أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سرود محمود شاكر - نحو تمكين الشباب لا لعسكرة المجتمع














المزيد.....

نحو تمكين الشباب لا لعسكرة المجتمع


سرود محمود شاكر
باحث في مجال حقوق الإنسان ومدرب معتمد دولي

(Surd Mahmooed Shakir)


الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 20:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في كلِّ مرةٍ تُطرح فيها فكرة التجنيد الإلزامي على الطاولة العراقية، تتسارع الخطاباتُ الحماسية التي تُلبسه ثوبَ الوطنية وتُزيّنه بشعارات بناء الشخصية وتعزيز الانتماء. غير أن تحت هذا البريق اللفظي تكمن حقيقةٌ صارخة: إن إجبار المواطن على العمل لحساب الدولة —مهما كانت الذريعة— هو شكلٌ من أشكال مصادرة الحرية، وهو ما ينافي الدستور العراقي الصادر عام 2005 ويتعارض مع روح الباب الثاني من الدستور المعنون بـ"الحقوق والحريات" 
الذي ارسى  مبادئ صون الكرامة الإنسانية  وحظر الإكراه. ولا يُجيز الدستور الخروج عن هذه المبادئ إلا في حالات الضرورة القصوى المُقيَّدة بشروط صارمة. 
العسكرة ليست بناءً للإنسان
يدّعي المؤيدون للتجنيد الإلزامي أن المؤسسة العسكرية تُقوّم سلوك الشباب وتُنشئ جيلاً منضبطاً. لكن هذه الحجة تنطوي على خلطٍ  خطير  بين الانضباط والإذعان، وبين الوطنية والإكراه. الانضباطُ الحقيقي ينبثق من شعور الفرد بالانتماء الحر، لا من بندقية يحملها مُكرَهاً أو أوامر يُنفّذها خوفاً من العقوبة. والأخطر من ذلك أن تحويل المؤسسة العسكرية إلى "مُصلح اجتماعي" يُثقّل كاهلها بمهمة ليست من اختصاصها، ويُربك دورها الوظيفي الأصيل المتعلق بالدفاع الوطني.
«بناء الإنسان يبدأ من ميادين العمل والابتكار،
لا من ساحات التدريب القسري»
ثمة بدائل مدنية أكثر فاعلية واستدامة. إن طاقة الشباب العراقي —التي يُراد استنزافها في ثكنات التجنيد— هي رأسُ المال الحقيقي لأمة تسعى إلى النهوض. فبدلاً من توجيه هذه الطاقات نحو العسكرة، أثبتت تجارب دول عديدة أن الاستثمار في قطاعات الإنتاج الحيوي كالزراعة والصناعة والتعليم والتكنولوجيا يُولّد عوائد اجتماعية واقتصادية لا تُقارَن بما تُحققه الإلزامية العسكرية. يُضاف إلى ذلك ضرورة تفعيل القطاع الخاص وتحريره من البيروقراطية المُثبِّطة، ليكون حاضنةً حقيقية لطموحات الشباب.
درسٌ من تجارب الأمم المتقدمة
إذا نظرنا إلى مسار الدول التي تصدّرت مؤشرات التنمية البشرية، وجدنا أنها تخلّت عن مفهوم التجنيد الإلزامي أو أصلحته جذرياً، مُتجهةً نحو بناء جيوش محترفة تعتمد على الكفاءة والتطوع لا على الأعداد المجنَّدة قسراً. فمنذ إلغاء كندا والمملكة المتحدة ومعظم دول غرب أوروبا للتجنيد الإلزامي في القرن الماضي، لم تتراجع قدراتها الدفاعية، بل ارتفعت مستويات الكفاءة العسكرية فيها، فيما وجد الشباب المُعفى منه مساراتٍ إنتاجية أسهمت في نمو اقتصاداتها.
أما الدول التي لا تزال تعتمد الإلزامية، فكثيراً ما تبرّرها بظروف جيوسياسية استثنائية، أو تُقيّدها بضمانات قانونية صارمة تحفظ كرامة المجنّد وتُتيح له الاعتراض الوجداني. وفي كلتا الحالتين، غائبٌ تماماً ما قد يُطرح في السياق العراقي من توظيف للتجنيد بوصفه أداةَ إصلاح اجتماعي.
السؤال الاقتصادي الذي لا يُجيب عنه المؤيدون
يتجاهل المتحمسون للتجنيد الإلزامي سؤالاً جوهرياً لا مناص من الإجابة عنه: من أين ستُموَّل التكاليف؟ إن استيعاب مئات الآلاف من المجنّدين سنوياً يستلزم بنية تحتية ضخمة، وتدريباً متواصلاً، ورواتب وتجهيزات وخدمات لوجستية. وفي بلدٍ يُعاني من عجزٍ مزمن في الخدمات الأساسية —من الكهرباء إلى الماء إلى المستشفيات والمدارس الكرفانية ناهيك عن الدوام الثلاثي… فإن ضخّ الميزانية العامة في هذا الاتجاه سيكون انتزاعاً من أفواه المواطنين وتحويلاً لمواردهم نحو مشروع لم يُثبت جدواه.
نعم لمؤسسة عسكرية محترفة
إن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يدور حول "كيف نُطبّق التجنيد الإلزامي"، بل حول "كيف نبني مؤسسة عسكرية محترفة وكفؤة قائمة على التطوع والمهنية"، وحول "كيف نستثمر في شباب يُصبح قوةً إنتاجية تدفع عجلة التنمية الحقيقية". هذا هو الرهان الذي يستحق الخوض فيه.
خلاصة: إنسانٌ لا جنديٌّ مُكرَه
حين تصادر عاماً أو أكثر من حياة شاب في أعزّ سنوات إنتاجيته وتكوينه، فهي لا تبني وطناً، بل تُنتج مواطناً يحمل في لاوعيه إحساساً بالإكراه والاستلاب. والأمم لا تُبنى بالقوة، بل بإطلاق طاقات أبنائها في فضاءات الحرية والعمل والابتكار. العراقُ بلدٌ يمتلك من الثروات البشرية والطبيعية ما يكفي لينهض، شريطة أن يختار الطريق الصحيح: الاستثمار في إنسانه لا تجنيده، وتوجيه مواردَه نحو ميادين الإنتاج والحياة لا نحو ثكنات التدريب القسري.
ختاما 
الدستور يؤسّس لهذا الخيار. والعقل يدعو إليه. ولا يتبقى إلا الإرادة السياسية للوفاء بالوعد الذي قطعه المشرّعون العراقيون حين صاغوا ذلك الباب المضيء من الحقوق والحريات.



