة من الولاء.

وفي الاقتصاد، تصبح العلاقة أهم من الاستحقاق.

وفي المجتمع، يتحول النجاح إلى تهمة، والتميز إلى مصدر للريبة.

وفي الثقافة، يصبح التفكير المختلف خروجًا على الجماعة.

وفي مثل هذه البيئة، لا يعود الإنسان يقيس قيمته بما ينجزه، بل بمقدار قربه من مراكز القوة وقدرته على حماية موقعه داخل شبكة النفوذ.

إن المجتمع الذي يخاف من الفرد المستقل هو مجتمع لم ينجز انتقاله الحقيقي إلى المدنية، لأنه لا يرى في الإنسان الحر قيمةً مضافة، بل خطرًا محتملًا على منظومة الطاعة.

ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يفشل الإنسان، بل أن يصبح فشل الإنسان شرطًا لاستقرار المنظومة.

5-دائرة إعادة إنتاج العجز.

عند هذه النقطة لا يعود الإحباط نتيجةً للواقع، وإنما يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الواقع نفسه.

كل جيل يورث الجيل الذي يليه مقدارًا جديدًا من الخوف، وكل فرد محبط قد يبحث عن فرد آخر يحبطه، وكل جماعة عاجزة قد تحرس عجزها بمحاربة من يحاولون الخروج منه.

إنها دائرة مغلقة:

العجز ينتج الإحباط،
والإحباط ينتج الغلبة،
والغلبة تعيد إنتاج العجز.

وهكذا يصبح المجتمع أسيرًا لمنظومة لا تسمح لأفراده بالخروج منها ، لأن خروج الفرد من دائرة العجز يهدد، في نظر هذه المنظومة، التوازن الهش الذي قامت عليه.

6 -الخروج من مجتمع الإحباط.

ولهذا فإن تحرير المجتمع من الإحباط ليس مشروعًا نفسيًا فحسب، بل هو مشروع حضاري.

لا يمكن بناء مجتمع سليم فوق أرض تكافئ الغلبة وتعاقب الكفاءة، ولا يمكن إنتاج مواطن حر في بيئة تجعل الولاء أهم من القانون، ولا يمكن للمدينة أن تصبح مدنيةً بمجرد أن تتوسع عمرانيًا.

إن استعادة المدنية تبدأ من استعادة قيمة الإنسان، وبناء الثقة، وترسيخ سيادة القانون، وتقوية المؤسسات، وفتح المجال أمام الكفاءة، وتحويل الاختلاف من مصدر للخوف إلى مصدر للتنوع والإثراء.

فالمدينة الحقيقية هي التي تجعل الإنسان أكثر حرية، لا أكثر خوفًا، وأكثر ثقة، لا أكثر شكًا، وأكثر قدرة على الاختلاف، لا أكثر استعدادًا لإلغاء المختلف.

أما حين تصبح المدينة مكانًا يتعلم فيه الإنسان كيف يخفض رأسه كي ينجو، وكيف يخفي نجاحه كي لا يُستهدف، وكيف يصمت كي لا يُقصى، فهذه ليست مدينةً بالمعنى الحضاري ، إنها آلة اجتماعية لإنتاج الخوف والإحباط.

7- صفوة الكلام : عندما يصبح الإحباط نظامًا.
في النهاية، لا تسقط المجتمعات حين تفشل حكوماتها فحسب ، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج الأمل.

فالمجتمع الذي يعجز عن حماية أفراده من الإحباط، سيجد نفسه أمام أجيال لا تريد أن تبني المستقبل، بل تريد أن تنتقم من الماضي.

وعندما يصبح تحطيم الآخر هو الطريق الوحيد الذي يشعر فيه الإنسان بأنه ما زال موجودًا، فاعلم أن المجتمع لم يعد يعيش أزمة إحباط ، لقد أصبح الإحباط هو نظام حياته.
وحين تتحول (الغَلَبة إلى ثقافة) ، يصبح القانون استثناءً، والمؤسسة غريبة، والكفاءة موضع شك، والنجاح استفزازًا، والمدينة مجرد قشرة عمرانية تخفي وراءها صراعًا قديمًا على الاعتراف والمكانة.
وهنا لا يكون السؤال: لماذا فشل المجتمع؟
بل: أيُّ بنيةٍ اجتماعية جعلت الفشل شرطًا لبقائه؟.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المَخرَج… حين يصبح الخلاص امتحانًا للإنسان. (قراءة في فلسفة ...
- من الوعي إلى الذكاء الاصطناعي: هيغل ونوري جعفر
- من سلطة الماضي إلى ثقافة الحياة: (العقل الماضوي والاستدعاء ا ...
- تشرين بغداد: زقزقة العصافير ومتلازمة المطر
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني ...
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء (تأمل إنساني ع ...
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني ...
- ذلك الكرسي
- عندما تهرم الذئاب
- حوت في دفتر الفيزياء: ذكريات من الخامس من حزيران 1967
- دموع أبي.. وذاكرة قصر النهاية في الذكرى الخامسة والخمسين
- لَوْعَةُ الوعي
- تشظّي الهابيتوس السياسي: ديناميات الانقسام داخل المكوّن الوا ...
- الحب: الهروب نحو الحرية
- فلسفة الموقف: تجاوز ثنائية الثبات والتغير نحو تركيب مستدام
- حين تُقطع أنفاس الطبيعة
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الأول
- عبيد بلا سلاسل - الجزء الاخير
- من شارع الأمير غازي إلى شارع النضال: حكاية شارع من ذاكرة بغد ...
- قصر النهاية: حوار مع الخوف


المزيد.....




- الأمم المتحدة تهاجم خطة واشنطن لبث إعدام نضال حسن وتصفها بـ ...
- مستشار وزير الإعلام اليمني: الأمم المتحدة تدير الأزمة في الب ...
- الأمم المتحدة: نحو 40 مدنيا قتلوا باستهداف مسيرة في النيل ال ...
- جدل في واشنطن وتحذيرات أممية من خطة بث إعدام نضال حسن مباشرة ...
- فانس: لن أشاهد البث المباشر لإعدام الضابط الأمريكي نضال حسن ...
- واشنطن تعلن فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية وسط تندي ...
- الأمم المتحدة ترحب بأي تقدم نحو تسوية النزاع في أوكرانيا
- -حماس- تدين العقوبات الأمريكية المفروضة على المحكمة الجنائية ...
- غوتيريش يدين العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية ...
- -الموت على الهواء-.. صحف غربية تهاجم خطة هيغسيث لبث إعدام نض ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - مظهر محمد صالح - حين تتحول الغَلَبة إلى ثقافة، والإحباط إلى نظام اجتماعي