أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السعدية حدو - في كيمياء الكتابة: من سعة الخيال إلى إزميل التخييل














المزيد.....

في كيمياء الكتابة: من سعة الخيال إلى إزميل التخييل


السعدية حدو
قارئة مهتمة بنقد النقد و تحليل الخطاب

(Saadia Haddou)


الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 04:48
المحور: الادب والفن
    


سألني قارئ كريم، ونحن نتبادل أطراف الحديث عن المجازفة و المكابدة في نحت مخطوط روايتي «الأرشيف»، و التي لم أنشرها بعد، عن المسافة الفاصلة بين الخيال والتخييل. توقف بذكاء عند هذه التفصيلة و توقفتُ بدوري عن الرد ليظل سؤاله يتردد في أروقة ذهني أياما و أسابيع. فجمال أو ربما سؤاله المباغت و دقة الاستفسار طغى على أي محاولة للاسترسال في المحادثة، ناهيك عن أنه لامس ذلك الوجع السري الذي يجعل الكتابة تتجاوز حدود الحكاية العابرة لتبلغ آفاق الفن الرفيع و الحقيقي في ملامسة وجدان القارئ و الاشتباك مع واقعه. ها أنا ذي، بصفتي قارئة قبل أن أتجرأ على فعل الكتابة الذي أعتبره مجازفة محفوفة بالمخاطرأكثر من كونه مكابدة ، أكتب له، ومعه، محاولة سبر أغوار هذا الاشتباك المفاهيمي في مقالة تمزج بين بوح التجربة وبرودة التحليل.

إن أول ما نبدأ به في هذا المسار هو استحضار الخيال باعتباره الفسحة المشتركة التي تتحرر من قيود الملكية الفردية لتغدو هبة ذهنية فطرية وهبها الخالق للبشر أجمعين. هو ذلك المستودع الكلي للصور والذكريات، والقدرة الفذة على استحضار الغائب وتشكيل ما لم يقع في أسر اللحظة الراهنة. تجده عند الطفل الذي يرى في العصا الخشبية جوادا أصيلا، وعند الشيخ الذي يرمم شروخ مدينته القديمة بذاكرة حية، وعندك أنت أيها القارئ حين تمنح للأوصاف الورقية وجوها وملامح تخصك وحدك. الخيال، في جوهره السيكولوجي، يتخطى كونه مجرد وظيفة عقلية مضافة للإدراك، ليصبح هو الوعي في أسمى حالات حريته، كما ذهب جان بول سارتر؛ إنه الوعي حين ينفصل عن ثقل العالم المادي ليخلق عوالمه الصامتة. لنقل انه المادة الخام التي تتساوى فيها العقول، وإنما يكمن الفرق الجوهري في القدرة على نقل هذه الصور من حيز العماء الذهني إلى ضوء النص.

بيد أنني حين أغادر سكون تلك القوة الذهنية لأدلف إلى رحاب التخييل، فإنني ألج منطقة الفعل الإجرائي وصخب المحترف الإبداعي. هنا يمثل التخييل استراتيجية واعية تتجاوز عفوية الحلم نحو صرامة الإنجاز. إذ يباعد التخييل بينه وبين الخيال كما يباعد التمثال المصقول بينه وبين كتلة الرخام الصماء القابعة في المحجر. ليتجسد التخييل في صنعة الوعي التي تروض شتات الأخيلة وتصهرها في بنية سردية ذات منطق داخلي صارم. في «الأرشيف» مثلا، كان خيالي يضج بصور مبعثرة للأمكنة والوجوه لكن فعل التخييل هو الذي منحني الجرأة على ممارسة قسوة فنية ضرورية. فاجتثثت فصولا كانت عزيزة على نفسي، وأسكتُّ أصواتا كانت تملأ رأسي صخبا لمجرد أنها لا تخدم نظام النص و منطقه الداخلي. ربما كنت ديكتاتورية و قمعية و ناقضت فعل الكتابة نفسه الذي أترافع من أجله في عملي و لكن التخييل يتجرد هنا من الرأفة الذاتية ليرتدي ثوب المكابدة مع اللغة والزمن والحبكة، محولا الصورة الذهنية الفردية إلى حقيقة فنية قادرة على العبور إلى الاخرين.

وهذا ما يقودنا إلى مكمن الفرق الذي وضعه الناقد الألماني وولفغانغ إيسر. إذ يرى في التخييل فعلا يتوسط الواقعي والمتخيل متجاوزا محاكاة الواقع نحو إعادة بنائه ضمن نظام جمالي مستقل. التخييل بهذا المعنى لا يختلق الأكاذيب بقدر ما يشيد واقعا موازيا يمتلك كفايته الذاتية، وهو ما يتقاطع مع طرح بول ريكور حول قدرة التخييل على إعادة وصف الزمن الإنساني عبر الحبكة. إن صراعي مع المخطوط، أيها القارئ الكريم، كان صراعا مع الكلمة التي ترفض الانصياع للصورة ومع الإيقاع الذي يجب أن يظل مشدودا. فالكتابة الإبداعية، مع الأخذ بعين الاعتبار تجربتي المتواضعة في هذا المضمار، تعتمد أساسا على القدرة على ترويض هذا الخيال ونظمه في تجسيده في اللغة الواصفة.
وفي هذا السياق، نلتقط صدى عميقا لهذا التمييز في نقدنا العربي المعاصر وتحديدا عند جابر عصفور الذي نظر إلى التخييل في كونه الجانب الديناميكي الذي ينقل الصورة من حيز الوجود الذهني الصرف إلى حيز الوجود اللغوي التأثيري. كما نجد عند سعيد يقطين فصلا حاسما بين المتخيل من حيث هو مادة حكائية وثقافية عامة وبين التخييل باعتباره الطريقة الفنية لتمثيل هذه المادة. هذا يعني أن القصة التي أرويها قد توجد في خيال الكثيرين بينما ينفرد فعل التخييل بكونه الميزة الخاصة التي تجعل من تلك القصة المشاعة تجربة فريدة لا تتكرر.