#سرود_محمود_شاكر (هاشتاغ)       Surd_Mahmooed_Shakir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كركوك في ميزان الاستدامة: رؤية أكاديمية لتحويل -سد خاصة- إلى ...
- حدود الحصانة النيابية في ضوء المادة (63) من الدستور العراقي ...
- قرار السلم والحرب في الدستور العراقي: قراءة في توازن السلطات ...
- تشريح -الدولة الفاشلة- في زمن السلم: تحالف الاستبداد وهشاشة ...
- الثامن من آذار: من -احتجاج الخبز- إلى دستور المساواة العالمي
- لُغَاتُ بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ فِي الْيَوْمِ الْعَالَمِيِّ ل ...
- اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2026: ميثاق متجدد لكرامة ال ...
- رئيس الجمهورية في العراق.. -منصب تشريفي- أم سلطة دستورية تفو ...
- شرط المصلحة في طعون أعضاء مجلس النواب أمام المحكمة الاتحادية ...
- لغة -النقاط الست-: كيف أعاد لويس برايل صياغة مفهوم الحرية لل ...
- اليوم العالمي للتضامن الإنساني 2025: دعوة إلى وحدة عالمية لم ...
- اليوم العالمي لمكافحة الفساد
- اليوم العالمي للإعلان العالمي لحقوق الإنسان 2025: تجديد الوع ...
- اليوم العالمي لإحياء وتكريم ضحايا جرائم الإبادة الجماعية ومن ...
- اليوم العالمي للتطوع: نبض العطاء الإنساني
- اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة: نحو مجتمعات دامجة للجميع
- اليوم العالمي لإلغاء الرق 2025: نظرة على الرق الحديث
- اليوم العالمي للايدز
- اليوم العالمي لإحياء ذكرى ضحايا الحرب الكيميائية: دعوة إلى ع ...
- اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة(الاتحاد لإنهاء العن ...


المزيد.....




- وزير الطاقة الأمريكي: مضيق هرمز -ليس آمنا الآن-.. والصراع مع ...
- أطفال يميّزون أنواع الطائرات قبل أنواع الفاكهة! قصص الحروب
- الولايات المتحدة: إطلاق نار جماعي يسفر عن مقتل 8 أطفال بولاي ...
- غياب فانس عن إسلام آباد.. ماذا يعني لمفاوضات إيران؟
- حرب بلا صواريخ.. أخطر مراحل الصراع بدأت بين واشنطن وطهران
- الأرجنتين تطلق -اتفاقيات إسحاق- لتوسيع نموذج -أبراهام- إلى أ ...
- تحركات عسكرية أمريكية وإيرانية متسارعة في مضيق هرمز قبيل الم ...
- مفاوضات الفرصة الأخيرة.. ترقب وأسئلة قبل محادثات أمريكا وإير ...
- حماس تطالب بإلزام إسرائيل بتنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق غزة ...
- برلماني إيراني بارز للجزيرة: هذه خطوطنا الحمراء لمفاوضات إسل ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سرود محمود شاكر - نحو تمكين الشباب لا لعسكرة المجتمع