أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - مظهر محمد صالح - رهانات الحياة في حانة بريطانية.















المزيد.....

رهانات الحياة في حانة بريطانية.


مظهر محمد صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 19:46
المحور: مقابلات و حوارات
    


لم يمنحني شتاء بريطانيا متّسعًا من الوقت لأتأمل حياة المجتمع البريطاني، أو لأتعرّف عن كثب إلى نبضه الإنساني وتفاصيله اليومية. فقد كنت موزّعًا بين مطرقة الدراسة وسندان الوقت، ألاحق ساعات العمر كما يلاحق الطالب حلمًا يعرف أن الطريق إليه لا يُعبَّد بالأمنيات وحدها.

لكنني، في مساء أحدٍ هادئ، وجدت فسحةً أهرب فيها من صرامة الجدول الدراسي وضجيج الالتزامات. كان سكون عطلة نهاية الأسبوع قد أرخى ظلاله على المدينة التي تحتضن جامعتي، فخرجت أبحث عن وجه آخر للحياة البريطانية؛ وجه لا تصنعه قاعات المحاضرات، ولا تختصره الكتب.

قادني الطريق إلى حانة بريطانية تقليدية، أو ما يُعرف بالـ Pub، وهي مؤسسة اجتماعية عريقة تعود جذورها إلى قرون مضت، وقد ازدهرت الحانات بصورتها المعروفة في العصر الفيكتوري. هناك، لا يقتصر المكان على تقديم المشروبات والطعام، بل يتحول إلى ملتقى اجتماعي تتقاطع فيه الحكايات، وتتجاور فيه المهن والأفكار والأحلام، ويجد الناس في أحاديثهم بعضًا من دفء الألفة في مواجهة برد الحياة.

اخترت مقعدي بهدوء، وما هي إلا لحظات حتى جلس أمامي شاب بريطاني أنيق الملبس، بادرني بابتسامة قائلاً:

— سيدي، أعرفك. أراك كثيرًا في شارع ترفر.

نظرت إليه متعجبًا وسألته:

— وكيف عرفتني؟

أجابني ببساطة، كأن الأمر لا يستحق كل هذا الاستغراب:

— أنا الذي أجمع النفايات من أمام الحاويات المنزلية أسبوعيًا. نتبادل التحية كلما مررتَ في طريقك إلى الجامعة.

أدهشتني عفوية الرجل؛ فقد اختصر المسافة بيننا بابتسامة وذاكرة صغيرة صنعتها تحية عابرة. تبادلنا الحديث، وأخبرني عن سعادته بعمله، ثم مضى يتحدث عن فتاة يعرفها في مدينة قريبة، وعن نيته الزواج منها.

كان يتحدث عن حياته بطمأنينة لافتة؛ لا يتبرأ من مهنته، ولا يتعامل معها بوصفها عبئًا ينتقص من قدره، بل يراها جزءًا من حياة يسعى إلى أن يبني فيها بيتًا وأسرة ومستقبلًا.

وأنا أستمع إليه، خطر لي أن قيمة الإنسان لا تكمن دائمًا في موقعه على سلّم المهن، بل في قدرته على أن يجد في عمله معنى، وفي حياته أفقًا، وفي الغد وعدًا يستحق الانتظار.

وبينما كنا نتبادل الحديث، انضم إلينا شاب آخر، بدا عليه التدين والانشغال بأسئلة الوجود والمصير. أخذ يتحدث عن الحياة بعد الموت، مستشهدًا بقصص الموتى وأحوالهم، حتى بدا لي أن الموت قد استأثر من حديثه بما لم تتركه الحياة لنفسها.

استوقفني الأمر، فسألته بدافع الفضول:

— هل تعمل في إحدى دور العبادة؟

أجابني:

— كلا، أنا حفّار قبور في مقبرة.

ثم استطرد، وكأنه يشرح لي سرًّا من أسرار حياته:

— أجد راحتي في أن آتي إلى هذه الحانة كل أسبوع، لأبتعد قليلًا عن أجواء المقبرة، وأستعيد هدوئي بين الناس.

ابتسمنا جميعًا. كان الرجل يقضي أيامه في حفر مواضع الرحيل، لكنه يأتي إلى الحانة بحثًا عن فسحة للحياة. يا للمفارقة! من يلازم الموت في مهنته يخرج في يوم عطلته بحثًا عن الأنس، وكأن الإنسان، مهما اقترب من النهاية، يظل محتاجًا إلى ما يذكّره بأنه ما زال حيًّا.

