السعدية حدو
قارئة مهتمة بنقد النقد و تحليل الخطاب
(Saadia Haddou)
الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 04:49
المحور:
الادب والفن
استقر في الوعي النقدي الأنجلو-أمريكي طوال الثلث الأوسط من القرن العشرين تصور كلاسيكي هادئ لمعنى التقليد الأدبي، كرسته دراسة تي اس اليوت الشهيرة حول التقليد والموهبة الفردية عام1919، حيث رأى اليوت أن الأعمال الأدبية الكبرى تنتظم في نظام مثالي متآلف، يرحب تلقائيا بكل عمل جديد ذي قيمة ويحتويه ضمن حركته المستمرة، فالشاعر المعاصر ينخرط في تراثه بوعي متواضع يذيب فرديته لصالح المجرى العام. غير أن كتاب هارولد بلوم المعنون بقلق التأثر والصادر عام 1973 جاء ردا راديكاليا على هذا النموذج التوافقي، اذ عد بلوم، المشبع بروح الرومانسية الانجليزية وتصوراتها عن فردية المبدع، هذا النظام الهادئ وهما نقديا يخفي تحته ضغائن الابداع ومخاوفه الدفينة، فالشاعر يكتب في عصر متأخر وهو يشعر أن الأسلاف سبقوه الى اجتناء المعاني البكر وحولوا اللغة الى مستودع لتجاربهم المكتملة تاركين لمن بعدهم فضلات القول وهوامش التعبير. ويحدد بلوم هذا المنطلق بتأكيده أن "تاريخ الشعر يتطابق مع التأثر الشعري تطابقا تاما، فالشعراء الكبار يصنعون هذا التاريخ من خلال اساءة قراءة بعضهم بعضا، حتى يفسحوا لأنفسهم فضاء خياليا مستقلا" (هارولد بلوم، قلق التأثر، 1973، ص 5)، لتغدو القصيدة بذلك محاولة قلقة لتسوير هذا الفضاء الذاتي، لا عبر التماهي مع القدامى، ولكن عبر مصارعتهم لانتزاع الشرعية الفنية.
وتتجلى قوة أطروحة بلوم في تركيبها لمعارف نفسية وفلسفية متباينة واخضاعها لخدمة التحليل الأدبي، اذ استعار في اطاره الفرويدي مفهوم عقدة أوديب ناقلا اياها من دائرة التنازع البيولوجي العائلي الى فضاء التنافس النصي، حيث يمثل الشاعر السالف أبا رمزيا يتمتع بفتوة خيالية كاملة تهدد اللاحق بالخصاء الابداعي والعجز عن الاتيان بجديد. والى جانب ذلك، يحضر البعد النيتشوي من خلال مفهوم ارادة القوة، جاعلا من القراءة فعل هيمنة واستيلاء وليست جهدا تأمليا محايدا، فالشاعر القوي يسعى الى فرض تأويله الخاص على نصوص أسلافه ليضمن سيادته عليها. كما يتكامل ذلك مع الأثر الغنوصي والتصوف القبالي المستلهم من مدرسة اسحاق لوريا في صفد، وتحديدا استعارات انكماش الاله (Tzimtzum) وانكسار الأواني (Shevirat ha-Kelim)، حيث يمر النص الشعري بصيرورة تشبه الانكماش التنازلي والانفجار الرمزي كي يولد العالم النصي الجديد من شظايا النموذج القديم. ويصف بلوم طبيعة هذه العلاقة الصراعية بين الكبار بكون "التأثر الشعري، عندما يقع بين شاعرين عظيمين، يأخذ شكل اساءة قراءة متعمدة، انه نزال تصحيحي يحاول فيه الشاعر اللاحق انقاذ صوته الخاص من وطأة السلف المتسلط" (هارولد بلوم، قلق التأثر، 1973، ص 30).
