السعدية حدو
قارئة مهتمة بنقد النقد و تحليل الخطاب
(Saadia Haddou)
الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 22:13
المحور:
الادب والفن
تتراءى تجربة الذات الكاتبة في سيرة «طير السعد» لسمير عبد الجبار باعتبارها تجسيدا حيا للتداخل العضوي بين الفن والوجود اليومي والاضطراب السيكولوجي الدفين؛ إذ ينصهر هذا العمل الأدبي في بنية درامية متكاملة تعيد صياغة الماضي بنبض الخشبة وحيويتها، بعيدا عن قيود التوثيق التاريخي الجاف, كاشفة في الوقت عينه عن صراعات نفسية دفينة تحرك بطل السيرة. يجد القارئ المنهجي نفسه أمام "مسرح للذاكرة" يُدار بوعي احترافي لافت، يستحضر فيه الكاتب، وهو مخرج وممثل أمضى عقودا من عمره في فضاء العرض، أدواته السينوغرافية ومفاهيمه النفسية التفسيرية ليعيد تفكيك هويته وتتبع مسارات شقائه.
إن البطل "سعد" يتحرك على ركح الحياة حاملا هوية مزدوجة معقدة، كونه يعيش في الواقع بجسده ونفسه وانفعالاته الخاصة، بينما يتحرك رسميا وقانونيا تحت اسم شقيقه الراحل "سمير". ندرك ذلك بعمق حين يعبّر البطل عن هذه الازدواجية الوجودية والوجدانية (الصفحة 11). تضعه هذه الاستعارة القسرية في مواجهة سيكولوجية مبكرة مع ما يعرف في علم النفس بـ «متلازمة الناجي»؛ إذ يتملكه الشعور بكونه شبحا يعيش حياة بديلة جُبِلت بوفاة شقيقه، مما يجعل من أداء الأدوار والارتجال آلية دفاعية نفسية لا غنى عنها للتعايش مع هذا الاغتراب الوجودي وحماية ذاته الحقيقية من التلاشي والاندماج الكامل في الذات الرسمية المفروضة عليه.
ويتجرد البطل في هذه السيرة من صفات البطولة التقليدية كالشجاعة المطلقة والنزاهة والتماسك الصارم، ليتراءى مراهقا يرتجف، ويخاف، ويتحايل للعيش عبر ممارسات بسيطة؛ كسرقة أسلاك النحاس (الصفحة 43)، وحيل المطاعم (الصفحة 84)، وادعاء المرض أو العبثية (الصفحة 240). ويمكن تأطير هذا السلوك سيكولوجيا وفنيا تحت مفهوم «البطل المضاد» او البطل المخالف للعرف (Anti-Hero)؛ إذ يغدو الضعف الإنساني والخوف والتحايل وسيلة مشروعة ومفهومة للبقاء في مجتمع يطحنه القمع الأيديولوجي والفقر الشديد، مما يعفي الشخصية من الأحكام الأخلاقية البسيطة ويضعها في سياقها التراجيدي الواقعي الصادق.
تتأسس دراسة العتبات في هذه القراءة بصفة رئيسة على الأطروحات النظرية والمنهجية التي صاغها الناقد الفرنسي جيرار جينيت حول «عتبات النص»؛ لتصير بموجبها هذه العتبات (العنوان الرئيسي، العنوان الفرعي، ميثاق الجنس الأدبي، الأرشيف البصري) مفاتيح تأويلية وبنى رمزية تضيء عمق النص وتوجه أفق انتظار القارئ نحو آليات العرض ومسرحة الذاكرة، مخلّفةً وراءها وظيفتها الترويجية أو الاستهلاكية العابرة. ويمثل العنوان الرئيسي «طير السَّعَد» بؤرة دلالية مكثفة تنهض على مفارقة تراجيدية حادة وسائرة طوال السيرة. تزاوج هذه العتبة بين دلالتين: «الطير» بما يحمله من معاني التحليق والترحال والعبور اللانهائي للمنافي، وبين «السَّعَد» الذي يحيل على الفأل الحسن والسعادة المرجوة. وتتبدى المفارقة الساخرة عند مقارنة هذا الاسم بالواقع الفظ الذي يطحن البطل؛ فالعمل يزخر بالضرب المبرح والجوع والفقر ومآسي الحرب والاضطهاد الطبقي. غير أن العودة إلى متن السيرة تكشف أن هذا العنوان يحمل وظيفة نفسية وسلوكية عميقة؛ فهو تميمة سحرية استدعاها الأبوان لردع الموت عن الصبي، تيمنا بالرغبة في الحياة بطائر السعد ليعيش ويرزق بالعمر والفرص و الحظ (الصفحة 21). وبذلك, يصبح دلالة الطير نبوءة حتمية تدفع البطل مستقبلا إلى الهجرة الطويلة والتحليق بعيدا عن أرض الخوف والقهر نحو ركح الحرية بباريس.
