سرود محمود شاكر
باحث في مجال حقوق الإنسان ومدرب معتمد دولي
(Surd Mahmooed Shakir)
الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 23:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أثارت الأنباء المتداولة بشأن التوجه إلى استحداث وزارتين جديدتين في العراق، هما وزارة السياحة ووزارة الذكاء الاصطناعي، في سياق استكمال التشكيلة الوزارية، تساؤلات قانونية ودستورية بشأن الأساس التشريعي الذي ينبغي أن تستند إليه هذه الخطوة.
وتتصل المسألة بموضوع جوهري في القانون الدستوري، يتمثل في حدود صلاحيات السلطة التنفيذية في تنظيم تشكيلتها الوزارية، ومدى إمكانية إنشاء وزارات جديدة استناداً إلى قرارات حكومية أو ترتيبات سياسية، من دون استكمال المتطلبات التشريعية التي نص عليها الدستور.
ولا يتعلق هذا النقاش بمدى أهمية السياحة بوصفها قطاعا اقتصاديا وثقافيا أو الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد مجالات التطور العلمي والتكنولوجي، بل بمدى الالتزام بالقواعد الدستورية التي تنظم تشكيل الوزارات وتحدد وظائفها واختصاصاتها وصلاحيات وزرائها.
ومن هذا المنطلق، تبرز المادة (86) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 بوصفها نقطة الانطلاق الأساسية في تحليل مدى مشروعية استحداث الوزارتين.
أولاً: المادة (86) من الدستور والشرط التشريعي لتشكيل الوزارات
نصت المادة (86) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 على ما يأتي:
«ينظم بقانون تشكيل الوزارات ووظائفها واختصاصاتها وصلاحيات الوزير».
ويُفهم من هذا النص أن الدستور أخضع تشكيل الوزارات وتنظيم وظائفها واختصاصاتها وصلاحيات وزرائها لإطار قانوني، ولم يترك هذه المسائل الجوهرية للقرارات الإدارية وحدها.
وبناءً على ذلك، فإن استحداث وزارة السياحة أو وزارة الذكاء الاصطناعي يستلزم التحقق من وجود أساس تشريعي نافذ يجيز تشكيل كل منهما وينظم وضعها القانوني واختصاصاتها وصلاحيات الوزير المسؤول عنها.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الدستور يفرض إصدار قانون مستقل لكل وزارة؛ فقد يكفي قانون نافذ يتضمن أحكاماً عامة أو خاصة تستوعب التشكيل الجديد، أو تعديل تشريعي يحقق متطلبات المادة (86). لكن لا بد من التحقق من كفاية ذلك السند وانطباقه على الوزارة المعنية.
وعليه، فإن المسألة الدستورية لا تُحسم بمجرد الإعلان عن إنشاء الوزارة، وإنما بفحص الأساس القانوني الذي تستند إليه.
ثانيا: حدود صلاحيات مجلس الوزراء في إنشاء الوزارات
تحدد المادة (80) من الدستور اختصاصات مجلس الوزراء، ومن بينها اقتراح مشروعات القوانين، وإصدار الأنظمة والتعليمات والقرارات بهدف تنفيذ القوانين، إلى جانب ممارسة اختصاصاته التنفيذية الأخرى.
وتُقرأ هذه الصلاحيات في ضوء المادة (86)، التي خصصت التنظيم القانوني لتشكيل الوزارات ووظائفها واختصاصاتها وصلاحيات الوزير.
ومن ثم، لا يجوز افتراض أن صلاحيات مجلس الوزراء في إدارة شؤون الدولة تمنحه سلطة مطلقة في إنشاء وزارات جديدة بمعزل عن المتطلبات التشريعية. فالسلطة التنفيذية تعمل ضمن حدود الدستور والقانون، ولا يمكن للقرار الإداري أن يحل محل التشريع عندما يكون التنظيم التشريعي مطلوبا دستوريا.
وفي المقابل، لا يصح الجزم بأن كل قرار يتصل باستحداث وزارة غير دستوري بالضرورة؛ إذ يتوقف الحكم على طبيعة الإجراء المتخذ، ومضمونه، والسند التشريعي الذي يستند إليه.
وبذلك، فإن استحداث الوزارتين يستوجب فحصا قانونيا مستقلا لكل منهما، بدلاً من الاكتفاء بالإعلان السياسي أو الإعلامي عن إدراجهما ضمن التشكيلة الوزارية.
