أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر - سرود محمود شاكر - اليوم العالمي للبيئة















المزيد.....


اليوم العالمي للبيئة


سرود محمود شاكر
باحث في مجال حقوق الإنسان ومدرب معتمد دولي

(Surd Mahmooed Shakir)


الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 18:31
المحور: الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر
    


الملخص
يُعدّ اليوم العالمي للبيئة، الذي يُحتفى به في الخامس من حزيران (يونيو) من كل عام، أبرز المناسبات الدولية التي أسستها الأمم المتحدة للتوعية بقضايا البيئة وحشد الجهود العالمية لمعالجتها. أُسِّس هذا اليوم في عام 1972 إبان انعقاد مؤتمر ستوكهولم للبيئة البشرية، ليُمثّل منذ ذلك الحين منصةً دولية رائدة تتبنّاها برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) للتعبير عن الإرادة السياسية والمدنية في مواجهة التحديات البيئية المتصاعدة. تتناول هذه الدراسة الأكاديمية المرجعية التاريخية لهذا اليوم، وأُطره التشريعية الدولية، والاتفاقيات المنبثقة عنه أو المرتبطة به، فضلاً عن تحليل المحاور الموضوعية التي تناولتها دوراته المتعاقبة، وتقييم الأثر البيئي الكوني لمسيرته الممتدة على مدى أكثر من خمسة عقود. تُوظّف الدراسة المنهج الوصفي التحليلي المقارن، وتستند إلى وثائق دولية رسمية وتقارير بيئية معتمدة، وتخلص إلى جملة من التوصيات العلمية والسياساتية الكفيلة بتعزيز الفاعلية البيئية العالمية.