يأتي العنوان الفرعي «حياة بين ضفتين» ليعزز هذه الثنائية الوجودية والجغرافية؛ فالإحالة السيميائية للضفتين في السيرة تتسع نحو ضفتين وجوديتين متقابلتين، عوضاً عن انحباس دلالتها في المعنى الجغرافي المباشر لضفتي نهر الفرات بالعراق وضفة نهر السين الباريسي. يتم تاويل ضفة الفرات بضفة الشرق الرازح تحت نير الدكتاتورية والحروب والقهر الطبقي والمدرسي، وضفة السين بضفة الغرب المنفتح على آفاق الفن والمسرح والحرية الفردية والولادة الجديدة (الصفحة 315). وهي أيضاً إشارة واضحة لضفتي الكينونة والهوية لدى البطل؛ ضفة الهوية المزيفة (شقيقه المتوفى سمير) وضفة الهوية الحقيقية (سعد الحي)، فضلاً عن ضفتي الخشبة الافتراضية والواقع المعاش اللتين تندمجان في أداء ارتجالي مستمر يمارسه البطل كآلية للدفاع عن بقائه النفسي والجسدي.
وفيما يتعلق بعتبة الجنس الأدبي المتمثلة في عبارة «سيرة ذاتية»، فإنها تؤسس لما أسماه فيليب لوجون بـ «الميثاق البيوغرافي»؛ وهو العقد الضمني والأخلاقي الذي يبرمه الكاتب مع القارئ متعهدا من خلاله بتقديم الصدق والحقيقة التاريخية للوقائع. وتكمن المفارقة المثيرة في هذه السيرة كون هذا الميثاق يتأسس منذ اللحظة الأولى على الالتباس الهوياتي القسري الذي أشرنا إليه سابقاً؛ إذ يكتب الكاتب مذكراته الشخصية الصادقة مستتراً وراء وثائق وهوية شقيقه الراحل (الصفحة 11).
ومن شأن الأرشيف البصري والصور الفوتوغرافية المرفقة في نهاية الكتاب (الصفحات 316-321) ترسيخ هذا الميثاق البيوغرافي المبرم مع القارئ؛ فهي شواهد وثائقية حاسمة تنأى بنفسها عن مجرد التزيين التكميلي. إن تقديم صورة الوالدة فخرية حسن بملامحها الوقورة الحزينة (الصفحة 316)، والأب عبد الجبار سعيد بالزي الريفي بعد سنة من زواجه في كربلاء (الصفحة 316)، والوالدة في غرفتها المتهالكة مع أخواته (الصفحة 317)، يوفر الإثبات البصري الملموس لحقائق شخوص السيرة التي صعدت ركح الذاكرة كـ "أناس-حكايات". كما تتبدى المفارقة التعبيرية عند مقارنة صورة سعد الفتى بملابس الخدمة العسكرية في قسم السينما (الصفحة 319) بصورته وهو يؤدي دور "فاروق" على خشبة مسرح الشمس الباريسي بملابسه المسرحية الأنيقة (الصفحة 323)؛ مجسّدةً بصريا رحلة الانتقال من جسد قيد الخدمة والعسكرة إلى جسد حر يستعيد فضاءه الإبداعي.
تنكشف عتبة كربلاء وسينوغرافيا القهر والطفولة الطقسية والتهجين اللغوي بموجب تلاقٍ واضح مع البنية السلوكية والجسدية التي صاغت كينونة البطل الفنية؛ فالانتقال من عتمة المشربية في كربلاء إلى شمس الحقول ورائحة الزيت في الرميثة يمثل قفزة نوعية في توازن الشخصية وفي صقل أدواته الإبداعية.
