أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السعدية حدو - الرواية تتامل ذاتها: مقاربة نقدية لصيغ واشكال الحكي النرجسي















المزيد.....

الرواية تتامل ذاتها: مقاربة نقدية لصيغ واشكال الحكي النرجسي


السعدية حدو
قارئة مهتمة بنقد النقد و تحليل الخطاب

(Saadia Haddou)


الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 17:31
المحور: الادب والفن
    


تقدم ليندا هتشيون الرؤية المركزية لمفهوم الحكي النرجسي في مستهل مقالتها المنشورة ضمن كتاب السرديات من البنيوية الى ما بعد البنيوية (ص 217 - 227). ويبتعد هذا المصطلح عن الدلالات السلبية للغرور النفسي، حيث يشير في جوهره الى قدرة الفن الروائي على وعي ذاته وتأمل شروط صياغته اللغوية والفنية. وتقف الرواية وفق هذا المسار امام المرآة كي تختبر ادواتها السردية بمعزل عن وهم التطابق الحرفي مع الواقع المعيش، ليصبح النص معلنا هويته المصنوعة. وتتدرج الباحثة من الرواية الواقعية، مرورا بالرواية الجديدة، وصولا الى الحكي النرجسي بوصفه النوع الذي يطرح عملية صنعه لتصبح "جزءا من المتعة المشتركة للقراءة" (ص 217)، وينزاح بذلك مركز الثقل من المروي الى الية التلفظ، ويتحول المتلقي الى شريك فاعل.

لا تبني هتشيون معجمها من فراغ، اذ تستقي شبكة مكثفة من مصطلحات النقد المعاصر، وتورد في هذا السياق: "تقريبا مصطلحات مثل التخريف fabulation عند روبرت شولز، و الميتارواية metafiction عند وليام.هـ. جاس، و ما فوق الرواية surfiction عند ريمون فيدرمان، و الرواية الضد anti-novel عند رونالد بيين" (ص 217). وتدور هذه المصطلحات حول فكرة وعي النص بذاته، في حين تتبنى الكاتبة مصطلحا اخر بالغ الدلالة هو "الانكفاء" ، وتستعيره لوصف حركة ارتدادية للنص نحو داخله اللغوي عوضا عن الانفتاح الموهوم على المرجع الخارجي. ويمثل هذا الانكفاء سمة التحديث القصوى حين تدرك الرواية عجزها عن تمثيل الواقع الخارجي فتكتفي ببناء واقعها اللغوي الخاص.

ومن اعمق ما قدمته هتشيون استعانتها بالهندسة الفضائية للناقد جان ريكاردو لتقديم تصنيف هيكلي للوعي الذاتي. وتورد في هذا الصدد: "يقدم جان ريكاردو لنا على نحو ملائم رسما بيانيا تمثيليا ذاتيا [...] تتقاطع عليه بانتظام الصيغ الميتاروائية... التمثيل الذاتي (auto-representation): التمثيل الذاتي-[...] يشتغل بين المتخيل fiction (ما يقال) و السرد narration (كيف يقال)" (ص 218). وتفضح الرواية النرجسية مستوى الصنعة السردية وتجعله مرئيا، فبينما تقرأ قصة تقليدية متجاهلا الراوي الكلي المعرفة، يتدخل راوي الرواية النرجسية ليقول صراحة انه يختلق هذا الحدث. وتضيف هتشيون البعد الثالث المتمثل في التمثيل الذاتي حيث يعرض النص نفسه وهو يروى، كمسرحية تعلن داخل العرض انها مجرد عمل مسرحي.

وتتفرع تجليات النص الى تمييز دقيق بين مستويين من الممارسة النرجسية. ويتجسد المستوى الاول في النرجسية الظاهرة حيث يصرح النص بهويته المصنوعة، وتظهر هذه الحالة في النصوص التي يكون فيها "الوعي الذاتي والانعكاس الذاتي بارزين على نحو واضح" (ص 220). وتبرز هذه السمة عند كتاب من امثال جون فولز وجون بارت حين يعترضان سير الاحداث ويطرحان نهايات بديلة. ويقوم المستوى الثاني على النرجسية الخفية ، ويعتمد لعبة التواري والمكر الفني خلف حبكة تبدو تقليدية للوهلة الاولى. ويختبئ الروائي هنا خلف راو يبدو عاديا ليتضح لاحقا انه غير موثوق، مما يوسع دائرة الحكي النرجسي ليشمل روايات تدفعنا للتشكيك في سلطة ومصدر الحكي.

وتحدث هتشيون انزياحا دلاليا جذريا لمصطلح المحاكاة الساخرة . وقد جانبت العرف النقدي الشائع الذي يربط هذه الممارسة بالتهكم المحض، لتعيد صياغتها كأداة بناء وتوليد، وتقول في هذا السياق: "المحاكاة الساخرة اذن، هي استكشاف للاختلاف والتشابه، انها تستدعي في الميتارواية، قراءة ادبية ابعد، وتعرفنا على الشفرات الادبية" (ص 221). وتمثل المحاكاة الساخرة وفق هذا الفهم حوارا وتناصا مع سياق زمني مختلف. ولما كان النص المحاكي لنص سابق يمارس عملية بناء مزدوجة، فانه يولد ما تسميه هتشيون بالتشكيل الموضوعي thematization، حيث تنتزع شفافية اللغة لتصبح هي ذاتها موضوعا ماديا قابلا للتأمل.