أولا: المقدمة
يحتل اليوم العالمي للبيئة مكانة متميزة في منظومة المناسبات الدولية الأممية، كونه يُجسّد التقاطع الجوهري بين الإرادة السياسية الدولية والحاجة الإنسانية الماسّة للحفاظ على الكوكب الذي نعيش عليه. فمنذ تأسيسه في الخامس من حزيران عام 1973 تزامناً مع الدورة الأولى لجمعية الأمم المتحدة للبيئة، تحوّل هذا اليوم من مجرد مناسبة للتوعية إلى محرّك فعلي للتشريعات والسياسات البيئية الوطنية والدولية.
وتُشير إحصاءات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن الاحتفالات السنوية باليوم العالمي للبيئة باتت تستقطب مشاركة أكثر من 143 دولة سنويا، وتُتيح منصة فريدة لإعلان الالتزامات الوطنية والدولية، وإطلاق الحملات البيئية الكبرى، وتدشين المبادرات الشراكاتية بين القطاعين العام والخاص. ويتضح من تتبُّع مسيرة هذا اليوم أن موضوعاته السنوية لا تُعبّر عن اختيارات عشوائية، بل هي انعكاس دقيق للأولويات البيئية الكونية في كل مرحلة زمنية.
تنبثق أهمية هذه الدراسة من ضرورة التوثيق العلمي الأكاديمي لمسيرة هذا اليوم، وتقييم أثره التشريعي والسياساتي، واستشراف آفاق دوره المستقبلي في ظل التحديات البيئية غير المسبوقة التي يواجهها العالم في العقود الأولى من الألفية الثالثة، لا سيما أزمة المناخ وفقدان التنوع البيولوجي وتدهور النظم البيئية.
ثانيا: السياق التاريخي والإطار التأسيسي
1. مؤتمر ستوكهولم 1972: المنطلق التأسيسي
انعقد في مدينة ستوكهولم السويدية خلال الفترة الممتدة بين 5 و16 حزيران 1972 أولُ مؤتمر دولي رفيع المستوى يعالج قضايا البيئة البشرية، تحت مسمى "مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة البشرية" (UNCHE). شارك في هذا المؤتمر التاريخي ممثلون عن 113 دولة، وأسفر عن صياغة "إعلان ستوكهولم" المكوّن من 26 مبدأً تُرسي قواعد المسؤولية البيئية الدولية، وعن خطة عمل بيئية تضمّنت 109 توصيات، كان من أبرز نتائجها إنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) بوصفه الجهاز الأممي المعني بالشؤون البيئية.
وقد أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها رقم (2994) الصادر في ديسمبر 1972 تخصيصَ الخامس من حزيران من كل عام يوماً عالمياً للبيئة، تخليداً لذكرى انطلاق مؤتمر ستوكهولم، ليُقام أول احتفال رسمي به في الخامس من يونيو 1973. ويُعدّ هذا القرار ركيزةً تأسيسية في منظومة الحوكمة البيئية الدولية، إذ رسّخ مبدأ الاعتراف الأممي بحق الإنسان في البيئة النظيفة بوصفه حقاً من حقوق الإنسان الأساسية.
2. التطور المؤسسي: من التوعية إلى الفعل
شهدت مسيرة اليوم العالمي للبيئة تطوراً مؤسسياً لافتاً عبر العقود الخمسة الماضية؛ ففي حين اقتصر دوره في سبعينيات القرن الماضي على التوعية العامة، تحوّل تدريجياً في ثمانينياته وتسعينياته إلى أداة سياساتية فاعلة لحشد الدعم الحكومي والشعبي للالتزامات البيئية. وفي الألفية الثالثة، غدا منصةً استراتيجية لإطلاق الحملات الكبرى، والتحالفات الدولية، والمبادرات متعددة الأطراف في قضايا المناخ والتنوع البيولوجي والاقتصاد الأخضر.
ثالثا: الإطار القانوني الدولي والاتفاقيات المرتبطة
أسهم اليوم العالمي للبيئة إسهاما فاعلا في تحفيز وإعلان جملة من الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية، ويمكن رصد أبرز هذه الاتفاقيات على النحو الآتي:
1. اتفاقية التنوع البيولوجي (CBD) – 1992
أُبرمت اتفاقية التنوع البيولوجي في قمة الأرض المنعقدة في ريو دي جانيرو عام 1992، وتضم في عضويتها 196 طرفاً. تسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف متكاملة: الحفاظ على التنوع البيولوجي، والاستخدام المستدام لمكوناته، والتقاسم العادل للمنافع الناجمة عن الموارد الجينية.
وقد أفضى تطبيق الاتفاقية إلى اعتماد إطار كونمينج-مونتريال الذي وضع هدفاً طموحاً لحماية 30% من مساحة الأرض والمحيطات بحلول عام 2030.
2. اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) – 1992
وُقِّعت الاتفاقية الإطارية بشأن تغير المناخ بالتزامن مع اتفاقية التنوع البيولوجي في قمة الأرض عام 1992، وتُلزم الدول الأطراف بالعمل على تثبيت تركيزات غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي عند مستوى يحول دون تدخل بشري خطير في النظام المناخي. أفرزت هذه الاتفاقية سلسلة من الصكوك التفصيلية، أبرزها بروتوكول كيوتو (1997) واتفاق باريس (2015) الذي حدّد هدفاً ملزماً للحد من ارتفاع حرارة الأرض إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة.
3. اتفاق باريس للمناخ (COP21) – 2015
يُمثّل اتفاق باريس المُبرم في ديسمبر 2015 الصكّ القانوني الدولي الأشمل في مجال المناخ، وقد صادقت عليه 194 دولة. يُلزم الاتفاق الدولَ بتقديم مساهمات محددة وطنياً (NDCs) تشمل أهدافاً للحد من الانبعاثات وتعزيز الصمود المناخي. ويُحدّد الاتفاق التزامات واضحة للدول المتقدمة بتمويل التكيّف المناخي في الدول النامية بمبلغ 100 مليار دولار سنوياً حتى عام 2025 وما بعده. ويُستثمر اليوم العالمي للبيئة سنويا لتقييم مدى التقدم في تنفيذ التزامات هذا الاتفاق وحشد المزيد من الطموح الوطني.
4. اتفاقيات بيئية دولية مرتبطة أخرى
اتفاقية بازل (1989): تنظّم التحكم في نقل النفايات الخطرة عبر الحدود والتخلص منها، وتضم 190 دولة طرفاً.
اتفاقية روتردام (1998): تُعنى بالموافقة المسبقة والمستنيرة لتجارة المواد الكيميائية الخطرة، وتعزّز تبادل المعلومات بين الدول.
اتفاقية استوكهولم (2001): تستهدف إلغاء أو تقييد إنتاج واستخدام الملوثات العضوية الثابتة (POPs) التي تُشكّل خطراً داهماً على الصحة الإنسانية والنظم البيئية.
بروتوكول مونتريال (1987) المعدَّل باتفاقية كيغالي (2016): يسعى إلى التخلص التدريجي من المواد المستنفِدة لطبقة الأوزون، ويُعدّ حتى الآن أنجح اتفاقية بيئية دولية من حيث التطبيق والأثر.
اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD – 1994): تُعالج تدهور الأراضي الجافة وظاهرة التصحر التي تهدد سُبل عيش ما يزيد على مليار شخص حول العالم.
الإطار العالمي لإدارة المواد الكيميائية (GAMC – 2023): وثيقة جيل جديد تحلّ محل نهج دبي الاستراتيجي، وتضع أهدافاً ملزمة لتحقيق إدارة رشيدة للمواد الكيميائية بحلول 2035.