من المنظور النفسي السلوكي، يعاني الطفل "سعد" من وطأة الانسحاق الطبقي؛ فالشارع فضاء مخيف ومقلق، والمدرسة مسرح دائم للإهانة والضرب المبرح على أيدي المعلمين (الصفحة 24-25). وفي ظل هذه الهشاشة الوجودية والاجتماعية، تمنحه "المشربية" حلاً نفسياً ذكياً، يتيح له ممارسة نوع من "السيادة البصرية الصامتة" والتحكم غير المرئي في الفضاء الخارجي للتخلص من المراقبة أو العقاب (الصفحة 16).
وقد فارق هذا التلصص حدوده كونه ممارسة بصرية بريئة لفتى صغير، ليستحيل في حقيقته إلى آلية دفاعية بالغة الأهمية ومختبر أول لتنمية قدراته الإدراكية وتدريب عينه على التقاط تعبيرات الوجوه وحركات الأجساد العفوية. فمن خلف هذا الساتر الخشبي، تعلم سعد كيف يتصرف البشر بحرية وتلقائية كاملة حين يعتقدون أنهم بمفردهم، مما مكنه من بناء مستودع انفعالي وحركي غني وواقعي يرتكز عليه الممثل لاحقاً في بناء أدواره.
ينضاف إلى هذه الوسائط الدفاعية والجمالية تعلقه الحالم بمجلة ماري الفرنسية وصورة الممثلة الفرنسية آني جيراردو؛ ففي ظل القهر اليومي وسياط المعلمين، يجد الفتى في تصفحه المصادف للمجلة ومراقبة غلافها الملون (الصفحة 8، 44) منفذاً لإطلاق خياله الجامح وتشييد مسرحه الذاتي المتخيل. إن صورة آني جيراردو لم تكن مجرد إعجاب عابر، وإنما تحولت في عمقه السيكولوجي إلى بوصلة وجودية حددت فرنسا لتكون الوجهة النهائية الحتمية لهروبه وحريته؛ فيأخذ المجلة إلى سطح البيت الصغير ليتأمل صور عارضات الأزياء وبرج إيفل ونهر السين، متسائلاً في مونولوج داخلي حزين عما إذا كان هناك سياح فرنسيون يزورونه في كربلاء فيقع نظرهم عليه فيختطفونه معهم عنوة إلى باريس ليتزوج من آني جيراردو ويشبع معها حباً وغراماً (الصفحة 44). هذا الإسقاط الخيالي الباكر يمثل حيلة نفسية ذكية لامتصاص وطأة العوز والمهانة الاجتماعية، وصناعة أفقٍ مستقبليٍّ حالمٍ قاده بالفعل، بعد عقود من المعاناة والعسكرة، إلى معانقة حريته الحقيقية فوق خشبة مسرح الشمس بباريس.
يتضح المعطى الآخر للرحلة في تتبع معبر الرميثة واكتساب الخشونة الجسدية أو السوماتية الأدائية؛ فعند الانتقال إلى محطة الرميثة، يرتطم البطل بواقع مادي وجسدي مغاير تماما؛ إذ تنسلخ الرميثة من طابعها الفطري كفضاء ريفيّ عابر يزوره لتمضية الصيف، لتغدو ورشة تدريب جسدي شاقة تمنحه الخشونة العضلية والصلابة الحركية التي يحتاجها الممثل. فبعد انكماشه الطفولي الطويل خلف المشربية الكربلائية وتأمله السلبي الهادئ للعالم، يجد سعد نفسه مجبرا على الاحتكاك المباشر بالطبيعة الخشنة والآلات الميكانيكية؛ فيعمل في نفخ الإطارات ودهن جنازير الدراجات المتسخة بالزيت والشحم في محل ابن عمته صبحي (الصفحة 125)، ويتعلم إسراج الحمار الأبيض وعناده ومقاومته والتحكم في حركته (الصفحة 124-128)، ويحصد العشب بمنجل حاد في الحقل مستجيبا لتوجيهات عمته الفلاحة سكنة (الصفحة 130). تمنحه هذه التجربة الريفية الخشنة صلابة واضحة لجسده الهزيل الذي طالما نُعِت وعُيِّر بكونه مجرد "جلد وعظم" (الصفحة 95). إن الجسد المسرحي يحتاج إلى وعي بالثقل والمقاومة والجاذبية وتوزيع الطاقة العضلية، وهو ما تشربته وتدربت عليه عضلات البطل في حقول الرميثة ورائحة زيتها وروث حميرها؛ فتحولت عضلاته الضعيفة إلى جسد "عضوي" صلب قادر لاحقا على أداء الحركات الأكراباتية والارتجالات المرهقة والقفزات الشيطانية والاهتزازات السريعة التي أبهرت أريان موشكين وجان جاك لوميتر على ركح مسرح الشمس بباريس (الصفحة 313).
