السعدية حدو
قارئة مهتمة بنقد النقد و تحليل الخطاب
(Saadia Haddou)
الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 04:51
المحور:
الادب والفن
تعد الممارسة النقدية ركيزة أساسية في الحقل المعرفي والجمالي، إذ تتجاوز حدود القراءات الانطباعية لتنهض بمهمة منهجية تعنى بمراجعة مسارات التلقي وضبطها. وتنهض هذه المقاربة على أطروحة أساسية مفادها أن الصورة الذهنية المسبقة عن الكاتب تمثل عائقا إبستمولوجيا يحول دون مقاربة النصوص على نحو موضوعي. وتتجاوز الهالة الرمزية حدود الانطباع الذهني العفوي لتتصل بعمليات صناعة ثقافية تشترك فيها قنوات متعددة؛ ليجد النقد المنهجي نفسه في مواجهة بنى مؤسساتية قائمة تكرس الاسم كعلامة تجارية، مما يجعل مهمة النقد تتجاوز تشريح النص إلى نقد اقتصاديات الشهرة المصاحبة للعملية الإبداعية. وفي هذا السياق المعقد، يمثل النقد المنهجي ممارسة منهجية تسعى إلى مراجعة التصورات المحيطة بالرمز الأدبي وتفكيك هذه الهالة لاستعادة سلطة النص المستقلة، مع مراعاة سياقاته التاريخية وموقع الناقد نفسه داخل الحقل الثقافي.
ومن هذا المنطلق، تتحدد إشكالية هذه المقالة في تساؤلات جوهرية حول آليات تشكل هذه الصورة الرمزية وتأثيرها في وعي القارئ، وكيفية تحول الانطباع الفني إلى سلطة معيارية تمنح الكاتب مكانة رمزية خارج إطار المساءلة. كما تتساءل هذه المقاربة عن حدود المسافة بين المنجز الأدبي وشخص مبدعه، ومدى قدرة الأدوات النقدية على تفكيك هذه الهالات الرمزية لإعادة الاعتبار لجوهر الأثر الأدبي دون السقوط في دائرة الصراعات الشخصية، مع تبيان أثر الفضاء الرقمي المعاصر في تأبيد هذه الهالات.
يستدعي تحليل هذه الإشكالية فحص القنوات المتشابكة التي تساهم في تشكيل الإطار الرمزي المصاحب للكاتب، إذ يتضح أن تلقي النص الأدبي نادرا ما يحدث في معزل عن مجموعة من المؤثرات الخارجية والمسبقة. وتُمثل هذه الصورة الذهنية بناء رمزيا معقد التكوين يتشكل من مصادر متعددة متجاوزة حدود الانطباع العابر الذي يزول بزوال مسبباته. فالكاتب غالبا ما تسبقه تمثلات قبلية إلى وعي القارئ، ويتمثل ذلك في التزامه الجيلي ومواقفه الفكرية والسياسية وحضوره الاجتماعي والسمعة الذاتية التي يحرص على تشييدها عبر خطاب مواز يروج لأعماله، مقلصا بذلك حضور العمل الإبداعي المستقل.
وحين تتضافر هذه المؤثرات وتتداخل، ينشأ إطار رمزي متكامل يُختزل فيه الكاتب وتُكرس صورته عبر الظهور المتواتر والمدروس. ويتبدى الاشكال عندما تعجز القراءة عن تجاوز هذا الإطار، فتُلغى بالضرورة المسافة النقدية المفترضة وتتحول الشخصية الأدبية إلى أيقونة محصنة، فيُقرأ النص استنادا إلى الهالة الرمزية دون دراسة بنيته اللغوية والجمالية الداخلية. وينطلق هذا النمط من التلقي من انحياز مسبق، يفتش فيه القارئ في الأثر عما يزكي إعجابه الأول ويبرره. وفي هذا الصدد، يتقاطع هذا التحليل مع الأطروحة السوسيولوجية لعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو حول "رأس المال الرمزي"، ولا سيما في كتابه التأسيسي (La Distinction)، التي توضح كيفية اكتساب بعض الأسماء نفوذا وهيمنة في الحقل الثقافي بفضل صورتها المكرسة وشبكة علاقاتها أكثر مما تحظى به بفعل القيمة الفعلية لإنتاجها الأدبي.