وفي خضم هذا المعترك السردي تبرز مكانتك أنت باعتبارك قارئا شريكا في هذا المخاض. فأنت أيضا تمارس تخييلا ثانيا يكمل ما بدأه الكاتب. التخييل الناجح هو الذي يمتلك الفطنة لترك فراغات و فجوات جمالية ليتسع لها خيالك. فأنا في مختبري الابداعي، المتواضع جدا، لا أطمح لرسم كل زاوية في الغرفة و أغرقك بتفاصيل تحجب عنك آفاق قرائية ممكنة، بقدر ما أسعى لفتح نافذة تطل على شارع موح وتاركة لك حرية اختيار الضوء الذي يتسلل منها. و فقط عند هذه الامكانية القرائية تتحول الرواية من ملكية خاصة للكاتب إلى تجربة إنسانية محضة.

ان الاجابة على سؤالك الذي بدأنا به تتلخص في أن صراعي مع المخطوط تخطى حدود الخيال الفسيح والسهل، ليستقر في زقاق التخييل الضيق والوعر. صحيح ان الخيال يمدني بالخام، غير ان التخييل هو ما يمنحه الشرعية الفنية. فالأول مَلَكة فطرية، والثاني إنجاز مكتسب بالدربة والمعاناة الطويلة مع الحذف والإضافة.

الخيال يمثل القدرة، والتخييل يمثل الإنجاز وبينما يظل الخيال حبيس الذات، يخرج التخييل للنور ليصافح وعيك. وأنت بوقوفك عند هذه التفاصيل تبرهن على أنك تضطلع بدور النحات الثاني الذي يكمل ملامح هذا العمل. فبدون قراءتك التي تقتفي أثر الكلمات، حتما ستظل «الأرشيف» ، بعد نشرها طبعا ان كان مقدرا لها ذلك، ستظل مجرد وعود مؤجلة فوق الأرفف، وبوعيك وحده يستحيل المتخيل إلى حقيقة نابضة بالحياة. شكرا لسؤالك الذي تجاوز حدود الاستفسار العابر ليفتح أفقا نقديا أرحب نتشاطره سويا.



#السعدية_حدو (هاشتاغ)       Saadia_Haddou#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الخطية السردية إلى متاهة الدلالة: قراءة في أطروحة ج. هيلي ...
- التحييد الرمزي: خطاب الهدم الناعم ومآزقه البنيوية
- الرواية تتامل ذاتها: مقاربة نقدية لصيغ واشكال الحكي النرجسي
- عباءة الام ووطن الخوف: المكان والوجدان في قصيدة -امي- لعدنان ...
- صناعة الوهم: النخبوية الزائفة وتسليع المأساة في الأدب المعاص ...
- -سحب للأعلى / Scroll-
- شعرية التعدد: قراءة في المفهوم البوليفوني عند باختين (دراسة ...
- حين استيقظت متأخرا 20 عاما: قصة قصيرة
- شعرية الخراب وأنطولوجيا الهشاشة: قراءة في قصيدة -سماء معلقة ...
- في حضرةِ البيان
- التغريب القسري: حينما يتحول السرد العربي إلى مختبر تقني وتسب ...
- بين المساءلة النقدية والمجاملة الترويجية: حول أزمة القراءة ف ...
- دراسة سيميائية لفصل -باقلاء الفرات- من كتاب -ذاكرة الأشياء- ...
- النور يرقص في سريري: التجلي العرفاني والذاكرة البابلية في شع ...
- قراءة في قصيدة -يا حاجّ- لناصر مؤنس: رحلة كشف صوفية من الحرف ...
- إطار المتنزه: آلية التضمين والوصاية السردية في -انتظار السمر ...
- عندما تخون العتبات المضمون: الإيحاء التناصي بين البراعة الفن ...
- دور النقد في تفكيك الصور الذهنية للكتّاب: من التقديس إلى الو ...
- بين التجريب والسطحية: تعدد الأصوات والتكلف اللغوي في الأدب ا ...
- لاكان : تفكيك الخطاب النظري


المزيد.....




- مصر.. ساويرس يرد على تدوينة -حرب أكتوبر انتصار لإسرائيل- مبر ...
- محاضرة عن الشعر العربي للدكتور إياس ناصر في العاصمة اليوناني ...
- قصر الثقافة والفنون في الديوانية يقدم قراءات نقدية وشهادات ب ...
- مشاهد جوية من أفاميا.. مدينة سورية عمرها 2300 عام على قوائم ...
- نص سيريالى(لا تَسْرِقْ أَسْنَانِي!)الشاعرة هدى عزالدين محمد. ...
- رحيل الشيخ محند الطيب.. مسيرة مجاهد جزائري وهب حياته لترجمة ...
- بيت المدى يستذكر -أبو سرحان- ابرز شعراء الاغنية السبعينية
- -7 دوجز-.. فيلم استثنائي أم نسخة معربة من هوليوود؟
- رحلة سلمان بونعمان لفهم النهضة اليابانية.. مصالحة الهوية وال ...
- هيلين ميرين.. مسيرة سينمائية في خدمة السردية الإسرائيلية من ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - السعدية حدو - في كيمياء الكتابة: من سعة الخيال إلى إزميل التخييل