ثالثا: هل يكفي التصويت على الوزير لتحقيق المشروعية الدستورية؟
تتناول المادة (76) من الدستور إجراءات تكليف رئيس مجلس الوزراء وتشكيل مجلس الوزراء وعرض أسماء الوزراء والمنهاج الوزاري على مجلس النواب لنيل الثقة.
غير أن منح الثقة للوزير واستكمال إجراءات تشكيل الحكومة مسألة تختلف من الناحية القانونية عن استيفاء المتطلبات التشريعية الخاصة بتشكيل الوزارة ذاتها.
فإذا وافق مجلس النواب على مرشح لتولي وزارة السياحة أو وزارة الذكاء الاصطناعي، فإن هذه الموافقة تتصل بإجراءات تشكيل الحكومة وفقا للأحكام الدستورية ذات الصلة، لكنها لا تثبت وحدها أن التنظيم القانوني للوزارة واختصاصاتها قد استُكمل.
ومن هنا، ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور:
1. الموافقة على تسمية الوزير ومنحه الثقة وفق الإجراءات الدستورية.
2. إنشاء الوزارة وتحديد تشكيلها ووظائفها واختصاصاتها.
3. تحديد الصلاحيات القانونية والإدارية والمالية التي يمارسها الوزير.
ولا يجوز اعتبار تحقق الأمر الأول دليلا تلقائيا على تحقق الأمرين الآخرين.
رابعا: استحداث وزارة السياحة
يمثل القطاع السياحي أحد المجالات المهمة لتنويع الاقتصاد العراقي، وتعزيز الاستثمار، وتطوير المواقع الأثرية والدينية والثقافية، وتوفير فرص العمل.
ومع ذلك، فإن استحداث وزارة مستقلة للسياحة يثير تساؤلات بشأن علاقتها بالهياكل الحكومية القائمة، ولا سيما وزارة الثقافة والسياحة والآثار، والجهات والهيئات المختصة بإدارة النشاط السياحي.
ويتطلب التنظيم القانوني السليم بيان ما إذا كان المقصود إنشاء وزارة جديدة تتولى ملف السياحة حصراً، أم نقل الاختصاصات السياحية من وزارة قائمة، أم إعادة توزيع المسؤوليات بين مؤسسات الدولة.
كما ينبغي تحديد مصير الاختصاصات والموظفين والموازنات والأصول والالتزامات الإدارية المرتبطة بالقطاع، منعاً لتداخل الصلاحيات أو نشوء فراغ مؤسسي.
وبالتالي، فإن أهمية تطوير السياحة لا تغني عن ضرورة تحديد الأساس القانوني للتغيير المؤسسي، وضمان انسجامه مع التشريعات النافذة.
خامسا: استحداث وزارة الذكاء الاصطناعي
يختلف ملف الذكاء الاصطناعي عن ملف السياحة من حيث طبيعة الاختصاصات والقطاعات التي يمكن أن يتداخل معها.
فالذكاء الاصطناعي يرتبط بالتحول الرقمي، والخدمات الحكومية الإلكترونية، والبحث العلمي، والابتكار، وحوكمة البيانات، والأمن السيبراني، وحماية الحقوق والحريات في البيئة الرقمية.
وإنشاء وزارة مستقلة لهذا المجال قد يثير أسئلة بشأن نطاق اختصاصها وعلاقتها بوزارات الاتصالات والتعليم العالي والعلوم والتكنولوجيا، والجهات الحكومية الأخرى ذات الصلة.
ومن الناحية القانونية، ينبغي تحديد الصلاحيات التي ستُمنح لهذه الوزارة، وحدود إشرافها على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، والضوابط المتعلقة بحماية البيانات والخصوصية، والمسؤولية عن القرارات المؤتمتة، والرقابة على استخدام هذه التقنيات في المرافق العامة.
كما ينبغي بيان ما إذا كانت الوزارة ستتولى وضع السياسات العامة والتنسيق بين المؤسسات، أم ستكون لها صلاحيات تنفيذية وتنظيمية مباشرة.
ولا يمنع الدستور، من حيث المبدأ، إنشاء وزارة متخصصة بالذكاء الاصطناعي، لكن مشروعية إنشائها تتطلب الالتزام بالقواعد الدستورية والتشريعية التي تحكم تشكيل الوزارات وتنظيم اختصاصاتها.
سادسا: هل يشترط قانون مستقل لكل من الوزارتين؟
إن التفسير القانوني للمادة (86) لا ينبغي أن يتجاوز منطوقها، ولا أن يحمّلها حكما لم تنص عليه صراحة.
