|
|
اشتراكية بخصائص صينية: لا اشتراكية ولا رأسمالية بحتة
حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)
الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 11:28
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
لكنها لم تخرج عن الإطار الرأسمالي في ظل الهيمنة التقنية والطيقية. وفقاً لما كتبه ماركس وأنجلز، إن الشيوعية ليست نظاماً يمكن فرضه بواسطة قرار سياسي بين ليلة وضحاها، بل هي مرحلة تاريخية متقدمة تتطور تلقائياً عندما يصل الإنتاج والمجتمع إلى مستوى عالي من التقدم. في تلك المرحلة المثالية، يصبح وجود الدولة غير ضروري (بوصفها أداة قمع طبقي)، وتنتهي الملكية الخاصة، ويتم تطبيق المبدأ "من كل شخص حسب طاقته، ولكل شخص حسب حاجته". يمر النضال الاجتماعي اليوم بمرحلة جديدة وغير مسبوقة؛ فالنقد الفكري والوعي النظري، رغم أهميتهما الجوهرية، لا يستطيعان تحقيق تغيير حقيقي إلا إذا تجسدا في هياكل تنظيمية جديدة تستطيع مواجهة آليات الهيمنة الحديثة بطرق مشابهة وعلى نفس الساحة.
في العصر الرقمي الراهن، ينبغي ألا تتلاشى مفاهيم التضامن والعدالة، بل يجب إعادة تشكيل هياكل المنظمات والنقابات والتحالفات الشعبية بطرق مبتكرة. كانت المنظمات الحزبية والنقابية التقليدية تتسم بالبيروقراطية والهياكل الهرمية الصارمة، وهي نموذج يمكن اليوم تحييده أو احتواؤه بسهولة. لذلك تتطلب الأشكال الحديثة شبكات أفقية تتميز بالمرونة وسرعة التكيف، حيث يمكن الاستفادة من التكنولوجيا في التنسيق وجمع الدعم دون الوقوع في شرك القيادات المعزولة. بالإضافة إلى ذلك، تقتضي هذه المرحلة تعزيز الديمقراطية المباشرة والتشاركية من خلال استخدام منصات مفتوحة المصدر لتسهيل عملية اتخاذ القرارات بشكل جماعي وصياغة البرامج السياسية انطلاقاً من الجذور الشعبية، بعيداً عن احتكار النخب.
أصبح العامل اليوم يواجه خوارزمية غير حساسة بدلاً من المدير التقليدي في المصنع (كما يحدث في تطبيقات التوصيل والنقل والعمل الحر). هذا يفرض الحاجة إلى بناء نوع جديد من الاتحادات والنقابات التي تعتمد على "إضرابات الخوارزميات" والامتناع الجماعي عن استخدام التطبيقات كوسيلة لتعطيل آلية الربح.
كما أن التعامل مع البيانات بوصفها "فائض قيمة" ينتجه المجتمع، لتستحوذ عليه الشركات التقنية الكبرى، يبرز الحاجة إلى حركات تطالب بتأسيس تعاونيات رقمية وممتلكات عامة رقمية لتحقيق الاستفادة الجماعية من هذه الموارد. لم يعد من الممكن التصدي للاحتكار الرقمي بالاعتماد فقط على المنصات المملوكة للرأسماليين؛ بل يجب العمل على إنشاء أدوات اتصال وتواصل تكون مشفرة ومفتوحة المصدر، ولا تخضع لتأثير الخوارزميات التجارية أو الرقابة الحكومية. يتعين علينا تحويل الجهود نحو جعل نماذج الذكاء الاصطناعي والخوارزميات الأساسية ملكية عامة ومتاحة للجميع، بحيث تُدار من أجل مصلحة المجتمع وتنمية الثقافة، بدلاً من تعزيز الرقابة وتفاقم التفاوت الطبقي. نظرًا لأن الشركات الاحتكارية ورأس المال التقني تعمل بدون حدود جغرافية وبشكل عالمي، فلا يمكن الاكتفاء بتنظيم المقاومة الاجتماعية ضمن الأطر الوطنية الضيقة. يجب أن يكون هناك تعاون وتنسيق عبر الحدود، يربط بين نضالات العمال والمستهلكين حول العالم في الوقت الفعلي. النضال ضد الهيمنة التقنية والنظام الطبقي لا يتطلب الابتعاد عن التكنولوجيا أو رفض التقدم، بل يستدعي استعادة السيطرة على التكنولوجيا من أيدي الاحتكارات وتوجيهها نحو الصالح العام. إن إيجاد آليات تنظيمية تستند إلى الأصالة الفكرية وتستفيد من الذكاء الشبكي في التنسيق هو السبيل الوحيد لتحويل "الجماهير المنعزلة خلف الشاشات" إلى قوة مجتمعية وسياسية قادرة على إحداث تغيير تاريخي.
