|
|
دبلوماسية الديزل
كريم المظفر
(Karim Al- Modhafar)
الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 23:46
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الاتفاق بين الرئيسان الأمريكي والروسي، دونالد ترامب وفلاديمير بوتين، في مكالمتهما الهاتفية ، والقاضي بتزويد السوق العالمية بوقود الديزل الروسي ، وأعلان ترامب عبر منصة "تروث سوشيال" ، عن توصله إلى اتفاق مع بوتين لتوريد 4.8 مليون طن من وقود الديزل الروسي ، منها أكثر من 300 ألف طن بشكل فوري ، و500 ألف طن أخرى في نوفمبر، ثم مليون طن، وبعد ذلك، وبحسب حالة المصافي الروسية، 3 ملايين طن إضافية ، وأصدار وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصًا خاصًا لهذا الغرض ، ووفقاً لنائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك، بدأت روسيا برفع القيود المفروضة على صادرات وقود الديزل قبل الموعد المحدد، وهي على أهبة الاستعداد لبدء الشحن إلى الولايات المتحدة في أكتوبر ، وأثارت خطوة ترامب الكثير من الردود الدولية أنقسمت الاراء بصددها . وعلى مايبدو أن الرئيس الامريكي أستنفذ كل محاولاته لتدارك أزمة الديزل في بلاده ، وليس أمامه من خيار ، سوى الاتصال بالرئيس الروسي ، الذي لم يتردد في تلبية طلب الرئيس الامريكي ، فقد تجاوز متوسط سعر وقود الديزل في الولايات المتحدة 6 دولارات للغالون لأول مرة في التاريخ ، ووفقًا لشبكة CNN، يُباع الديزل حاليًا بسعر 8.38 دولارًا للغالون في لوس أنجلوس ، وفي بداية العام، كان سعره يزيد قليلًا عن 5 دولارات ، الامر الذي اوقع ترامب في حرج كبير امام ناخبيه . وبالنسبة للإدارة الأمريكية، فإن هذه قضية تتجاوز منذ زمن محطات الوقود ، فسائقو الشاحنات والمزارعون وشركات البناء بحاجة إلى الديزل ، حيث تؤدي تكاليف التوصيل الباهظة إلى زيادة نفقات الأعمال والضغط على الأسعار ، ومن الصعب شرح فوائد السياسة الخارجية للناخبين في ظل ارتفاع تكاليف معيشتهم اليومية ، ومثل هذه الازمة ستلقي بضلالها وبشكل كبير على انتخابات التجديد النصفي ، والتي هي على الأبواب، وترامب يدرك ذلك ، وقد يخسر الجمهوريون مجلسي الكونغرس، لأن الناخبين يعاقبون الحزب الحاكم على ما يسببه من خسائر مالية ، ووفقا للحسابات الواقعية ، فإن الرئيس بوتين يدرك ، أن ترامب بحاجة إلى وقود الديزل ، وبحاجة إلى أسعار أقل ، وبحاجة إلى أصوات المزارعين وسائقي الشاحنات ، وإذا منحته روسيا ذلك، فإنها ستتحمل التزامات. وموقف الجمهوريين مثير للقلق حقًا ، ففي تقييمها الصادر في التاسع من أكتوبر، توقعت مؤسسة كوك السياسية فوزًا للديموقراطيين يتراوح بين 9 و19 مقعدًا في مجلس النواب، ما يمنحهم ما بين 224 و234 مقعدًا، علمًا بأن الأغلبية المطلوبة هي 218 مقعدًا ، وفي الوقت نفسه، عدّل المحللون نتائج 18 دائرة انتخابية لصالح الديمقراطيين ، ووصفت كوك، في وقت مبكر من 23 سبتمبر، سباق مجلس الشيوخ بأنه مفتوح، دون مرشح واضح. إن خسارة أي من المجلسين ستُعقّد جهود ترامب التشريعية والميزانية ، وستتيح للمعارضة فرصًا إضافية لإجراء تحقيقات وممارسة ضغوط على الإدارة ، لذا، يُعدّ الوقود الرخيص ذا قيمة سياسية شخصية بالغة الأهمية للرئيس ، فهل سيساعده الديزل الروسي في الحفاظ على أغلبيته؟ ويُخفف ذلك من حدة السخط الشعبي ، إذا ما بدأت انخفاضات الأسعار تظهر قبل الانتخابات، لا سيما في المناطق التي تُحدد فيها تكاليف الوقود دخل المزارعين وشركات النقل ، ولكن بين الإعلان عن الشحنات وظهور النتائج الفعلية، يبقى مصير التسليم والتوزيع ورد فعل سوق التجزئة معلقًا، ومن المتوقع وصول بعض الكميات المعلنة بعد الانتخابات ، وستُتيح هذه الصفقة لترامب الحجة التي كان يفتقدها ، إذ يُمكنه إظهار أنه يتخذ إجراءات ملموسة لمواجهة ارتفاع الأسعار ، مع ذلك، لا يُمكنها وحدها تغيير التوقعات السلبية. ويطالب زيلينسكي ( المنتهية ولايته ) ، بفرض حظر ويتوعد بضربات جديدة ، ووصف " المهرج " الاتفاق بأنه غير عادل وغير نزيه ، ويخفي هذا الخلاف القصير تباينًا خطيرًا في المصالح ، حيث تسعى كييف إلى خفض عائدات الصادرات الروسية، بينما تحتاج واشنطن الآن إلى إمدادات إضافية من الوقود ، وتُعيق الضربات على مصافي النفط إنجاز مهمة يعتبرها الرئيس الأمريكي أولوية قصوى ، ووفقًا لموقع أكسيوس، ربط مسؤول أمريكي الاتفاق برفض كييف المتكرر وقف الهجمات على المصافي الروسية ، وذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن مسؤولًا أوكرانيًا رفيع المستوى أعلن نيته مواصلة الهجمات، رغم الاتفاق بين ترامب وبوتين ، وبالتالي فإن النتيجة الأرجح لهذا النزاع هي زيادة الضغط على كييف والمساومة على شروط الدعم ، مع ذلك، لا يوجد ما يدعو إلى التنبؤ بحدوث قطيعة فورية ، وقد تسعى واشنطن إلى الحد من بعض الإجراءات التي تتخذها أوكرانيا ، مع الاستمرار في تقديم المساعدة لها في مجالات أخرى. ومرة اخرى ظهر التناقض في السياسة الأمريكية ، فقبل اتفاقية الديزل بفترة طويلة ، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين أمريكيين ، قرارًا بتزويد أوكرانيا بمعلومات استخباراتية حول أهداف بعيدة المدى في البنية التحتية للطاقة الروسية ، وتتوقع واشنطن الآن تلقي إمدادات إضافية من المنتجات من هذا القطاع ، ويمكن تفسير الحسابات السياسية ببساطة ، فدعم أوكرانيا يحافظ على نفوذ الولايات المتحدة على روسيا ، وقدرتها على التأثير في شروط أي تسوية مستقبلية ، كما أن سحب المساعدات بالكامل سيقلل من فرص الولايات المتحدة في التأثير على القيادة الأوكرانية ، ولا يعني استياء واشنطن من بعض قرارات "زيلينسكي"، بالضرورة أنها تعتبر التعاون مع كييف برمته عديم الجدوى. وبما أن ترامب " لايؤتمن على وعد " ، فإن الولايات المتحدة تستطيع التفاوض مع موسكو بشأن الوقود ودعم خصمها في الوقت نفسه ، فهي تسعى في جانب إلى تحقيق مكاسب اقتصادية، بينما تواصل معارضة روسيا في جانب آخر ، وهذه السياسة متناقضة، لكن منطقها الأساسي واضح: الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الفرص وتقليل الالتزامات قدر الإمكان ، وينبغي لروسيا أن تنطلق من هذا المنظور تحديدًا ، فمبيعات الديزل تصب في مصلحتها التجارية ، ولا تستمد واشنطن مصداقيتها من مجرد توقيع ترخيص ، ويجب التحقق من النوايا الأمريكية من خلال قراراتها ، بشأن العقوبات والدعم العسكري والمفاوضات، لا من خلال كلمات الشكر على إمدادات إضافية. وتمتلك روسيا احتياطيات نفطية وتكريرية وإنتاجية تفوق استهلاكها المحلي ، وهذا يُتيح لها تلبية احتياجات سوقها المحلية والاستفادة من الطلب الخارجي ، ويُشكّل الطلب الأمريكي على الديزل فرصة إضافية لتحقيق ذلك ، وبالنسبة لموسكو ، فالمصلحة الاقتصادية وكما يشير اليها نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك ، واضحة تمامًا ، وتُدرّ المبيعات الإضافية عائدات تصديرية، وتدعم المصافي والنقل والتوظيف ، ومن خلال الضرائب، يُدرّ النشاط الاقتصادي عائدات للميزانية ، ولا تُترجم التكلفة الكاملة للوقود إلى إيرادات حكومية، لكن زيادة المبيعات تُوسّع فرص الحصول عليه ، وان روسيا مستعدة لتزويد