ولبيان كيفية تصريف هذا الصراع داخل البنية النصية، بلور بلوم ستة مناح تحويرية متدرجة (Revisionary Ratios)، ربطها بحيل الدفاع النفسي التي حددتها انا فرويد، محولا البلاغة الأدبية الى استجابات نفسية لصد هجمات الماضي. تبدأ هذه المسيرة بحركة الانحراف (Clinamen) التي يفتتح بها الشاعر قراءته لعمل سلفه بحركة تصحيحية تنطلق من قبوله ظاهريا ثم حرف مساره فجأة، وهو ما يقابل حيلة التكوين العكسي النفسية باخفاء الاعجاب بالنموذج واظهار التباين المفاجئ معه. ويعقب ذلك منحى التكملة (Tessera)، وفيه يدعي الشاعر المتأخر أن السلف عجز عن اتمام رؤيته لقصور في زمانه أو أدواته فيتدخل هو ليضع الخاتمة، محققا بذلك الية الارتداد نحو الذات والانقلاب الى الضد حيث يتحول التابع الى متمم متفضل. ثم يتلوهما طور الافراغ (Kenosis) المقابل لالية الابطال والعزل، وفيه يتنازل الشاعر اللاحق عن ادعاءات العظمة متظاهرا بالتواضع، غير أن هذا التواضع يعزل نص السلف ويسحب منه شحنته الحماسية القديمة. أما المنحى الرابع فيتمثل في التسامي البديل (Daemonization)، وفيه يلجأ الشاعر الى قوى الهام غامضة تدعي الأصالة المطلقة وتجعل انجاز السلف مجرد تعبير عابر لا يمس جوهر الشعر، متطابقا مع الية الكبت التي تحجب أثر الأب وتحيله الى قوى أقدم زمنا. وينتقل الشاعر بعد ذلك الى طور التقشف (Askesis) الذي يحاكي التماهي بالمعتدي، اذ يضيق من رقعة موضوعاته ويمارس تقشفا لغويا لحماية نفسه من البلاغة الفسيحة للسلف، ليتوج هذا المسار أخيرا بطور عودة الموتى (Apophrades) المقترن بالاستيعاب التام والاسقاط، وفيه يبلغ الشاعر قمة نضجه الأسلوبي فيفتح أبواب نصه أمام معجم السلف كاملا ولكن بقوة صياغة تجعل القارئ يتوهم أن الشاعر القديم انما كان يمهد لظهور هذا الشاعر الجديد. ويشرح بلوم هذه الغلبة الأسلوبية مبينا أنه "في طور عودة الموتى، يحقق الشاعر اللاحق انتصاره الكامل، بحيث يلوح للقارئ كأنه هو من ألف عمل سلفه، وكأن الشاعر المتقدم زمنيا كان يحاكيه استباقا" (هارولد بلوم، قلق التأثر، 1973، ص 16).
ينتهي هذا المسار الى هرمنيوطيقا جذرية ترفض وجود معنى ثابت وأصيل في بطن النص، معتبرة كل قراءة عميقة شكلا من أشكال التحريف الخلاق (Misprision) وسوء القراءة، فالأمانة التفسيرية المدرسية لا تورث سوى الشلل الابداعي، في حين يفتح التحريف فجوة تصبح مبررا لكتابة نص جديد. ويرسخ بلوم هذا الرأي في كتابه خريطة لسوء القراءة بتأكيده أن "تنعدم في النقد الشعري القراءات الصحيحة تماما، ويبقى المعيار محصورا بين قراءات خاطئة وأخرى أشد امعانا في الخطأ، فالنقد بدوره قراءة محرفة لنص سابق" (هارولد بلوم، خريطة لسوء القراءة، 1975، ص 3). ومن هذا المنطلق تغدو الذائقة الكبرى والمدونة الغربية قائمة برمتها على نصوص لم تكن الا تحريفات موفقة لأمهات الكتب السابقة، فشكسبير حرف مسرح مارلو وتأملات مونتيني ليخلق مسرحه الخاص، والرومانسيون أساؤوا قراءة ميلتون ليعيدوا تعريف مفاهيم الحرية والخطيئة.