ومتى ما تجذر هذا التقديس الرمزي في نفوس المتلقين، واجهت المحاولات النقدية الرامية لمساءلة التصورات المحيطة بالرمز الأدبي واختبار تماسكها ردود فعل دفاعية تتسم بالحدية. إذ يسارع المدافعون عن الكاتب إلى توجيه انتقادات شخصية للناقد كاتهامه بالغيرة وضيق الأفق، واصفين أطروحاته بالاستهداف الذاتي وتصفية الحسابات الشخصية، معرضين عن مناقشتها بالبراهين العلمية والمعايير الأدبية.
ويشي هذا الموقف بآليتين متداخلتين؛ تتمثل أولاهما في الخلط غير المنهجي بين ذات الكاتب المبدع وبين منجزه النصي، حيث ينظر إلى نقد العمل الفني كأنه استهداف مباشر لشخص الكاتب؛ وثانيهما تظهر في المقاومة النفسية التي يبديها المتلقي حين يشعر أن النقد يمس بنية فكرية أو جمالية تماهت مع هويته الثقافية وظل يبجلها لفترات طويلة. وهذا الدفاع التلقائي، الذي يسبق أحيانا قراءة العمل قيد النقد ذاته، يبرهن على أن التلقي قد انزاح عن مساره المعرفي ليصبح حالة من التسليم الفكري والتبجيل الذي يبتعد عن أدوات المراجعة والنقاش.
وحيال هذه العقبة المعرفية، يبرز دور النقد المنهجي لاستعادة التوازن المعرفي، وإعادة الاعتبار للنصوص كونها الجوهر الحقيقي للعملية الإبداعية، بعيدا عن الهالات الرمزية المصاحبة لأسماء مؤلفيها. ويسعى النقد المنهجي إلى ممارسة نوع من اليقظة الإبستمولوجية؛ فالناقد كائن يتأثر بالهالة كغيره، وتكمن فاعليته في وعيه التام بثقل هذه المؤثرات، وسعيه عبر الأدوات التحليلية إلى الحد من أثرها، مدركا أن الموضوعية المطلقة مطمح بعيد المنال، وتظل المقاربة المنهجية هي الضمانة المتاحة لعدم الانزلاق نحو التبجيل أو الخصومة الشخصية. إذ يتجلى دور النقد هنا في فتح مسارات للتساؤل والمساءلة داخل بنية التلقي المغلقة، بدلا من محاولة إلغاء القيمة الرمزية للكاتب بقرار قطعي عاجل.
ويستوجب هذا المسعى المنهجي تحقيق توازن دقيق يمنع التركيز الحصري على لغة العمل؛ إذ تقتضي عملية تفكيك الهالة الرمزية عن المؤلف تمييزا منهجيا حاسما بين توظيف السياقات الخارجية لإضاءة النص وتعميق فهمه، واستدعاء هذه السياقات لتسويغ مواطن الضعف الفني فيه. إن الرجوع إلى الظروف التاريخية والاجتماعية وسيرة الكاتب يعد ممارسة مشروعة ومثمرة عندما تسهم في تفكيك بنية العمل وكشف أبعاده الفكرية والجمالية الغائبة، بينما يتحول هذا الرجوع إلى تراجع منهجي حين يتخذ من ظروف المبدع الشخصية أو معاناته مسوغا للتغاضي عن قصور البناء الفني أو ضعف الأدوات الإبداعية. ولا يعني توظيف هذه السياقات حماية البناء الفني من معايير المساءلة والتقييم.