وهكذا وجدنا أنفسنا، من دون ترتيب مسبق، نحفر في تلك الحانة البريطانية، لا في التراب، بل في أسئلة الوجود ومعنى الحياة؛ وكان لكل منا معوله الخاص: عامل النظافة يحمل معول الكدح، وحفّار القبور يحمل معول التأمل، أما أنا فكنت أحمل معول السؤال.

ولم نكن نعلم أن فضولًا مماثلًا كان يدفع رجلين يجلسان بالقرب منا إلى الانضمام إلى الحديث. اقتربا وقدّما نفسيهما، وأخبراني بأنهما قدِما من مدينة برمنغهام بحثًا عن عمل، لكنهما لم يوفّقا في العثور على فرصة تناسب مهنتهما في صباغة الجدران.

سألتهما:

— وماذا تنويان أن تفعلا الآن؟

أجاب أحدهما بهدوء لم أكن أتوقعه من رجلين ضاقت أمامهما فرص العمل:

— اكتشفنا أن هناك سباقًا للخيول، ونأمل أن يوفّقنا الرهان على حصان فائز. إذا نجحنا، فقد نحصل على مبلغ يكفينا للعيش بضعة أشهر، وربما أكثر. نعتقد أن فرصتنا في الفوز هذه المرة كبيرة، وهي آخر محاولة لنا قبل العودة إلى برمنغهام.

تأملت كلامهما ثم سألتهما:

— وكيف تأكد لكما أن حصانًا بعينه سيفوز؟ أليست المراهنة احتمالًا يحتمل الربح والخسارة؟

أجاب أحدهما بأن شخصًا ما تعاطف معهما، وأخبرهما بما يعتقد أنه سرّ الحصان الأوفر حظًا في الجولات المقبلة. لم يكن في كلامه ما يثبت أن الفوز مضمون، لكن الرجلين تعلّقا بتلك المعلومة كما يتعلّق الغريق بخشبة تطفو على الماء.

ابتسمت في داخلي، وقلت لنفسي: ما أغرب وجوه العطاء! قد تكون الصدقة رغيف خبز، أو مبلغًا من المال، أو فرصة عمل، وقد تصبح، حين تضيق السبل، معلومةً يعلّق عليها المرء أمله في النجاة.

لقد تحولت المعلومة في نظر الرجلين إلى صدقة؛ لا لأنها تضمن لهما الربح، بل لأنها أعادت إليهما، ولو مؤقتًا، الشعور بأن ثمة بابًا لم يُغلق بعد.

غير أنني أدركت، وأنا أراقب حماستهما، أن الأمل شيء، وضمان الفوز شيء آخر؛ فالحاجة قد تجعل الاحتمال يبدو يقينًا، وقد تدفع الإنسان إلى أن يراهن على المصادفة حين يعجز عن العثور على فرصة يستند إليها.

في تلك الأمسية، اجتمعت أمامي ثلاث صور من الطبقة العاملة البريطانية: عامل نظافة يجد في مهنته طريقًا إلى الاستقرار وتكوين الأسرة؛ وحفّار قبور يجاور الموت في عمله، لكنه يلتمس الحياة في صحبة الآخرين؛ ورجلان عاطلان عن العمل، يحاولان انتزاع فرصة من سباق خيول، بعدما خذلتهما سوق العمل.

لم تكن الحانة، بالنسبة إليّ، مجرد مكان عابر في مساء أحد، بل غدت مسرحًا صغيرًا للحياة، تتجاور فيه الطمأنينة والقلق، والعمل والبطالة، والرضا والمغامرة، وتنكشف فيه وجوه من الكرامة الإنسانية لا تقيسها الشهادات ولا المناصب.

غادرت المكان، وقد بقيت تلك الوجوه ترافقني في الطريق. كان لكل واحد منهم رهانه الخاص على المستقبل: أحدهم يراهن على عمله، والثاني يستمد سكينته من تأمله في الحياة والموت، والآخران يراهنان على حصان قد يفوز وقد يخسر.

أما أنا، فقد كان لي رهان واحد لا أملك أن أضعه على طاولة للمقامرة، ولا أن أستعين فيه بسرّ حصان أو بصدقة عابر سبيل.