رابعاً: المحاور الموضوعية عبر العقود
يتبنّى اليوم العالمي للبيئة سنوياً موضوعاً محورياً يعكس الأولويات البيئية العالمية الراهنة، ويُحدد البلد المضيف لفعالياته الرئيسية. وفيما يلي تحليل موضوعاتي مقارن يُصنّف هذه المواضيع وفق المحاور الكبرى:
الحقبة الزمنية
المحور الكبير
أبرز المواضيع والشعارات
1973 – 1980
البيئة والتنمية
الحياة البرية وتقدم الإنسان؛ أرض واحدة للجميع؛ فقط أرض واحدة
1981 – 1990
التلوث والموارد
المياه – وسيلة للحياة؛ مخطط للكوكب؛ كوكب بلا حدود
1991 – 2000
التغير المناخي
تغير المناخ – ضرورة عالمية للتعاون؛ بوادر بيئة واعدة
2001 – 2010
التنوع البيولوجي
تصرّف بوعي للكوكب؛ المياه – ملياران يعانون ندرتها؛ رياح التغيير
2011 – 2020
الاقتصاد الأخضر
الغابات: الطبيعة في خدمتك؛ اقتصاد أخضر؛ فكّر وأكل وأنقذ
2021 – 2026
استعادة النظم البيئية
استعادة النظم البيئية؛ جيل واحد لا أرض للضياع؛ توجّه نحو الطبيعة
خامسا: التحديات البيئية الكونية في ضوء مؤشرات UNEP
ترصد تقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة جملةً من التحديات الحرجة التي باتت تستدعي استجابة فورية وشاملة، وتُوظَّف فعاليات اليوم العالمي للبيئة بوصفها فرصة لمراجعة التقدم المحرَز في التصدي لهذه التحديات:
أزمة المناخ: وفق التقرير السادس لهيئة الأمم المتحدة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC 2023)، يُرجَّح أن تتجاوز درجات الحرارة العالمية عتبة 1.5°C خلال العقد القادم ما لم تُتخذ إجراءات طارئة وعاجلة لخفض الانبعاثات بنسبة 43% على الأقل بحلول 2030.
فقدان التنوع البيولوجي: يُشير تقرير المنصة الحكومية الدولية للعلوم والسياسات المتعلقة بالتنوع البيولوجي وخدمات النظم البيئية (IPBES 2019) إلى أن نحو مليون نوع من الحيوانات والنباتات مهددة بالانقراض، وأن معدل الانقراض الحالي يفوق المعدلات الطبيعية بمئات الأضعاف.
تلوث البيئة: تتسبب الملوثات البيئية - شاملةً تلوث الهواء والمياه والتربة والضوضاء - في 9 ملايين وفاة مبكرة سنوياً وفق التقديرات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية (WHO)، مما يجعل التلوث أحد أكبر التهديدات للصحة العامة.
تدهور الأراضي والتصحر: تُعاني نحو 3.2 مليار هكتار من الأراضي حول العالم من درجات متفاوتة من التدهور، مما يُلحق خسائر اقتصادية تُقدَّر بـ 10.6 تريليون دولار سنويا وفق أرقام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (UNCCD).
أزمة البلاستيك والنفايات: يتدفق ما يتراوح بين 8 و12 مليون طن من النفايات البلاستيكية إلى المحيطات سنوياً، فيما كشف التقرير العالمي لبيئة المحيطات (2021) عن وجود جزر بلاستيكية عائمة تتجاوز مساحتها مساحة دولة فرنسا.
سادسا: اليوم العالمي للبيئة وأهداف التنمية المستدامة (SDGs)
تتشابك فعاليات اليوم العالمي للبيئة تشابكاً عضوياً مع منظومة أهداف التنمية المستدامة الـ17 التي اعتمدتها الأمم المتحدة عام 2015 ضمن خطة عام 2030، ولا سيما الأهداف ذات الصلة المباشرة بالشأن البيئي، وعلى رأسها:
الهدف السادس: المياه النظيفة والصرف الصحي – ضمان الوصول إلى مياه نظيفة وخدمات صرف صحي مستدامة للجميع.
الهدف الثالث عشر: العمل المناخي – اتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي لتغير المناخ وآثاره.
الهدف الرابع عشر: الحياة تحت الماء – صون المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها المستدام.
الهدف الخامس عشر: الحياة في البر – حماية النظم البيئية البرية وإعادة تأهيلها وتعزيز استخدامها المستدام.
الهدف السابع عشر: الشراكات – تعزيز وسائل التنفيذ وإحياء الشراكة العالمية من أجل التنمية المستدامة.
ويُعدّ اليوم العالمي للبيئة آليةً تكاملية مع مراجعات المنتدى السياسي رفيع المستوى المعني بالتنمية المستدامة (HLPF) التابع للأمم المتحدة، إذ يُوفّر منصةً سنوية لإعلان تقدم الدول في تنفيذ هذه الأهداف واستعراض الإشكاليات والعقبات، مما يُعزّز مبدأ المساءلة والمراجعة الدورية المنصوص عليه في خطة 2030.
سابعاً: التفاعل مع اليوم العالمي للبيئة في البلدان العربية
