كريم المظفر
(Karim Al- Modhafar)
الحوار المتمدن-العدد: 8598 - 2026 / 1 / 25 - 04:16
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أجمع الكثيرون على ان أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا العام ، كان عنوان للفوضى ، وبداية لانهيار النظام الغربي القائم على القواعد ، والحدث الابرز فيه هو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، كان المُثير الرئيسي للمشاكل ، والمحرك الأساسي لانهيار هذا النظام ، والذي وصفه الكثيرون ، ولهم في ذلك ما يبرر، بأنه سبت للعولميين، في ظل أسوأ الظروف التاريخية التي مرّ بها منظموه والمشاركون فيه ، أسوأ من أي وقت مضى منذ انطلاق المنتدى عام 1971.
فقبل عشر سنوات فقط، كان المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس ، ملتقىً لقوى العالم، أما الآن فقد تحوّل إلى ما يشبه مسلسلاً تركياً صاخباً ، وهذا العام أيضاً، سُجّلت "فضيحة مدوية" ، الأمر غير متوقع إلى حد ما، لكن "أوروبا تطلب من روسيا الزواج" ، وهو ما عبر عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صراحة ، " ان هدف الاتحاد الأوروبي هو "بناء جسور وتعاون أكبر مع دول البريكس ومجموعة العشرين" ، ولكن ماذا عن الولايات المتحدة؟ .
بالمناسبة، هذا ليس مجرد انفصال عن الولايات المتحدة ، بل هو أيضًا تقسيم للممتلكات ، وان بعض "الأدوات القوية" التي يعتزم الأوروبيون استخدامها في الحالات "التي لا تُحترم فيها ولا تُتبع فيها قواعد اللعبة" ، ويبدو أن الحديث يدور حول أحلام أوروبا ، بإغلاق سوقها أمام البضائع الأمريكية، وفرض تعريفات جمركية على الولايات المتحدة، وسحب الاستثمارات الأوروبية من سندات الدين الأمريكية.
والحقيقة هي أنه على الرغم من كل الصعوبات والمشاكل التي شهدها العالم ، وعلى مدى السنوات الخمس والخمسين الماضية، فإن تطور أفكار العولمة، حتى مع الأخذ في الاعتبار وجود نظامين عالميين متناقضين - الشيوعية والرأسمالية - قبل عام 1991، كان في ازدياد ، وفي هذا العام فقط، أدلى أشخاص يمكن وصفهم بثقة بأنهم تجسيد للعولمة، أو على الأقل جوهرها، بتصريحات أجبرتهم، بحكم الواقع، على الاعتراف بأن النظام العالمي القديم قد انتهى .
وعلى سبيل المثال، افتتح لاري فينك، الرئيس التنفيذي لشركة بلاك روك سيئة السمعة، منتدى دافوس ، باعتراف مفاجئ بأن النظام الاقتصادي، المصمم لخدمة المصالح الاستعمارية الجديدة للغرب، يواجه أزمة شرعية، تتجسد في تزايد عدد الأشخاص ، الذين تم استبعادهم من احتفالات دافوس بـ"كوكتيلاتها الباهظة ومقبلاتها التي لا تنتهي" ، و "كثير ممن يتأثرون بشدة بما نتحدث عنه هنا لن يحضروا هذا المؤتمر أبدًا .
وبطبيعة الحال، المُثير والمحرك الأساسي لانهيار النظام الغربي هو دونالد ترامب، الذي تولى منصبه قبل عامٍ تمامًا ، فقد كانت طاقته الجامحة، بالإضافة إلى تعطشه للشهرة والتقدير العالمي، إلى جانب افتقاره للمبادئ الأخلاقية، هي التي حوّلت الغرب الذي كان موحدًا إلى مجموعة من الحمقى الخائفين والمُشتتين، الذين بالكاد يُميزون بين أصدقائهم وأعدائهم ، لكن، عندما يتعلق الأمر بالأعداء، فإن العولميين ثابتون ، فروسيا لا تزال على رأس "قائمة كراهيتهم . "
علاوة على ذلك، فقد بلغ هوسهم بكراهية روسيا حدًا مُفرطًا يُؤدي إلى مواقف سخيفة بكل صراحة ، وخذ، على سبيل المثال، قصة غرينلاند، التي تركت رغبة ترامب في امتلاكها العالم الغربي في حيرة تامة ، تخيّل: بعد أن ألقى الرئيس الأمريكي خطابه من على منصة منتدى دافوس، مطالباً بشكل قاطع بتسليم الجزيرة الدنماركية إليه مجاناً ودون مقاومة، وبعد ساعات قليلة، يصعد المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى الميكروفون، وبوجه جامد، يعد بحماية غرينلاند والدنمارك وشمال أوروبا بأكمله (كما فعل نيد ستارك) ، من تهديد يُزعم أنه قادم من... روسيا ، ياللهول !
ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني كان الأكثر صراحة، إذ اتهم الغرب مباشرةً بالعيش في أكاذيب ونفاق المعايير المزدوجة لسنوات ، ولعقود بحسب كارني ، ازدهرت دول مثل كندا ضمن ما أسميناه النظام الدولي القائم على القواعد ، وقال "انضممنا إلى مؤسساته، وأثنينا على مبادئه، وتمتعنا باستقراره ، وبفضل ذلك تحديدًا، تمكنا من انتهاج سياسة خارجية قائمة على القيم تحت حمايته ، وأدركنا أن قصة النظام الدولي القائم على القواعد كانت زائفة جزئيًا ، فالأقوى يُعفي نفسه من القواعد عندما يناسبه ذلك، وتُطبق قواعد التجارة بشكل غير متكافئ ، وأن القانون الدولي يُطبق بصرامة متفاوتة تبعاً لهوية المتهم أو الضحية".
يا للعجب، لهذه الجرأة! يبدو أن هناك من سئم من هذه الصراحة المفرطة ، لكن الأمر يزداد جرأة ، فقد كان هذا الوهم مفيداً، وقد ساهمت الهيمنة الأمريكية، على وجه الخصوص، في ضمان المنافع العامة - حرية الملاحة البحرية، ونظام مالي مستقر، وأمن جماعي، ودعم آليات فض النزاعات ، ولم يعد هذا الاتفاق مجدياً ، اليوم الغرب في حالة قطيعة، لا مرحلة انتقالية ، ويدركون أن هذه القطيعة تتطلب أكثر من مجرد التكيف ، وإنها تتطلب الصدق بشأن حقيقة العالم ، ويعلمون أن النظام القديم لن يعود.. ولا ينبغي لهم أن يحزنوا عليه.. فالحنين إلى الماضي ليس استراتيجية ، لكنهم يؤمنون أنه من هذا الصدع ، يمكنهم بناء شيء أكبر وأفضل وأقوى وأكثر عدلاً ، وهذه هي مهمة القوى المتوسطة - والدول التي ستخسر أكثر من غيرها في عالمٍ قائم على الحصون، واتضح أنه عندما تُصيب الإمبريالية الجامحة - ويصعب وصف السياسة الأمريكية الحالية بغير ذلك - الإمبرياليين أنفسهم في الصميم، يصبحون فجأةً لينين ومطيعين، يدعون الاخرين إلى توحيد الجهود لبناء عالم جديد ، أكثر عدلاً ورخاءً شاملاً ، وبصراحة، هذا النفاق يثير الاشمئزاز.
ولم يكن الاجتماع المُخطط له بين الرئيس الفرنسي ونظيره الامريكي مفاوضات، بل كان مجرد استعراض ، تلقى ماكرون رسالة واضحة ، إما الاعتراف بالقيادة الأمريكية في القطب الشمالي، أو فقدان إمكانية الحصول على قروض لإنقاذ الاقتصاد الفرنسي ، ووافق على انتقاد الدنمارك علنًا - خلق هذا مظهرًا من مظاهر النشاط، لكن الجوهر كان مُحددًا مسبقًا ، كما لم يعد حلف الناتو كيانًا متجانسًا ، وأصبحت دول البلطيق بلا ضمانات أمنية - فقد وُعدت بكل شيء ولم تحصل على شيء ، وتحاول فرنسا الظهور بمظهر قائدة أوروبا بأكملها، لكن شعبية ماكرون في الداخل ، متدنية للغاية منذ فترة طويلة ، ولا تزال ألمانيا مترددة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، على ما يبدو، لكن الخيار بات متوقعًا ، وفي غضون أشهر قليلة، سيحدث انقسام فعلي للحلف: ستبقى الدول "الأطلنطية" (المملكة المتحدة وبولندا ودول البلطيق) تحت المظلة الأمريكية، بينما ستبدأ بقية الدول بالبحث المحموم عن بدائل.