كان رهاني أن أنجح في دراستي، وأن أعود بشهادة الدكتوراه التي جئت من أجلها، وأن أفتح بها بابًا أوسع للمعرفة والعمل وخدمة بلدي.

خرجت من الحانة وأنا أفكر في أن الإنسان، على اختلاف مهنته وموقعه وظروفه، لا يكفّ عن المراهنة على الغد. لكن الفارق كبير بين من يراهن على المصادفة، ومن يراهن على السعي والصبر والمعرفة.

وفي تلك الليلة البريطانية الباردة، أدركت أن رهان الحياة لا يكمن في أن نعرف الحصان الذي سيفوز، بل في أن نعرف الطريق الذي يستحق أن نمضي فيه، وأن نواصل السير حتى النهاية.

كان أولئك الرجال يبحثون عن نصيبهم من الحياة، وكنت أبحث عن نصيبي من المعرفة. وبين رهاناتهم ورهاني، تعلّمت أن لكل إنسان سباقه الخاص، وأن الفوز الحقيقي ليس أن تسبق الآخرين بالضرورة، بل أن تبلغ الغاية التي خرجت من أجلها.



#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المثقف بين سيكولوجيا الجماهير الرقمية وصمت العقلاء..!
- معمل أبي غريب… حين كانت أحلامنا تمرّ من هنا
- غسل الأموال وتشوهات التراكم الرأسمالي: من الجريمة الاقتصادية ...
- العبث بين أزمة المعنى وسلطة القطيع وانهيار المسؤولية.
- عبد الرحمن البزاز: رجل من بلادي صديق أبي… وذكرى من طفولتي
- حين تتحول الغَلَبة إلى ثقافة، والإحباط إلى نظام اجتماعي
- المَخرَج… حين يصبح الخلاص امتحانًا للإنسان. (قراءة في فلسفة ...
- من الوعي إلى الذكاء الاصطناعي: هيغل ونوري جعفر
- من سلطة الماضي إلى ثقافة الحياة: (العقل الماضوي والاستدعاء ا ...
- تشرين بغداد: زقزقة العصافير ومتلازمة المطر
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني ...
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء (تأمل إنساني ع ...
- إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني ...
- ذلك الكرسي
- عندما تهرم الذئاب
- حوت في دفتر الفيزياء: ذكريات من الخامس من حزيران 1967
- دموع أبي.. وذاكرة قصر النهاية في الذكرى الخامسة والخمسين
- لَوْعَةُ الوعي
- تشظّي الهابيتوس السياسي: ديناميات الانقسام داخل المكوّن الوا ...
- الحب: الهروب نحو الحرية


المزيد.....




- روبيو: -محادثات- جرت لعقد لقاء يضم ترامب وبوتين وشي لإنهاء ح ...
- مصممة إماراتية تنقل التراث والحرفية اليدوية إلى أسبوع الموضة ...
- كايلي جينر ترتدي واحدة من أغلى حمالات الصدر في تاريخ -فيكتور ...
- -صدق المواقف في الشدائد أبلغ رد-.. قرقاش يعلق على لقاء محمد ...
- عراقجي يرد على نتنياهو بشأن الحرب: -نحن أيضاً لدينا حسابات ل ...
- إيران: قاليباف يوجه تهديدا جديدا لدول المنطقة بشأن شركات الذ ...
- يوم الحسم الكندي.. ألبرتا تصوّت على مسار الانفصال
- روبيو: ترامب مستعد لأي خطوات لإنهاء الصراع في أوكرانيا
- يوركتاون ومعاهدة باريس.. حين غيّرت فرنسا مصير أمريكا
- 10 مبادئ رئيسية.. نتنياهو يعرض تصورا جديدا للأمن القومي


المزيد.....

- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال ... / رزكار عقراوي
- تساؤلات فلسفية حول عام 2024 / زهير الخويلدي
- قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي / محمد الأزرقي
- حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش. / عبدالرؤوف بطيخ
- رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ ... / رزكار عقراوي
- ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث ... / فاطمة الفلاحي
- كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي ... / مجدى عبد الهادى
- حوار مع ميشال سير / الحسن علاج
- حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع ... / حسقيل قوجمان
- المقدس متولي : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - مظهر محمد صالح - رهانات الحياة في حانة بريطانية.