أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - سرود محمود شاكر - جمهورية «اللقالق».. كيف تحولت فلكلورية التلون إلى دليل عمل سياسي














المزيد.....

جمهورية «اللقالق».. كيف تحولت فلكلورية التلون إلى دليل عمل سياسي


سرود محمود شاكر
باحث في مجال حقوق الإنسان ومدرب معتمد دولي

(Surd Mahmooed Shakir)


الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 13:11
المحور: كتابات ساخرة
    


في الموروث الشعبي العراقي، تتسع مخيلة الذاكرة الجمعية لتصنيف الأنماط البشرية وفق قوالب ومصطلحات شديدة الدقة والتهكم. ومن بين هذه المصطلحات، يتربع وصف «اللوگية» أو «اللكَلكَـ» على عرش التوصيفات السلوكية التي تدمج التملق بالتلون المقيت. بيد أن ما كان في الماضي سلوكا فرديا منبوذا يُواجه بالازدراء، استحال في العراق المعاصر ركنا أساسيا من أركان "الهندسة السياسية"، وصار مؤهلاً خارقا يتجاوز الشهادات الأكاديمية والخبرات المهنية لتبوؤ أرفع المناصب.
ولفهم الجذور الأنثروبولوجية الفكاهية لهذا المصطلح، يُعيدنا المؤرخون والشفاهيون إلى حكاية بغدادية عتيقة تُعرف بـ «لكَلك الكنيسة»، وهي قصة لشدة دقتها في تشريح النفاق الإنساني، تكاد تكون بياناً تأسيسيا لأغلب التحالفات السياسية الراهنة.

تُروى الحكاية عن طائر لقلق اتخذ من برج كنيسة في بغداد مكانا لبناء عشه، مسببا إزعاجا دائما لشماس الكنيسة الذي كان يتساقط عليه القش ومخلفات الطائر كلما قرع الناقوس. وحين شكى أمره للقس، أرشده الأخير إلى حيلة ذكية: أن يأخذ قطعة من لحم الجمل، ويملحها بكثافة، ويضع بجوارها كأسا من الخمر. فالملح ولحم الجمل (المحرم عند اليهود) سيصيبان الطائر بعطش شديد، يدفعه لشرب الخمر، فيسكر ويسهل صيده.
نفذ الشماس الخطة بحذافيرها، وما هي إلا ساعات حتى ترنح اللقلق سكراناً، فأمسكه الشماس من رقبته، وشهر سكينه مغتاظاً وهو يواجهه بأسئلة هدمت كل منطق للهوية والتناسق:
«أفهمني.. أنت من أي ملة؟!
يهودي؟.. فكيف تأكل لحم الجمل وهو محرم عليك؟!
نصراني؟.. فكيف تتبرز على ناقوس الكنيسة؟!
مسلم؟.. فكيف تشرب الخمر وتسكر؟!»

إن إمعان النظر في حال "اللقلق" الفلكلوري يثبت بما لا يقبل الشك أنه كان الجد الشرعي لـ "المتلوّن السياسي" في المشهد العراقي الحالي. الفارق الوحيد أن لقلق الحكاية حوصر في زاوية التناقض ففشل في الإجابة، بينما لقالق السياسة العراقية يملكون من اللباقة والبراغماتية ما يتيح لهم تبرير الجمع بين المتناقضات كرمشة عين.
في سوق المزادات السياسية العراقية، يتنقل "اللوگية" بين الأحزاب والحركات كما يتنقل الطائر بين قمم المآذن وأبراج الكنائس. تراه في الصباح يحمل شعارات ماركسية تقدمية، وفي الظهيرة يرتدي جبّة الليبرالية والعلمانية، وما إن يحين المساء حتى يتصدر صفوف المدافعين عن الهويات الفرعية والطائفية ومن ثم يصبح اميرا للمؤمنين وخليفة للمسلمين، لا يجد غضاضة في أن يكون "يهوديا" في الصرف، "نصرانيا" في المنع، و"مسلما" في شرب المكاسب؛ المهم أن يظل العش دافئا فوق قمة السلطة.

لقد أفرز الفساد الهيكلي في العراق نمطا من المتسلقين الذين يتقنون العزف على كل الحبال. والتحول من حزب إلى حزب، أو من ائتلاف إلى نقيضه، لم يعد يُسمى في العرف السياسي الراهن خيانة أو انحطاطا مبدئيا، بل يتم تسويقه تحت لافتات حداثية براقة مثل "المرونة السياسية" أو "إعادة القراءة الواقعية للمشهد".
إن "اللقلق السياسي" العراقي كائن خارق للعادة، يملك معدة أيديولوجية قادرة على هضم كل المحرمات الوطنية والمالية. فهو يدين بالولاء للجهة التي تمنحه "قطعة اللحم الممالحة" (الامتيازات والعقود والمناصب)، ولا يبالي إن كان ثمن ذلك شرب خمر الفساد المتأتي من أقوات الفقراء، أو تدنيس مقدسات الشعارات التي بحّ صوته وهو يهتف بها بالأمس القريب في الحزب السابق.