خلال الفترة الاشتراكية الانتقالية يتحدد وضع العمال بأنهم لم يصلوا بعد إلى الحالة الشيوعية النهائية. لذا، تتخذ المجتمعات نظامًا اقتصاديًا يتمثل في الاشتراكية. في هذا الإطار، لا يتم إلغاء عمليات الإنتاج أو التوزيع بشكل فوري. وبدلاً من ذلك، تنتقل ملكية وسائل الإنتاج من أيدي الأفراد الرأسماليين إلى سيطرة الدولة أو المجتمع، تعمل ذلك باسم العمال ومن أجل تحقيق مصالحهم.
فيما يتعلق بتطور قوى الإنتاج، فإن الهدف الجوهري للاشتراكية يتجاوز مجرد تحقيق المساواة في حالة الفقر. تُثار الحاجة لاستخدام وسائل التخطيط والابتكار التكنولوجي لزيادة مستوى الوفرة الاقتصادية بشكل يُمكّن من تجاوز حالات الشح والندرة. هذا التقدم يمهد الطريق نحو تلاشي الدولة تدريجيًا، مما يشير إلى تحقيق المرحلة الشيوعية بصورة نهائية.
لماذا لا تنطبق صفة "الاشتراكية" على الصين؟ بناءً على التعريف أعلاه، الصين ليست اشتراكية بالمعنى الماركسي للكلمة؛ فلا تزال هناك دولة مركزية قوية وضعت قوانين للعمل المأجور، وتوجد طبقات اجتماعية وتفاوتات واسعة، فضلاً عن وجود مليارديرات وأسواق مالية. كما أن الصين نفسها تصف نظامها بأنه "اشتراكية ذات خصائص صينية".
لماذا لا تنطبق صفة "الرأسمالية البحتة" على الصين؟ رغم تبني الصين لاقتصاد السوق والانفتاح التجاري، إلا أنها ليست رأسمالية غربية تقليدية فالقطاع العام (الشركات المملوكة للدولة) يسيطر على مفاصل الاقتصاد الإستراتيجية (البنوك، الطاقة، الاتصالات، النقل الثقيل). وإن الحزب الشيوعي الصيني يمتلك السلطة المطلقة للتدخل في سياسات الشركات الكبرى وتوجيه مسارها بما يخدم أهداف الدولة، ولا يخضع رأس المال هناك لحرية مطلقة بمعزل عن الإرادة السياسية. فالصين بالنسبة للماركسيين الأرثوذكس هي دولة تمر بمرحلة انتقالية معقدة (استخدمت أدوات الرأسمالية السوقية لتطوير اقتصادها وبناء قاعدتها التكنولوجية)، لكنها لم تصل قط إلى الاشتراكية وفق الماركسية ولا "الشيوعية" بالمعنى الفلسفي النهائي المتمثل في اضمحلال الدولة وانعدام الملكية الخاصة والطبقات. نلامس هنا الأزمة الجوهرية للرطّانة التكنولوجية المعاصرة؛ فهو يفكك الوهم الليبرالي السائد بأن "التكنولوجيا وحدها كفيلة بتحرير الإنسان". فعندما نتأمل المشهد اليوم، نجد أن التطور التقني الهائل لا يتحرك في فراغ محايد، بل يحكمه منطق الإنتاج الرأسمالي والسعي نحو الربح، مما يفرز نتائج تعاكس تماماً أحلام الوفرة المتاحة للجميع. في الماضي، كانت وسائل الإنتاج تتركز في المصانع والأراضي. واليوم، باتت وسائل الإنتاج والتحكم تتمثل في الخوادم الكبرى (Servers)، وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، وقواعد البيانات العملاقة. التكنولوجيا قادرة حقاً على إنتاج وفرة هائلة من الخدمات والمعلومات والسلع بأقل جهد بشري ممكن، لكن الرأسمالية تعيد هندسة هذه "الوفرة" عبر خلق ندرة مصطنعة وقوانين حصرية لحقوق الملكية الفكرية، لضمان بقاء المكاسب متركزة في أيدي احتكارات التقنية الكبرى (Big Tech) بدلاً من توزيعها مجاناً أو لصالح المجتمع. وقد أدت التكنولوجيا الحديثة، بدل تحرير الإنسان من شبح العمل، إلى تمديد ساعات العمل ودمج حياة الأفراد اليومية بالكامل داخل دورة الإنتاج من خلال منصات العمل الحر، وتتبع الأداء الخوارزمي، واقتصاد العقود. ولم تعد الفجوة مقتصرة على من يمتلك المصنع ومن لا يمتلكه، بل أصبحت تمتد لتشمل من يمتلك خوارزميات التوجيه والبيانات ومن يتحول إلى مجرد "مستهلك مروض" ومراقب عبر أدوات الذكاء الاصطناعي. التكنولوجيا في حد ذاتها لا تفكر ولا تقرر؛ فهي انعكاس لعلاقات القوة القائمة. إذا كانت بنية المجتمع رأسمالية، فإن الذكاء الاصطناعي والوفرة التقنية سيعملان بكفاءة أكبر على ترسيخ التفاوت الاجتماعي وإحكام السيطرة الطبقية. إن الانتقال من الوفرة التقنية إلى "العدالة المجتمعية" لا يحدث تلقائياً بفعل آلات متطورة، بل يتطلب بالضرورة إرادة سياسية ونضالاً طبقياً يعيد توجيه فائض القيمة والإنتاج لخدمة الإنسان لا لخدمة مراكمَة رأس المال. إن الوفرة التي تقودها الرأسمالية التكنولوجية المعاصرة هي "وفرة مشروطة بالاستبعاد"، تزيد من غنى الأقلية وتعمق اغتراب الأغلبية. ولهذا السبب، فإن النضال الاشتراكي في سبيل الحرية والعدالة والمساواة ليس مجرد حنين تاريخي تجاوزته العصرنة، بل هو حاجة ملحة وأكثر راهنية من أي وقت مضى لإنقاذ مصير العقل البشري من آلة الاحتكار. فالسلطة في العصر الرقمي لم تعد تتطلب جيوشاً أو حدوداً تقليدية، بل باتت تُمارس بهدوء عبر احتكار البنية التحتية التكنولوجية وخوارزميات التوجيه والمراقبة التي تبتلع تفاصيل حياة الأغلبية الساحقة. وعندما تتركز السيطرة على مصادر المعرفة، وقنوات الاتصال، وأدوات الإنتاج الذكي في أيدي حفنة من الشركات العابرة للقارات أو الأنظمة السلطوية، يتحول البشر العاديون إلى مادة خام تُستثمر بياناتهم وتُوجَّه سلوكياتهم وإرادتهم دون حتى أن يشعروا بوجود قيد مباشر. هذا التحول يضفي على النضال من أجل العدالة والمساواة طابعاً أكثر إلحاحاً وتعقيداً؛ فهو لم يعد مجرد صراع على رغيف الخبز أو ساعات العمل في المصنع، بل أصبح صراعاً على وعي الإنسان وحريته الأساسية في مواجهة آلة تكنوقراطية صماء تسعى لإعادة هندسة المجتمع وتدجينه.