وتكشف قراءة التجربة الشعرية العربية عن حضور مكثف لهذا التوتر الوجودي تجاه النموذج السالف، سواء في التراث القديم أو في حركة الشعر الحديث، فقد عاش الشعراء العباسيون وطأة النموذج الجاهلي وتكريس النقاد له كمعيار مطلق لا يقبل التجاوز، ففي حين نافح ابن قتيبة عن حق المحدث في الابداع مع التذكير بقيمة السبق، أدار أبو تمام معركته عبر ابتكار لغة اصطناعية تعتمد التوليد الذهني الكثيف للتفلت من سلطة عمود الشعر الأعرابي. كما تحضر هذه النزعة الصدامية لدى المتنبي الذي قاده وعيه بأدواته الى استيعاب شعراء زمانه وأسلافه في لغة متعالية تجعل صوته الشخصي محور العالم. وقد تنبه عبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة الى قدرة المحدث على انتزاع المعنى واعادة تصنيعه حتى يمحو أثر صاحبه الأول، مشيرا الى أنه "فاذا رأيت الشاعر قد أخذ معنى فأفرغه في قالب أحسن من قالبه الأول، وزاد في حسنه ورونقه، علمت أن فضله في ذلك كفضله في المعنى المبتدع الذي لا عهد للناس به" (عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، تحقيق محمود محمد شاكر، ص 215). ومع ذلك، ينبغي التمييز الدقيق بين هذا التصور التراثي ونظرية بلوم، فمبحث السرقات الشعرية وحسن الأخذ في النقد العربي القديم ظل محكوما بوازع بلاغي ومعياري يحتكم الى جودة الصنعة وبراعة التحسين والسبك، في حين ينقل بلوم هذه المنافسة من حقل البلاغة الصرف الى دراما نفسية ومأساة وجودية غائرة في اللاوعي مدارها قتل الأب الرمزي وتفادي محو الذات الشاعرة تحت وطأة الأسبقية.
تكررت هذه الدراما النفسية بصورة أشد تعقيدا مع رواد شعر التفعيلة وقصيدة النثر، حيث وجد الشاعر الحديث نفسه، كما تجلى لدى بدر شاكر السياب وأدونيس ومحمود درويش، محاصرا بين تراث تراكمي ممتد عبر قرون وتراث غربي وافد تمثله نماذج اليوت وريلكه ولوركا. وقد سعى أدونيس الى ممارسة التسامي البديل باستدعاء التيارات الهامشية والمتصوفة والقرامطة لازاحة النموذج السلفي المكرس واحلال تراث ثوري مكانه يتيح له التجديد، في حين انخرط محمود درويش في طور متقدم من مسيرته فيما يشبه مرحلة عودة الموتى مع المتنبي وأبي تمام، مستعيدا ايقاعاتهما وصورهما وصاهرا اياها في تجربته، حتى بدت نصوص القدماء وكأنها صدى مبكر لحصاره وتغريبته المعاصرة.
على الرغم من هذه الكثافة التفسيرية، واجهت نظرية بلوم مساءلات نقدية كشفت حدودها المعرفية، فقد فككت ساندرا جيلبرت وسوزان غوبار في كتابهما المجنونة في العلية (1979) البنية الذكورية الصرفة للنموذج، موضحين أن صراع الآباء والأبناء يعكس تجربة الشاعر الرجل، بينما تعاني الكاتبة مما سمي بقلق التأليف (Anxiety of Authorship) الناجم عن غياب الأمهات الأدبيات والخوف من اقتحام فضاء احتكره الرجال، وليس من صراع قتل الأب. كما عابت المناهج الماركسية وما بعد الاستعمارية على بلوم حبسه للصراع في فضاء نفسي معزول وتجريده من سياقات التاريخ وشروط الانتاج الاقتصادي وصراعات الهيمنة الاستعمارية التي تقرر مصائر النصوص وبقاءها. يضاف الى ذلك مأخذ المركزية الشعرية وقصور النموذج أمام السرد، اذ انحصرت النظرية في فضاء الشعر الغنائي الفردي، مما جعلها عاجزة عن تفسير الابداع الروائي القائم، بحسب طروحات ميخائيل باختين، على تعدد الأصوات (Polyphony) والتهجين الحواري، فالرواية تفسح المجال لتعايش لغات وخطابات متباينة دون حاجة لخوض صراع اقصائي أوحد مع أب نصي مفرد.
تظل نظرية قلق التأثر احدى أهم المقاربات النقدية التي أضاءت عتمات الابداع والألم النفسي المقترن به، رافضة النظر الى الأدب بوصفه نشاطا بريئا، وكاشفة عن حجم المقاومة التي يبذلها المبدع لينتزع حقه في الوجود أمام هيبة الذاكرة الأدبية المشتركة. لقد بينت هذه الأطروحة أن كل نص أصيل ينطوي في عمقه على اعتراف بسلف عظيم، بقدر ما يمثل تمردا شجاعا يروم تحويل القلق الى صوت مستقل يعلن ميلاد صاحبه وتجاوزه لشرط الأسبقية.
#السعدية_حدو (هاشتاغ)
Saadia_Haddou#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