كريم المظفر
(Karim Al- Modhafar)
الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 12:01
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
على عكس زيارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب للصين ، وما شهدتها من أحداث غير متوقع ، من أستقبال غير لائق ، الى معاملة الرئيس الصيني شي جي بينغ ، التي أذل فيها ترامب ، حظيت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى بكين ، بأهتمام وترحيب كبيرين ، من الاستقبال عند سلم الطائرة ، الى مراسم التوديع ، وأصبحت محادثات بوتين وشي جين بينغ موضوعًا رئيسيًا في الصحافة الدولية ، وقد لاحظ العديد من المراقبين تواتر زيارات بوتين إلى الصين، عازيين ذلك إلى العلاقات بين البلدين، والتي ترتكز على التعاون السياسي والاقتصاد ، والزيارة أكدت وتيرة الاتصالات الدبلوماسية بين رئيسي الدولتين، والتي تتجاوز بشكل ملحوظ مستوى التفاعل مع الولايات المتحدة.
وبدأ البرنامج الحافل بحفل استقبال رسمي لرئيسي روسيا والصين، والذي يُعد تقليديًا الحدث الأبرز ، والأكثر إثارةً للاهتمام الإعلامي في الغرب ، فقد كان في انتظار الرئيس الروسي في ميدان تيانانمن، الميدان المركزي في الصين، حرس شرف وفرقة موسيقية رئاسية وسجادة حمراء ، وكما جرت العادة، يُفاجئ الجانب الصيني ضيوفه، ففي هذه المرة، استُقبل الوفد الروسي بإطلاق مدفعية احتفالية ، وإلى جانب النشيدين الوطنيين الروسي والصيني، عزفت الفرقة، إحدى أشهر الأغاني الروسية المحبوبة لدى الشعب الروسي، "ليالي موسكو" ، لكن المفاجآت لم تنتهِ عند هذا الحد، فقد عادت الصين مرة أخرى إلى أروع أشكال الترحيب، بل ربما أسمىها، بضيوفها الكرام ، ودُعي أطفال المدارس الصغار إلى الحفل لتحية رئيسي الدولتين.
وفرضت مراسم الشاي التي جمعت الرئيسين إيقاعها الخاص، فهي بطيئة ومتأنية ، وهذا يتيح للقادة التريث والتفكير ملياً فيما قالوه، وتجنب القرارات المتسرعة ، ويعكس الهدوء الذي يسود مراسم الشاي ثقة القادة في مواقفهم وفي استقرار العلاقات بين بلديهم ، كما يؤكد أن العلاقات بين روسيا والصين قد تجاوزت مجرد المسائل التجارية ، وتطورت هذه العلاقات إلى ثقة ثقافية وشخصية عميقة، مما يُجسد أسلوب الأعمال الشرقي القائم على الصبر والحكمة والتروي ، على عكس الأسلوب الغربي القائم على الصفقات السريعة.
واستمرت المحادثات بين الرئيسين لأكثر من ثلاث ساعات، في جلسات مغلقة وموسعة ، وأسفرت عن توقيع أكثر من 40 وثيقة ، من اتفاقية بناء خط سكة حديد إلى مذكرة تفاهم بشأن السينما، كانت مجموعة الإعلام الوطنية من بين الجهات التي تمكنت من إبرام سلسلة من الاتفاقيات ، وشمل ذلك على وجه التحديد الانضمام إلى مشروع "الحزام والطريق" الصيني الإعلامي، وهو شبكة تعاون إعلامي دولية، بالإضافة إلى التعاون مع مؤسسات إعلامية صينية رائدة، مثل صحيفة "تشاينا ديلي" ومجموعة "تشاينا ميديا غروب" (CMG) ووكالة أنباء "شينخوا".