وتتجلى جماليات السيرة على الصعيد اللغوي من خلال تداخل تداولي واعٍ يمزج الفصحى بالدارجة العراقية والحسجة الكربلائية العفوية. ويتحول هذا التهجين اللغوي، بموجب أطروحة تعدد الأصوات واللغات (Heteroglossia) لميخائيل باختين، إلى أداة تعبيرية عميقة عن الهوية النفسية للبطل ومصدر لحركية النص المسرحية، عوضاً عن كونه مجرد تلوين محلي عابر؛ فتضج الحوارات والنعوت بمصطلحات حميمية بائسة مثل وصف الزقاق الضيق بـ «دربونة» وتلصصه على بائعات «الگيمر» (الصفحة 16)، وحمله الطعام لأبيه في «سفرطاس» (الصفحة 21)، وتسمية أصدقائه له بـ «شلوح» لفقر ملابسه الصيفية الداخلية (الصفحة 74)، ونعت المعلم له بـ «دجة دبنگ» عندما يعجز عن الحساب (الصفحة 25). هذه المفردات اليومية المشبعة بنبض الشارع ترفع من كفاءة الواقعية المسرحية في السرد، مما يجعل الحوارات عروضاً حية تنبض بالحسجة الشعبية وتدعم عملية "الفرجة" بصفة تلقائية.
تسهم الشخصيات المحيطة به في صياغة أقنعته التعبيرية ونموه النفسي؛ فتأتي الأم "فخرية" (الصفحة 15، 21) باعتبارها الممثلة التراجيدية الأولى التي تلقن الفتى قواعد الميلودراما وتأجيج المشاعر الحزينة عبر أدائها الجنائزي الفجائعي في مآتم العزاء (الصفحة 43). وبالمقابل, يمثل والده الفراش "عبد الجبار" بؤرة الصراع والاضطهاد الطبقي الذي يلاحق البطل كوصمة اجتماعية في بيئته المدرسية البائسة (الصفحة 24)، في مشهدٍ تتوحد فيه قسوة المعلم "حجي رضا" الذي يرطم رأسه بالسبورة (الصفحة 25)، مع وقار المعلم الأعمى "حكمت" الذي يقدم مشهداً سريالياً يزاوج فيه بين جلال سورة القارعة وبين دندنة أغاني أم كلثوم وتطاير الطائرات الورقية خلف ظهره (الصفحة 26). وعندما يتعرض سعد لأقسى مواضع المهانة بعرضه أمام الطلاب كنموذج للفقر المرتجف في الشتاء (الصفحة 76)، تلجأ بنيته النفسية إلى آلية «قلب الأدوار» لامتصاص الصدمة وحماية الأنا؛ فيتحول شعوره بالذل والخجل الاجتماعي الماحق إلى رغبة عارمة في الاستعراض والفرجة (الصفحة 77). إنه يحمي كيانه من التلاشي بتحويل الهوان إلى تميز وعرض مسرحي يفرضه على المحيطين به لإعادة بناء تقديره لذاته.
أما البعد اللاحق للرحلة فيقود نحو معبر بغداد ومسرحة الأبوة وتلبس الأقنعة ودراما الشكوى للأئمة؛ إذ يمثل الانتقال إلى بغداد لدراسة الفن في معهد الفنون الجميلة انتقالاً نوعياً في فضاء السينوغرافيا الشخصية للبطل؛ حيث تتسع الآفاق الجغرافية والثقافية ويزداد منسوب الحرية الفردية والانعتاق من أثقال الطفولة الكربلائية (الصفحة 135). ويعكس هذا الانتقال تحولاً سوسيولوجياً عميقاً من الفضاء الديني التقليدي المحافظ بكربلاء، إلى فضاء العاصمة الكوزموبوليتاني المنفتح على أفكار التحديث والتعددية الأيديولوجية؛ مما يمنح الفتى شجاعة لمواجهة واقعه عبر صقل أدواته الأدائية والتعرف على خبايا الخشبة. غير أن ركح بغداد سرعان ما يبدي قسوة مضمرة تتجلى في الصراع الطبقي السافر؛ فالإقصاء الاجتماعي يلاحقه حتى داخل صرح الفن حين يحرمه مدير المعهد من تمثيل دور الملك بحجة أصل اجتماعي بسيط كونه ابن فراش (الصفحة 162).