يحتل البلدان العربية موقعا جيوبيئيا حساساً، كونه أحد المناطق الأشد هشاشةً أمام التحديات البيئية الكونية، ولا سيما تغير المناخ وشُح المياه والتصحر وفقدان التنوع البيولوجي. ويتجلّى التفاعل العربي مع اليوم العالمي للبيئة في عدة مستويات:
التشريعي: أصدرت معظم الدول العربية منظومات تشريعية بيئية متكاملة، وأنشأت وزارات ووكالات حكومية متخصصة بالبيئة، وصادقت على الاتفاقيات البيئية الدولية الكبرى.
المؤسسي الإقليمي: أسهمت جامعة الدول العربية في اعتماد الاستراتيجية العربية للتنمية المستدامة 2015-2025، وتُنسّق مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة عبر مكتبه الإقليمي للدول العربية في بيروت.
الاستضافة الدولية: استضافت المنطقة العربية عدداً من كبريات المؤتمرات البيئية الدولية، في مقدمتها مؤتمر COP28 الذي انعقد في الإمارات العربية المتحدة عام 2023، وCOP27 في مصر عام 2022.
المبادرات الرائدة: تبرز مبادرات طموحة كمبادرة "الشرق الأوسط الأخضر" التي تستهدف زراعة 50 مليار شجرة على مستوى المنطقة، ومبادرة "السعودية الخضراء" الرامية إلى تحقيق الحياد الكربوني بحلول 2060.
ثامنا: تقييم الأثر والمناقشة العلمية
1. الأثر التوعوي والسياساتي
أفرز اليوم العالمي للبيئة قدرا معتبرا من الأثر التوعوي الملموس، إذ يُستقطب فيه ما يزيد على 100 مليون مشاركة فعلية حول العالم بين فعاليات ميدانية وتغطيات إعلامية وحملات رقمية وفق إحصاءات UNEP. وعلى الصعيد السياساتي، تُثبت الأدلة التجريبية وجود ارتباط ذي دلالة بين المواضيع المُعلنة في اليوم العالمي للبيئة وحزم السياسات البيئية الوطنية المُعتمدة في السنوات التالية، وإن كانت العلاقة السببية المباشرة تظل صعبة الإثبات منهجيا نظراً لتشعّب عوامل صنع السياسة البيئية.
2. الفجوة بين الالتزام والتطبيق
يرصد عدد من الباحثين فجوةً جوهرية بين الالتزامات المُعلنة في فعاليات اليوم العالمي للبيئة وبين الواقع التطبيقي لهذه الالتزامات. فعلى سبيل المثال، أشار تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة للمناخ (2023) إلى أن المسارات الحالية لتنفيذ مساهمات الدول محددة وطنياً (NDCs) ستُفضي إلى ارتفاع حراري بنحو 2.5-2.9 درجة مئوية بحلول نهاية القرن، وهو ما يتجاوز عتبة 1.5 درجة المنصوص عليها في اتفاق باريس. وتكشف هذه الفجوة عن حاجة ماسّة إلى آليات مساءلة أشد فاعلية وشفافية في متابعة الالتزامات البيئية.
3. دور المجتمع المدني والقطاع الخاص
يُشكّل المجتمع المدني والقطاع الخاص ركيزتين أساسيتين في منظومة اليوم العالمي للبيئة؛ فقد تحوّلت الشركات متعددة الجنسيات من موقع المُتلقّي السلبي لتوجيهات السياسة البيئية إلى فاعل محوري في دفعها وتمويلها. ويتجلّى ذلك في تبنّي آلاف الشركات حول العالم أهداف صافي الصفر للانبعاثات، وفي نمو سوق السندات الخضراء التي تجاوزت إصداراتها 500 مليار دولار عام 2023. كما باتت منظمات المجتمع المدني تضطلع بدور رقابي لا غنى عنه في متابعة مدى الوفاء بالالتزامات البيئية الدولية والوطنية.
تاسعاً: التوصيات العلمية والسياساتية
استناداً إلى ما تقدّم من تحليل، تُوصي هذه الدراسة بما يأتي:
تعزيز آليات المساءلة الدولية: يُوصى بإنشاء آلية دولية مستقلة ودائمة لمتابعة الالتزامات البيئية ومراجعتها سنوياً بالتزامن مع فعاليات اليوم العالمي للبيئة، مع إتاحة التقارير للرأي العام والمجتمع المدني.
ربط التمويل بالأثر البيئي المُقاس: ينبغي أن تُربط المساهمات المالية الدولية في صناديق المناخ والبيئة بمؤشرات أداء بيئية قابلة للقياس والتحقق، مع إخضاعها لمراجعة دورية شفافة.
تكثيف الاستثمار في العلوم البيئية: تُوصي الدراسة بأن ترفع الحكومات مخصصاتها للبحث العلمي البيئي إلى ما لا يقل عن 1% من الناتج المحلي الإجمالي، مع دعم البنية التحتية للرصد والمراقبة البيئية.
تعميق التكامل بين البيئة والتعليم: يُقترح إدراج قضايا البيئة والتنمية المستدامة في المناهج الدراسية بشكل مترابط ومتواصل من مرحلة الروضة حتى التعليم العالي، بما يُرسّخ ثقافة الاستدامة في الأجيال القادمة.