إن خطورة "اللوگية" السياسية في العراق لا تكمن في كونها مجرد انتهازية عابرة، بل في تحولها إلى "مؤسسة" تحمي الفساد وتديم بقاءه. فالفاسد الكبير يحتاج دائما إلى "لقلق" يصفق لقراراته، ويزين قبائح أفعاله، وينقل الأحاديث والوشايات لإقصاء الشرفاء.
وإلى أن يأتي يوم يملك فيه الوعي الشعبي العراقي شجاعة ذلك "الشماس" ليمسك بهذه اللقالق السياسية من رقابها ويسألها بوضوح: "من أي ملة أنتم؟"، ستبقى هذه الطيور الجارحة للمبادئ تحلق من ضفة حافلة بالمغانم إلى ضفة أخرى، تاركةً الوطن يغرق في قشه ومخلفاته المتيبسة.

واخيراً لكي نكن منصفين تجاه هذا الطائر الأنيق ،بريء لا يعرف تغيير المبادئ، ولا يجيد "اللواگة"، ولم تطأ قدماه يوما وحل الفساد أو السُّحت الحرام، بل يعيش على رزقه الفطري الحلال الذي ساقه الله إليه في براري الطبيعة الخضراء ونقائها. وشتان ما بين طائر يبحث عن علوّ شاهق لينعم بالهدوء والجمال، وبين كائن بشري متلون يركع لكي يرتفع، ويهبط بأخلاقه ليضمن بقاءه في أحضان حزب جديد!



#سرود_محمود_شاكر (هاشتاغ)       Surd_Mahmooed_Shakir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدولار عندما ينافس الطرشي
- اليوم العالمي للبيئة
- معضلة مكافحة الفساد في العراق: هل الأزمة في غياب القوانين أم ...
- التنوع الثقافي: جسر الحضارات نحو عالم أكثر سلاما وازدهارا
- حماية طبقة الأوزون كركيزة لمنظومة حقوق الإنسان الدولية
- اليوم العالمي للطيور المهاجرة 2026. نحو حماية فعالة للطيور ا ...
- نحو تمكين الشباب لا لعسكرة المجتمع
- كركوك في ميزان الاستدامة: رؤية أكاديمية لتحويل -سد خاصة- إلى ...
- حدود الحصانة النيابية في ضوء المادة (63) من الدستور العراقي ...
- قرار السلم والحرب في الدستور العراقي: قراءة في توازن السلطات ...
- تشريح -الدولة الفاشلة- في زمن السلم: تحالف الاستبداد وهشاشة ...
- الثامن من آذار: من -احتجاج الخبز- إلى دستور المساواة العالمي
- لُغَاتُ بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ فِي الْيَوْمِ الْعَالَمِيِّ ل ...
- اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2026: ميثاق متجدد لكرامة ال ...
- رئيس الجمهورية في العراق.. -منصب تشريفي- أم سلطة دستورية تفو ...
- شرط المصلحة في طعون أعضاء مجلس النواب أمام المحكمة الاتحادية ...
- لغة -النقاط الست-: كيف أعاد لويس برايل صياغة مفهوم الحرية لل ...
- اليوم العالمي للتضامن الإنساني 2025: دعوة إلى وحدة عالمية لم ...
- اليوم العالمي لمكافحة الفساد
- اليوم العالمي للإعلان العالمي لحقوق الإنسان 2025: تجديد الوع ...


المزيد.....




- مجلس الشعب السوري يعقد أولى جلساته بعد سقوط الأسد، والشرع يد ...
- اللواء رضائي: إذا نجح الأعداء في ترسيخ ثقافة اغتيال القادة ف ...
- المفوضية الأوروبية توصي بوقف تمويل بينالي البندقية بسبب مشار ...
- سوق السلاح في عمّان.. إرث الفروسية تحرسه القوانين
- المتحف الروسي في بطرسبورغ يفتح أبوابه مجانا للمشاركين في ال ...
- Iran-s Cafe Culture Faces Political And Economic Pressure
- -على ضفاف الذاكرة- : غسان كنفاني: من أدب المنفى إلى ذاكرة ال ...
- من دوستويفسكي إلى الحكايات الشعبية.. الأدب الروسي يفتح صفحات ...
- روائع -المتحف الروسي- تحل ضيفة في قاعات غاليري -تريتياكوف- ب ...
- متحف الإرميتاج يعتمد نظاما مرنا لأسعار التذاكر حسب وقت الزيا ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - سرود محمود شاكر - جمهورية «اللقالق».. كيف تحولت فلكلورية التلون إلى دليل عمل سياسي