تغدو هذه الصدمات المتراكمة وقهر الطفولة مادة خصبة لما يعرف في السيكولوجيا بـ «التسامي» عند فرويد؛ فبواسطته يعيد توجيه غضبه المكبوت وعقده الطبقية والوجودية نحو طاقة إبداعية مسرحية تحرره وتصنع توازنه النفسي وتمنحه فرصة التعبير الحر.
ويتزامن هذا التحول مع صراع داخلي عميق يتجلى في علاقته بوالده "عبد الجبار"؛ وهي علاقة مأزومة تتسم بازدواجية مشاعر حادة بين الخوف والنفور من الأب الذي يضربه ويهينه أحياناً أمام زملائه ومدرسيه إرضاءً لرموز السلطة المدرسية (الصفحة 163)، وبين الحب الشديد والشفقة العميقة تجاهه، خصوصاً وهو يراه يبيع ممتلكاته الشخصية المتواضعة في ساحة الميدان لتأمين تذكرة سفره إلى معهد الفنون (الصفحة 199). ويستحيل سلوك الأب أمام ناظري سعد إلى مسرحية حقيقية للبقاء والتحايل اليومي على شظف العيش وقسوة الواقع، خارجاً بذلك عن تصنيفه كمجرد نفاق اجتماعي عابر؛ فالأب هو الممثل التلقائي الأول الذي يراقب سعد أدائه للأدوار ببراعة مدهشة. نراه يقف أمام تمثال رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم والمسؤولين ليلقي التماسه التاريخي للحصول على بيت طيني (الصفحة 32)، ونراه يمارس دراما "الشكوى والمفاوضة" مع الأئمة في مراقدهم المقدسة بصفة غريبة وكأنهم شخصيات مسرحية حية تتحرك معه؛ فيقف أمام ضريح الإمام الحسين يهمس باكياً ليسأله النجاح لسعد في مادة الحساب ثم يشتكي إليه الإمام العباس كونه خذله ولم يسعفه في مسألة أخرى (الصفحة 65)، وحين يرسب الفتى يعود الأب ليصطحبه إلى مرقد الإمام علي في الكوفة ليقدم شكوى رسمية حاسمة ضد الحسين والعباس لعدم استجابتهما له (الصفحة 65، 67).
هذه القدرة العجيبة للأب على تبديل الأقنعة الاجتماعية والسياسية تظهر بوضوح في زياراته لأزواج بناته؛ فحين يزور هاشم البعثي يفيض حماساً في تمجيد السلطة الحاكمة ودعم حتمية البعث (الصفحة 191)، وحين يغيب هاشم ويحضر صهره الآخر ضياء الشيوعي يتحدث بحماسة فائقة عن لينين والراية الحمراء والمنجل والمطرقة باعتبارهم نصير الفقراء الوحيد (الصفحة 192)، مع كونه دائم السب والشتم للغائبين من أصهاره لإرضاء الحاضرين منهم.
إن هذه المسرحة الحياتية للأب علمت سعداً أن التمثيل هو الدرع الأهم للبقاء ومراوغة السلطة البوليسية لحزب البعث الحاكم في بغداد؛ فنراه يرتدي قناع "العبثي" المستهتر بالزمن والأنظمة الحزبية كدرع يحميه من الملاحقة والاعتقال وتكريس صراعه الوجودي مع السلطة (الصفحة 240).
************************************************************************************************************
تعتمد هذه القراءة في جميع إحالاتها على طبعة الكتاب الصادرة عن دار: لندن للطباعة والنشر، لندن، 2025.
يتبع
#السعدية_حدو (هاشتاغ)
Saadia_Haddou#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