ووقّع الزعيمان شخصيًا على وثائق رئيسية عقب المحادثات ، وتضمنت هذه الوثائق، في المقام الأول، بيانًا مشتركًا من 47 صفحة صادرًا عن روسيا والصين حول تعزيز شراكتهما الشاملة وتعاونهما الاستراتيجي ، وعلى وجه التحديد، أكدت موسكو وبكين مجددًا على ضرورة حل النزاع الأوكراني عبر الحوار، وعارضتا استخدام القوة وخلق تهديدات أمنية لكوريا الشمالية ، وسُجّلت الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران رسميًا ، باعتبارها انتهاكًا للقانون الدولي وتقويضًا للاستقرار في الشرق الأوسط.
وبشكل عام، تربط روسيا والصين علاقات تعاون وثيقة في جميع المجالات تقريباً ، وقد تجاوز حجم التبادل التجاري بينهما 200 مليار دولار أمريكي لعدة سنوات ، ولا تزال الطاقة المحرك الرئيسي لهذا التعاون، حيث تُعد روسيا من كبار مصدري الطاقة إلى الصين، التي تحافظ بدورها كمورد موثوق ، وفي ظل الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط، فإن روسيا على أتم الاستعداد لمواصلة تزويد السوق الصينية المتنامية بسرعة بالنفط والغاز والغاز الطبيعي المسال.
ويرى المراقبون إن هذه هي المرة الأولى التي تستضيف فيها الصين قادة روسيا والولايات المتحدة ، في نفس الشهر خارج إطار متعدد الأطراف ، ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يؤدي التتابع السريع للقمم إلى تغيير أو حجب الأجندة الأوسع للتعاون الصيني الروسي ، فقد أكدت العديد من البيانات المشتركة ، أن العلاقات بين بكين وموسكو تتميز باتصالات طويلة الأمد ومتبادلة ومتكررة للغاية ، في وقت تستمر قوة الصين الاقتصادية والسياسية على الساحة العالمية في النمو.
ومن الوثائق الأخرى ذات الأهمية البالغة إعلان إقامة عالم متعدد الأقطاب، حيث عارضت روسيا والصين فيه صراحةً الهيمنة ومحاولات الدول الفردية لحكم الشؤون العالمية بشكل أحادي ، وأعلنت موسكو وبكين أن المحاولات السابقة لفرض مصالح دول منفردة على العالم "بروح الحقبة الاستعمارية" قد باءت بالفشل ، وحذّر شي جين بينغ من خطر "العودة إلى قانون الغاب" ، وهنا، كما أوضح فلاديمير بوتين، يلعب "الرابط الاستراتيجي الروسي الصيني" دورًا استقراريًا.
وفي ظل التطورات الدولية وتحذير الرئيسين الروسي والصيني من أن العالم يُخاطر بالعودة إلى "قانون الغاب""قانون الغاب" ، هذه الكلمات قوبلت بردود فعل قوية في الغرب، فقد أفادت شبكة CNN أن زيارة بوتين للصين كانت أكثر ودية من زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة ، وأوضحت أن الرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال لقائه بفلاديمير بوتين في بكين، وصف العلاقات الروسية الصينية بأنها قوة "للهدوء وسط الفوضى " ، وترى صحيفة الغارديان البريطانية أن لقاء الزعيم الروسي بالرئيس الصيني، بعد أربعة أيام من زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبكين، يُشير إلى قوة العلاقة بين بوتين وشي جين بينغ ، وأشار ويليام يونغ، كبير المحللين في مجموعة الأزمات الدولية، إلى أن الرئيس الصيني يحاول بذلك تذكير الرئيس الأمريكي ، بأن بكين لديها علاقات أخرى قوية وموثوقة ، وبالتالي، لن تتمكن واشنطن من عزل الصين أو إلحاق الضرر بها بسهولة.