ومن جهة أخرى، يفرض هذا التوازن إخضاع ذات الناقد للمساءلة الذاتية؛ فالناقد يتحرك داخل حقل ثقافي تحكمه موازين القوى وتنازع المصالح، ووعيه بموقعه داخل هذا الحقل يمنع تحول أدواته المنهجية إلى وسائل لتصفية الحسابات الشخصية أو أدوات لإعادة إنتاج "رأس مال رمزي" مضاد. هذا الإجراء النقدي المزدوج يخلص النص من تأثير الهالة الخارجية، مثلما يجنب القارئ الانبهار العاطفي، ويرتقي بعملية النقد لتكون اعترافا بالكاتب كونه فاعلا بشريا يخطئ ويصيب، بعيدا عن تصويره كيانا خارج المساءلة.
تتفاقم حدة هذه الإشكالية في العصر الراهن نتيجة نشاط الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي، التي أسست لأنماط جديدة من التلقي وصناعة الرموز. فقد تجاوزت صناعة الهالة القنوات المؤسساتية التقليدية لتعتمد على آليات التسويق الرقمي وبناء العلامات الشخصية للمؤلفين. وتسهم الخوارزميات الرقمية في تضخيم الحضور الشخصي للكاتب، وتقليل المسافة الجمالية الضرورية بين المبدع وقارئه.
يتجاوز عمل الناقد في الفضاء الرقمي حدود مواجهة النص المنفرد، ليشمل التعامل مع الكتل الجماهيرية التي تتبنى الكاتب كجزء من هويتها وثقافتها. وتتبدى واقعية الطرح النقدي هنا في قدرته على التعامل مع ممارسات ثقافة الإلغاء وردود الفعل الحادة، محاولا توجيه النقاش من تقديس الأشخاص إلى جدارة النصوص، وهو مسار يتطلب جهدا معرفيا مستمرا يتجاوز حدود المقالة المفردة. هذا الواقع الجديد يتطلب وعيا بأن النصوص، مهما بلغت من الإتقان، تظل نتاجا إنسانيا محكوما بشروط إنتاجه وسياقاته، يعتريه ما يعتري الجهد البشري من كمال ونقص، ونجاح وإخفاق. ويهدف النقد هنا إلى تمكين القارئ من رؤية مواطن الجمال والخلل في الأثر الأدبي ذاته، في منأى عن إسقاط الرموز أو تقويض المكانات الأدبية، وهو ما نادى به رولان بارت عبر أطروحة "موت المؤلف"، داعيا إلى فك الارتباط بين النص وسيرة صاحبه وسلطته.
وتؤكد هذه القراءة على أن تقديس الصور الذهنية للكتاب والدفاع المكثف عن هالاتهم الرمزية يكشفان عن قصور في آليات التلقي النقدي ويقيدان حركة التطور الثقافي. كما ويتكفل النقد المنهجي، في هذا السياق، بمهمة مزدوجة ومترابطة؛ فهو يعيد النص إلى مكانته الأساسية في عملية التحليل الجمالي الموضوعي، ويحلل بالوقت ذاته تلك الآليات السيكولوجية والاجتماعية والرقمية والمؤسساتية التي تكرس القداسة الأدبية وتمنع المساءلة.
غير ان فعالية النقد تتطلب وقتا كافيا لتؤتي أكلها على المدى البعيد بعيدا عن تأثير الاحتفاء الآني. إذ يؤسس النقد لتراكم معرفي يسهم تدريجيا في إعادة ترتيب الخارطة الأدبية، واضعا كل أثر في قيمته الفنية الفعلية بمنأى عن الشهرة المؤقتة. وبناء على ذلك، يتضح أن النقد يمثل ممارسة معرفية أساسية تتجاوز تصنيفها ترفا معرفيا أو خطابا هامشيا مصاحبا للإبداع الأدبي، معيدا المتلقي إلى بنية العمل الأدبي الأساسية، حيث تصبح اللغة وبناها الداخلية وسياقاتها الموضوعية هي معيار التقييم الفعلي. وبذلك يسهم النقد في تشكيل وعي قرائي يحاول، قدر الإمكان، التحرر من سطوة الأسماء لصالح سلطة النصوص، ضمن تفاعل معرفي دائم يتجاوز فكرة الحسم النهائي ليتأسس على المراجعة المستمرة والمساءلة الدائمة لتطوير الفكر والجمال.
#السعدية_حدو (هاشتاغ)
Saadia_Haddou#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