تسريع التحوّل نحو الطاقة المتجددة: تدعو الدراسة إلى وضع خرائط طريق وطنية ملزمة للانتقال إلى مزيج طاقوي تُمثّل فيه مصادر الطاقة المتجددة غالبيةَ الطاقة المُنتجة بحلول 2040، مع توفير دعم تقني ومالي للدول النامية.
إرساء حوكمة بيئية محلية فاعلة: يُوصى بتمكين الحكومات المحلية والإقليمية من صلاحيات أوسع وموارد كافية لتطبيق السياسات البيئية على الصعيد المحلي، لأن غياب التطبيق المحلي يُعدّ من أكبر أسباب الفجوة بين الالتزام والأداء.
توظيف التحول الرقمي في الرصد البيئي: ينبغي الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بُعد وتقنيات الفضاء لتطوير منظومات رصد بيئي دقيقة في الوقت الفعلي، تُمكّن من اتخاذ قرارات مبنية على البيانات.
عاشرا: الخاتمة
يبقى اليوم العالمي للبيئة في الخامس من حزيران من كل عام نافذةً سنوية لا غنى عنها تطلّ البشرية من خلالها على واقعها البيئي، وتُجدّد عهدها بالعمل من أجل كوكب أكثر استدامةً وعدالةً. وعلى مدى أكثر من خمسة عقود، أسهم هذا اليوم في تشكيل الوعي البيئي الكوني، وتحفيز التشريعات والسياسات، وصون الثروات الطبيعية، وتوحيد الجهود الدولية في مواجهة أشد التحديات البيئية تعقيداً.
غير أن المرحلة الراهنة تفرض تحديا من نوع مختلف؛ إذ لم تعد الأزمة البيئية تقبل الانتظار أو الحلول التدريجية، بل باتت تستوجب إجراءات تحويلية جذرية في أنظمة الطاقة والغذاء والمواصلات والاقتصاد. ويُعدّ اليوم العالمي للبيئة بوابةً معنويةً وعملية لإطلاق هذه الإجراءات، شريطة أن يتجاوز حدود الاحتفالية الرمزية ليغدو دافعاً حقيقياً للتغيير.
وإن كانت الطبيعة لا تفهم لغة الخطابات والمؤتمرات، فإنها تستجيب لحسن معاملتها وصون مواردها والحد من الضغوط التي يُمارسها عليها النشاط الإنساني. فلتكن كل خامسٍ من حزيران ليس مجرد يوم احتفالي، بل بدايةً لالتزام متجدد ومسؤولية مشتركة تتضافر فيها جهود الأفراد والمجتمعات والحكومات والمنظمات الدولية، من أجل كوكب يليق بأجيالنا القادمة.
المراجع والمصادر
أ. المصادر الدولية الرسمية
United Nations Environment Programme (UNEP). (2023). Emissions Gap Report 2023: Broken Record – Temperatures hit new highs, yet world fails to cut emissions. UNEP, Nairobi.
Intergovernmental Panel on Climate Change (IPCC). (2023). Climate Change 2023: Synthesis Report. IPCC, Geneva.
Intergovernmental Science-Policy Platform on Biodiversity and Ecosystem Services (IPBES). (2019). Global Assessment Report on Biodiversity and Ecosystem Services. IPBES Secretariat, Bonn.
United Nations. (1972). Report of the United Nations Conference on the Human Environment. UN Document A/CONF.48/14/Rev.1, Stockholm.
United Nations. (1992). Rio Declaration on Environment and Development. UN Document A/CONF.151/26. Rio de Janeiro.
United Nations. (2015). Transforming our World: The 2030 Agenda for Sustainable Development. UN Document A/RES/70/1.
United Nations Framework Convention on Climate Change (UNFCCC). (2015). The Paris Agreement. UNFCCC Secretariat, Bonn.
Convention on Biological Diversity (CBD). (2022). Kunming-Montreal Global Biodiversity Framework. CBD/COP/15/L.25.
World Health Organization (WHO). (2023). Air Quality and Health. WHO Technical Report Series, Geneva.
United Nations Convention to Combat Desertification (UNCCD). (2022). Land Degradation Neutrality: Target Setting Programme. UNCCD, Bonn.
ب. المصادر العربية
جامعة الدول العربية ومعهد التخطيط العربي. (2022). تقرير التنمية العربية المستدامة 2022: البيئة والتحولات الاقتصادية الكبرى. الكويت.
برنامج الأمم المتحدة للبيئة – مكتب الدول العربية. (2021). حالة البيئة العربية: تقرير مؤشرات الاستدامة. بيروت.
المنظمة العربية للتنمية الزراعية. (2023). الواقع البيئي الزراعي في الوطن العربي. الخرطوم.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي – المكتب الإقليمي للدول العربية. (2022). تقرير التنمية البشرية العربية: البيئة والتكيّف المناخي. نيويورك.