امريكا بـ 300 ألف طن إضافية من الديزل في أكتوبر، و500 ألف طن في نوفمبر، ومليون طن في ديسمبر ، وعلى المدى المتوسط، قد تصل الإمدادات الإضافية إلى ثلاثة ملايين طن شهريًا. وتتجاوز الأهمية السياسية لهذه الصفقة مجرد التجارة ، فبوتين يُساعد ترامب في وقتٍ تُهدد فيه أسعار الوقود المرتفعة موقف حزبه ، وفي الوقت نفسه، لا تُقدم روسيا الموارد مجانًا، بل تُتيح لنفسها فرصة بيع منتجاتها وتعزيز التعاون الاقتصادي مع موسكو ، وبهذا المعنى، يُقدم بوتين لترامب فرصة حقيقية للنجاة السياسية ، ويبقى أن نرى ما إذا كانت هذه الفرصة ستُترجم إلى نتائج انتخابية ، وتُعطي هذه المساعدة موسكو سببًا لتوقع خطوات مُتبادلة سياسيًا، فلدى ترامب ما يُطالبه بالرد: عمل جاد على التوصل إلى تسوية، وقرارات ثابتة بشأن القيود، واستخدام النفوذ الأمريكي في كييف ، ولا يعني هذا أن اتفاقية الديزل تتضمن التزامًا سريًا بقبول الشروط الروسية، بل تُثير اهتمامًا إضافيًا بعلاقة العمل بين واشنطن وموسكو ، ويُمكن للدبلوماسية الروسية ، استغلال ذلك من خلال السعي إلى إجراء مناقشات جوهرية حول القضايا الإقليمية والضمانات الأمنية ، فهنا تُختبر قدرات ترامب ، فإنهاء الحرب سيكون إنجازًا كبيرًا في السياسة الخارجية ، لكنه لم ينجح بعد في إقناع كييف بالموافقة على تنازلات إقليمية ، امتلاك أدوات الضغط والإرادة لاستخدامها أمران مختلفان. إذن روسيا تُنقذ ترامب، لكن يبقى أن نرى ما إذا كانت روسيا ستحصل على أي شيء في المقابل، بخلاف المبلغ الزهيد من المال ، فهل ستتوقف الولايات المتحدة عن تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا؟ ، وهل ستتوقف خدمة ستارلينك للقوات المسلحة الأوكرانية؟ وهل سيتوقف إمدادها بالأسلحة والمدربين والأموال؟ ، خصوصا وان ترامب صرح بأن "خفض الأسعار للأمريكيين هو أولويته القصوى" ، أما بالنسبة لروسيا ، فالأولوية هي إنهاء الحرب.
#كريم_المظفر (هاشتاغ)
Karim_Al-_Modhafar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بين التهديد والتحذير
-
من فاز في الانتخابات الروسية
-
بريكس والتُجرّد من الدولار
-
مكمن قوة -بريكس-
-
سر هدية ويتكوف إلى بوتين
-
الخبث البريطاني من جديد
-
قنبلة ترامب النووية في -الفيفا -
-
حرب كرة القدم الثانية
-
ترامب وسقوط حقبة القوة الناعمة
-
على أوروبا ان تستعيد ثقة روسيا أولاً
-
روسيا وآسيان ورغبة التقارب
-
قنبلة غابارد البيولوجية
-
بوتين وشروط إنهاء سريع للصراع في أوكرانيا
-
أرمينيا على خطى أوكرانيا
-
حتى في الموت معايير مزدوجة
-
روسيا والصين في علاقات يحتذى بها
-
أين سيحلق صاروخ أوريشنيك؟
-
الذاكرة التاريخية لعيد النصر
-
أسعار النفط ومصير أوبك +
-
-أسلحة صينية لإيران- !
المزيد.....
-
قناة تابعة للحوثيين تبث لقطات لأضرار ناجمة عن الهجمات السعود
...
-
وزير الصحة السعودي يزور مصابي هجوم المطار في مستشفيات الرياض
...
-
مصر تكشف عن نسخة مرممة للوحة تعود للقرن الثاني الميلادي
-
مقتل مدني وإصابة ثلاثة آخرين في مقاطعة بيلغورود جراء هجوم أو
...
-
صحة غزة: 7 قتلى و28 إصابة خلال 24 ساعة
-
انفجار جديد بناقلة نفط بعد اصطدامها بلغم بحري في مضيق هرمز
-
وزير الخارجية البيلاروسي: احتجاجات فرنسا وإسبانيا ثمن دعم ال
...
-
بينيت: لن نشرك نتنياهو في الحكم بأي شكل من الأشكال
-
البيت الأبيض: ترامب غاضب من زيلينسكي بسبب ضرب المصافي الروسي
...
-
فلسطين تطلب اجتماعا طارئا للجامعة العربية والقدس في صدارة ال
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|