لقد وضع النضال الاجتماعي اليوم قدميه في منطقة غير مسبوقة تاريخياً؛ فالنقد الفكري والوعي النظري، رغم أهميتهما القاطعة، يظلان عاجزين عن إحداث تغيير ملموس إذا لم يتجسدا في أطر تنظيمية جديدة قادرة على مواجهة آليات الهيمنة الحديثة بنفس أدواتها وعلى أرضيتها.
إن النضال ضد الهيمنة التقنية والطبقية لا يعني الهروب من التكنولوجيا أو معاداة التقدم، بل يعني نزع السلاح التقني من أيدي الاحتكارات وإعادة توجيهه. إن ابتكار أشكال تنظيمية تجمع بين الأصالة المفهومية والذكاء التنظيمي الشبكي هو الكفيل الوحيد بتحويل "الجمهور المعزول خلف الشاشات" إلى قوة اجتماعية وسياسية قادرة على صنع التاريخ.
#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)
Hamid_Koorachi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
وطن حرّ أم صالة انتظار السعادة؟
-
توماس ترانسترومر Tomas Tranströmer — قصائد هايكو
-
في تفنيد أطروحة حظر التعددية الشيوعية في البلد الواحد
-
الشعوب في مواجهة الاستبداد وتجار الحروب
-
معادلة تشكيل الحكومة السويدية وصناعة الملوك من الخارج
-
مرثية الطبقة الوسطى وانكماش الرهان المدني في العراق
-
استراتيجية الغياب كبديل للشرعية التقليدية
-
سكرتارية الحزب والجمود: نحو قيادة شبكية في العصر الرقمي 2
-
سكرتارية الحزب والجمود: ضرورة القيادة الشبكية في العصر الرقم
...
-
المعطف (Pälsen) للكاتب السويدي يلمار سودربيرغ
-
سلام الحكومات وحقوق الشعوب
-
كيف أمكن للنظام القمعي أن يشجع الشعر الأكثر راديكالية ونقداً
...
-
غورباتشوف أم نابليون؟
-
من الاستبداد الأيديولوجي إلى البراغماتية الأمنية
-
إشكالية قراءة ماركس بين العلم والأيديولوجيا
-
تشكيل صورة كارل ماركس عبر الزمن
-
مخيّم الآمال العظمى
-
من طبقة النومنكلاتورا إلى الأوليغارشية
-
قانون الإصلاح الزراعي وتدمير الزراعة
-
مرايا الغبار المتمرد
المزيد.....
-
العمل الجماهيري: أولويات الراهن
-
Political Opportunism in the Animal Movement
-
How Non-State Alliances are Reshaping the Global Order
-
Germany’s Afd in Saxony-Anhalt
-
Occupied Territories: Gaza, the West Bank and Marble Hill
-
Taunting the Bullies: Navi Pillay Wins the Nobel Peace Prize
...
-
تايلاند.. آلاف المحتجين في بانكوك يرفعون شعارات ضد البنك الد
...
-
البرازيل: لولا والسباق من أجل العودة
-
من مراكش إلى بانكوك: النمو وأسئلة التنمية المؤجلة
-
وزيرة التنمية المحلية تبحث مع وزير البيئة الأرميني سبل تعزيز
...
المزيد.....
-
من هيمنة الخوارزميات إلى سيادة الجماهير
/ رزكار عقراوي
-
التجديد التنظيمي لليسار في العصر الرقمي، مقترحات لتطوير مسود
...
/ رزكار عقراوي
-
الماركسيّة و مسألة السكّان الأصليّين [ الهنود الحمر - في الم
...
/ شادي الشماوي
-
الأمل الثوريّ – ظهور إمكانيّات جديدة لثورة تحريريّة في خضمّ
...
/ شادي الشماوي
-
القنبلة الصامتة، الذكاء الاصطناعي وتفكيك العقل البشري
/ رزكار عقراوي
-
بيان من أجل ثورة اشتراكية ايكولوجية؛ القطع مع النمو الرأسمال
...
/ الأممية الرابعة
-
التوجّه الإستراتيجي [ للثورة في الولايات المتّحدة ] في عالم
...
/ شادي الشماوي
-
الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي
...
/ شادي الشماوي
-
عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال
/ المناضل-ة
-
كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|