#سرود_محمود_شاكر (هاشتاغ)       Surd_Mahmooed_Shakir#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- معضلة مكافحة الفساد في العراق: هل الأزمة في غياب القوانين أم ...
- التنوع الثقافي: جسر الحضارات نحو عالم أكثر سلاما وازدهارا
- حماية طبقة الأوزون كركيزة لمنظومة حقوق الإنسان الدولية
- اليوم العالمي للطيور المهاجرة 2026. نحو حماية فعالة للطيور ا ...
- نحو تمكين الشباب لا لعسكرة المجتمع
- كركوك في ميزان الاستدامة: رؤية أكاديمية لتحويل -سد خاصة- إلى ...
- حدود الحصانة النيابية في ضوء المادة (63) من الدستور العراقي ...
- قرار السلم والحرب في الدستور العراقي: قراءة في توازن السلطات ...
- تشريح -الدولة الفاشلة- في زمن السلم: تحالف الاستبداد وهشاشة ...
- الثامن من آذار: من -احتجاج الخبز- إلى دستور المساواة العالمي
- لُغَاتُ بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ فِي الْيَوْمِ الْعَالَمِيِّ ل ...
- اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2026: ميثاق متجدد لكرامة ال ...
- رئيس الجمهورية في العراق.. -منصب تشريفي- أم سلطة دستورية تفو ...
- شرط المصلحة في طعون أعضاء مجلس النواب أمام المحكمة الاتحادية ...
- لغة -النقاط الست-: كيف أعاد لويس برايل صياغة مفهوم الحرية لل ...
- اليوم العالمي للتضامن الإنساني 2025: دعوة إلى وحدة عالمية لم ...
- اليوم العالمي لمكافحة الفساد
- اليوم العالمي للإعلان العالمي لحقوق الإنسان 2025: تجديد الوع ...
- اليوم العالمي لإحياء وتكريم ضحايا جرائم الإبادة الجماعية ومن ...
- اليوم العالمي للتطوع: نبض العطاء الإنساني