وفي الولايات المتحدة يرون أن اجتماع بوتين وشي جين بينغ أكد على أهمية القادة الذين يسعون إلى تحقيق المنفعة المتبادلة من خلال التعاون في سياق الاعتراف التدريجي بتعدد الأقطاب ، وتتمثل الفوائد المباشرة في التبادل التجاري والتكنولوجي ، وقد تم تهيئة الظروف اللازمة لمزيد من التعاون في قطاع الطاقة ، ووفقًا للنائب الديمقراطي السابق في الكونغرس الأمريكي، دينيس كوسينيتش، ينبغي على السلطات الأمريكية أن تُدرك أن تطور العلاقات الدولية يتجه نحو الابتعاد عن النهج الأحادي والقطبية الأحادية ، وأن التقدم لا يتحقق إلا من خلال مراعاة المصالح المشتركة والاعتراف بالإنسانية المشتركة ، كما أشار ق إلى أن الحرب ضد إيران تُظهر عجزًا عن فهم الواقع العالمي المتغير، وأن العنف يعكس أسوأ جوانب الطبيعة البشرية ، وإن الاجتماع بين الرئيس الروسي والصيني يُعزز التجارة ويُقوي التعاون بين روسيا والصين، لا سيما في مجالي الطاقة والتكنولوجيا
وأكدت نتائج المحادثات في بكين على أعلى مستويات التعاون بين روسيا والصين، وعلى المنفعة المتبادلة بينهما ، وستضمن روسيا استمرار إمدادات النفط والغاز إلى الصين دون انقطاع ، وفي خضم الأزمة في الشرق الأوسط، أكد فلاديمير بوتين أن روسيا لا تزال تحافظ على دورها كمصدر موثوق للموارد ، وأضاف شي جين بينغ أن من المهم اليوم للبلدين تعزيز التعاون السياسي لكي يظل كل منهما ركيزة استراتيجية للآخر ، ولا تكاد توجد قطاعات بين موسكو وبكين لا يشهد فيها التعاون تطوراً ، ويُعدّ توقيع نحو 40 اتفاقية عقب المحادثات مؤشراً رئيسياً على ذلك ، وقد وقّع الزعيمان شخصياً على وثيقتين هامتين، ترسّختا رؤيتهما المشتركة لنظام عالمي جديد.
وفي ظل الأزمة الإيرانية والتوترات العامة في الخليج العربي، أصبح التدفق المستقر لموارد الطاقة الروسية أكثر أهمية بالنسبة للصين من حيث تنويع مصادر الطاقة واستقرارها ، لكن العلاقة لا تقتصر على الإمدادات الطارئة ، فبكين وموسكو تعملان على تعميق شراكة أوسع في مجال الطاقة تشمل النفط والغاز ، وخطوط الأنابيب والغاز الطبيعي المسال والطاقة النووية والكهرباء وآليات الدفع، كما صرّح خبير نادي فالداي، هاو نان، لصحيفة إزفستيا.
لقد جاءت هذه الزيارة في عامٍ تاريخي للعلاقات الروسية الصينية، إذ شهد قبل 25 عامًا توقيع معاهدة تاريخية بين البلدين، معاهدةٌ تُعنى بحسن الجوار والصداقة والتعاون ، وقال فلاديمير بوتين خلال المحادثات الموسعة: "وبذلك، وُضعت أسسٌ متينة لتطوير شراكة شاملة وتفاعل استراتيجي بين بلدينا.. واليوم، بلغت العلاقات الروسية الصينية مستوىً غير مسبوق ، وفي الوقت نفسه، تتسم علاقاتنا بالاكتفاء الذاتي، فهي مستقلة عن الوضع العالمي الراهن، وتُعدّ نموذجًا يُحتذى به في بناء العلاقات بين الدول والشعوب" ، وبدوره أيد شي جين بينغ هذا الرأي، مؤكدًا على ضرورة مواصلة روسيا والصين تعزيز تعاونهما السياسي للحفاظ على مكانتهما كمعقل استراتيجي لكل منهما ، وكل شيء يسير في هذا الاتجاه، إذ تُصادف زيارة الرئيس الروسي اليوم الذكرى الخامسة والعشرين لتوقيع المعاهدة. كما يزور بوتين العاصمة، بالإضافة إلى شنغهاي وتيانجين وتشينغداو وهاربين.
#كريم_المظفر (هاشتاغ)
Karim_Al-_Modhafar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