فالمادة تشترط تنظيم تشكيل الوزارات ووظائفها واختصاصاتها وصلاحيات الوزير بقانون، لكنها لا تنص حرفيا على وجوب إصدار قانون منفصل لكل وزارة.
وعليه، فإن التحقق القانوني ينبغي أن ينصب على الأسئلة الآتية:
- هل يوجد قانون نافذ يجيز إنشاء وزارة السياحة وينظم اختصاصاتها؟
- هل يوجد قانون نافذ يجيز إنشاء وزارة الذكاء الاصطناعي وينظم اختصاصاتها؟
- هل تتطلب الإجراءات المتخذة تعديل قوانين قائمة أو إصدار تشريع جديد؟
- هل جرى تحديد صلاحيات كل وزير وعلاقة وزارته بالمؤسسات القائمة؟
- هل استُكملت الإجراءات الدستورية المتعلقة بتشكيل الحكومة ومنح الثقة؟
إذا لم يوجد سند تشريعي نافذ يغطي تشكيل إحدى الوزارتين وتنظيم اختصاصاتها، فإن إنشاءها بقرار إداري مجرد يثير إشكالا جدياً بشأن التوافق مع المادة (86) من الدستور.
أما إذا كان هناك سند تشريعي قائم، فيجب فحص مضمونه ومدى كفايته لتغطية التشكيل الجديد، قبل إصدار حكم نهائي بشأن دستورية الإجراء.
سابعا: الرأي القانوني
في تقديري، إن استحداث وزارتي السياحة والذكاء الاصطناعي ينبغي أن يخضع لفحص دستوري وتشريعي مستقل، لأن لكل منهما اختصاصات مختلفة وعلاقة مؤسسية خاصة بالوزارات والهيئات القائمة.
وتتمثل القاعدة الأساسية في أن المادة (86) من الدستور لا تسمح بالتعامل مع تشكيل الوزارات ووظائفها واختصاصاتها وصلاحيات وزرائها بوصفها مسائل إدارية متروكة بالكامل للتقدير التنفيذي، بل أخضعتها لتنظيم قانوني.
وبناءً على ذلك، فإن إدراج الوزارتين ضمن التفاهمات السياسية أو التشكيلة الوزارية، أو الإعلان عن أسماء مرشحيهما، لا يكفي وحده لإثبات استيفاء المتطلبات الدستورية.
وفي المقابل، لا يمكن القطع بعدم دستورية استحداثهما من دون الاطلاع على القرارات الرسمية والتشريعات النافذة ذات الصلة.
والنتيجة القانونية هي أن مشروعية كل وزارة تتوقف على توافر سند تشريعي نافذ يغطي تشكيلها واختصاصاتها وصلاحيات وزيرها، فضلاً عن استكمال الإجراءات الدستورية اللازمة لتولي الوزير منصبه.
وإذا ثبت غياب هذا السند، فإن الأمر يستوجب معالجة تشريعية مناسبة تضمن احترام الدستور، مع مراعاة طبيعة القرار المتخذ وآثاره القانونية.
خاتمة
إن تطوير مؤسسات الدولة العراقية ينبغي أن يقوم على الجمع بين الاستجابة لمتطلبات التنمية الحديثة والالتزام الصارم بمبدأ المشروعية الدستورية.
فاستحداث وزارة للسياحة قد يندرج ضمن مساعي تطوير قطاع اقتصادي وثقافي مهم، كما أن إنشاء وزارة للذكاء الاصطناعي قد يعكس توجهاً نحو مواكبة التحولات التكنولوجية العالمية. غير أن أهمية هذه الأهداف لا تعفي السلطة التنفيذية من الالتزام بالضوابط القانونية التي تحكم إنشاء المؤسسات العامة.
وتظل المادة (86) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 معيارا أساسيا في تقييم مدى مشروعية تشكيل الوزارتين، إلى جانب المواد الدستورية الأخرى ذات الصلة.
وعليه، فإن السؤال القانوني الحاسم ليس ما إذا كان العراق بحاجة إلى وزارة للسياحة أو وزارة للذكاء الاصطناعي، بل ما إذا كان استحداث كل منهما قد جرى وفق الأساس التشريعي والإجراءات الدستورية التي يفرضها القانون.
فالدولة الدستورية لا تكتسب مشروعية مؤسساتها من القرارات السياسية وحدها، وإنما من خضوع تلك القرارات للدستور والقانون، بما يضمن استقرار المؤسسات، ووضوح الاختصاصات، وحماية المصلحة العامة.
#سرود_محمود_شاكر (هاشتاغ)
Surd_Mahmooed_Shakir#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