المزيد.....




- مستشار المرشد الإيراني لـCNN: أي اتفاق مع أمريكا سيتوقف على ...
- -يجب سحق حزب الله-.. سجال حاد داخل مجلس الوزراء الإسرائيلي ح ...
- حذرها بوتين من -السيناريو الأوكراني-... هل ترضخ أرمينيا للضغ ...
- فرنسا/ قضية الطفلة ليهانا: قتلت على يد والد صديقتها لتكشف -خ ...
- -قطتان في زقاق السياسة-.. حرب مبكرة على البيت الأبيض بين هار ...
- شاهين وصالح وشادي.. ثلاثة مخرجين وثلاث قراءات مختلفة لنكسة 1 ...
- بعد رسالة زيلينسكي بشأن إنهاء الحرب.. ماذا قال بوتين في أول ...
- حصري.. الرئيس اللبناني لإسرائيل: ألم تسأموا من الحرب منذ عام ...
- عون يتصل بمحمد بن سلمان ويأمل إعادة فتح أسواق السعودية أمام ...
- عون يتهم إيران بأنها تستخدم لبنان -كورقة ضغط-، والجيش الإسرا ...


المزيد.....

- ‫-;-وقود الهيدروجين: لا تساعدك مجموعة تعزيز وقود الهيدر ... / هيثم الفقى
- la cigogne blanche de la ville des marguerites / جدو جبريل
- قبل فوات الأوان - النداء الأخير قبل دخول الكارثة البيئية الك ... / مصعب قاسم عزاوي
- نحن والطاقة النووية - 1 / محمد منير مجاهد
- ظاهرةالاحتباس الحراري و-الحق في الماء / حسن العمراوي
- التغيرات المناخية العالمية وتأثيراتها على السكان في مصر / خالد السيد حسن
- انذار بالكارثة ما العمل في مواجهة التدمير الارادي لوحدة الان ... / عبد السلام أديب
- الجغرافية العامة لمصر / محمد عادل زكى
- تقييم عقود التراخيص ومدى تأثيرها على المجتمعات المحلية / حمزة الجواهري
- الملامح المميزة لمشاكل البيئة في عالمنا المعاصر مع نظرة على ... / هاشم نعمة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الطبيعة, التلوث , وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر - سرود محمود شاكر - اليوم العالمي للبيئة