ويعيد هذا التشكيل موقع القارئ بصورة تخرجه من منطقة الاستهلاك السهل. ولا تكتمل الميتارواية دون القارئ الضمني النشط، حيث تضرب هتشيون لذلك مثالا عبقريا وتوضح قائلة: "القارئ والكاتب ينخرطان في افعال متوازية، اذا ما عكس اتجاههما، لان كليهما يصنع عوالم تخييلية داخل ومن خلال الاشتغال الوظيفي للغة... [ومن هنا تأتي] القصة البوليسية (الحبكة المكتوبة وحبكة القتل). هذا الشكل الادبي... هو نفسه شكل ذاتي الوعي تماما" (ص 225). ويغدو النص احجية تتطلب من القارئ ان يكون محققا يجمع الشفرات ليعيد بناء المعنى، مما يعلن انتهاء سلطة المؤلف الاوحد. ويمتد الامر نحو ابعاد اعمق حين تستحضر الباحثة رولان بارت مؤكدة: "ان العلاقة الايروتيكية القائمة اساسا بين النص والقارئ، او الكاتب والقارئ، هي احد الموضوعات التي اتخذت شكل الثيمة صراحة" (ص 226). وتصبح القراءة فعلا حيويا يراوغ فيه النص المتلقي بخلق متعة نابعة من اللعب اللغوي والمراوغة.

وتطرح هتشيون تساؤلا مفصليا يفرق بين ميتارواية الماضي والحاضر، وتقول: "ما الفرق اذا بين هذا النمط من التمثيل الذاتي، وما سميناه هنا بالميتارواية الحديثة؟ المسألة مسألة تاريخ" (ص 222). ووظفت الميتارواية القديمة، كما عند سرفانتس في دون كيشوت، المحاكاة لخدمة الواقعية، في حين تعلن ميتارواية ما بعد الحداثة ان الواقع نفسه بناء لغوي. وعقب كوارث القرن العشرين وسطوة الصورة، سقطت الثقة بالمرجع النهائي، وباتت الرواية الحديثة تتأمل في اليات اختلاق الواقع عوضا عن التظاهر بتمثيله.

وتختتم هتشيون اطروحتها بالتركيز على الطاقة المزدوجة للغة. وتشير الى ضرورة "انتباه القارئ للغة نفسها، للطاقة الكامنة لازدواجها الدلالي. ان بامكان اللغة ان تنقل المعنى او ان تخفيه" (ص 227). وتتقاطع هذه الرؤية مع مفاهيم ادب الاستهلاك وادب الاحياء لجون بارت، ويكون الاحياء الروائي ممكنا فقط عبر تبني "هذا الانعكاس المراوي المقلوب للسيرورة الخلاقة... [الذي] يزيح مركز الاهتمام الواقعي التقليدي للرواية، بعيدا عن القصة المروية، نحو القصة الراوية" (ص 227).

وتفضي بنا هذه المعطيات الى تأكيد الاهمية البالغة للطرح النقدي الرصين. وقدم هذا الفصل خريطة للانتقال المعرفي نحو رحابة ما بعد البنيوية التي تحتفي باللعب والتناص ومشاركة القارئ. ويسهم الانعكاس الذاتي الواعي في وقاية الفن القصصي من الجمود ويفتح امامه مساحات شاسعة للتحرر والتجدد المستمر. وتأسيسا على ما سبق، يتبين بكل جلاء ان مقالة هتشيون امدت النقد الادبي المعاصر باطار مرجعي متماسك يفسر طرائق اشتغال النصوص الواعية بذاتها، جاعلا من فعل القراءة شراكة حقيقية ومثمرة في انتاج الدلالة.

********
هتشيون، ليندا. صيغ واشكال الحكي النرجسي: مدخل لتصنيف. السرديات: من البنيوية الى ما بعد البنيوية. تحرير سوزانا اونيجا وجوزيه انجيل جارسيا لاندا. ترجمة السيد امام. البصرة: دار شهريار، الطبعة الاولى، 2020. ص 217 - 227.



#السعدية_حدو (هاشتاغ)       Saadia_Haddou#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عباءة الام ووطن الخوف: المكان والوجدان في قصيدة -امي- لعدنان ...
- صناعة الوهم: النخبوية الزائفة وتسليع المأساة في الأدب المعاص ...
- -سحب للأعلى / Scroll-
- شعرية التعدد: قراءة في المفهوم البوليفوني عند باختين (دراسة ...
- حين استيقظت متأخرا 20 عاما: قصة قصيرة
- شعرية الخراب وأنطولوجيا الهشاشة: قراءة في قصيدة -سماء معلقة ...
- في حضرةِ البيان
- التغريب القسري: حينما يتحول السرد العربي إلى مختبر تقني وتسب ...
- بين المساءلة النقدية والمجاملة الترويجية: حول أزمة القراءة ف ...
- دراسة سيميائية لفصل -باقلاء الفرات- من كتاب -ذاكرة الأشياء- ...
- النور يرقص في سريري: التجلي العرفاني والذاكرة البابلية في شع ...
- قراءة في قصيدة -يا حاجّ- لناصر مؤنس: رحلة كشف صوفية من الحرف ...
- إطار المتنزه: آلية التضمين والوصاية السردية في -انتظار السمر ...
- عندما تخون العتبات المضمون: الإيحاء التناصي بين البراعة الفن ...
- دور النقد في تفكيك الصور الذهنية للكتّاب: من التقديس إلى الو ...
- بين التجريب والسطحية: تعدد الأصوات والتكلف اللغوي في الأدب ا ...
- لاكان : تفكيك الخطاب النظري
- - التفكيك كاستراتيجية نقدية: دريدا/ فوكو/ بارت
- لاعب النرد: قصيدة نقدية
- -فن الرواية- بوصفها مقاومة وجودية: قراءة في رؤية ميلان كوندي ...


المزيد.....




- الفنانة الفلسطينية إليانا تطلق أغنية -Illuminate- الرسمية لك ...
- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السعدية حدو - الرواية تتامل ذاتها: مقاربة نقدية لصيغ واشكال الحكي النرجسي