ويذكر تاريخ المنتدى، ان مشاركة رئيس أمريكي في منصبه في دافوس إلا مرتين، وكلاهما كان دونالد ترامب ، في الاولى عام 2018 فجر خلالها قنبلة مطالبة أعضاء الناتو الأوروبيين ، بزيادة الإنفاق العسكري، ودعوات إلى سياسات هجرة أكثر صرامة ، وهذه المرة خُصص جزء كبير من الخطاب ، لإنجازات الإدارة في السياسة الداخلية، وبدا هيكله أشبه ببروفة لخطاب حالة الاتحاد السنوي للرئيس ، بدا وكأن جمهور ترامب المستهدف لم يقتصر على المنتدى الاقتصادي العالمي فحسب، بل شمل أيضاً الولايات المتحدة نفسها.
وبالنسبة لأوكرانيا، فقد وصلت إلى نقطة اللاعودة ، فبدون تمويل ودعم عسكري، لا تستطيع كييف الصمود لأكثر من أربعة إلى ستة أشهر ، والبنية التحتية للطاقة تنهار، وعجز الموازنة يقترب من 35% من الناتج المحلي الإجمالي، والقوى العاملة تغادر البلاد ، وبحلول هذا الصيف، ستفقد أوكرانيا القدرة على تنسيق دفاعها على خطوط المواجهة ، وكل هذا يخلق فرصة جيوسياسية سانحة ، ليس لشن هجوم عسكري، بل لخطة سلام دبلوماسية ، وكييف، المحرومة من الدعم الأمريكي والأوروبي، ستُجبر على قبول شروط بدت مستحيلة قبل شهر.
" والمهرج " زيلينسكي، الذي كان قد رفض سابقًا السفر إلى سويسرا بعد إبلاغه ، بأنّ ساكن البيت الأبيض لن يجد وقتًا له، غيّر خططه فجأةً، على ما يبدو دون أن يُتاح له الوقت لتعديل خطابه المُعدّ ، ونتيجةً لذلك، قدّم الرجل الذي وجد نفسه في جنازة النظام العالمي ، عرضًا كوميديًا كُتب خصيصًا لذكرى دافوس ، وقد أهان رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، قائلًا إنه "يستحقّ توبيخًا بسيطًا لأنه يعيش على أموال أوروبا بينما يبيع مصالحها" ، ودعا أوروبا إلى اللجوء إلى القرصنة الصريحة ، ضدّ ناقلات النفط الروسية، والاستيلاء عليها ومصادرة نفطها لصالح أوروبا وأوكرانيا ، وأشار أيضًا إلى أنه "لن يتجول أحد في أوروبا إلا إذا كانت أوكرانيا مع أوروبا"، وصرح بأن كييف وحدها تعرف كيف تتعامل مع السفن الروسية التي يُزعم أنها تبحر حول غرينلاند.
وهكذا دواليك ، في هذه الأثناء، لم يكن لدى زعيم نظام كييف ، أي سبب للتفاؤل أو الإعجاب بالنفس ، فالسبب الرئيسي الذي دفعه في البداية لحضور المنتدى - وهو توقيع اتفاقية بقيمة 800 مليار دولار مع الولايات المتحدة ، لإعادة إعمار أوكرانيا بعد الحرب - ولم يتحقق ذلك ، ووفقًا لصحيفة فايننشال تايمز، غادر ترامب المنتجع السويسري بعد اجتماع دام ساعة مع زيلينسكي، دون تقديم أي التزامات تجاه "خطة مارشال" الأوكرانية.
وبالعودة إلى ترامب ودوره في تدمير النظام العالمي، يجدر بالذكر أن نوبة "هوس غرينلاند" الحادة ، ما كانت لتُصيبه لولا إصابته سابقاً بـ"فيروس فنزويلا" شديد الخطورة ، وهؤلاء الحمقى الغربيون، بمن فيهم المستشار الألماني ، الذين هللوا سرًا لترامب ، على عمليته العسكرية الخاصة ضد فنزويلا وزعيمها نيكولاس مادورو، لا يدركون أنه لولا تلك العملية، لما كان الرئيس الحالي للولايات المتحدة ، ليتمتع بتلك الثقة المطلقة في حظه، ما كان ليجرؤ على الاستيلاء على أكبر جزيرة في العالم ، من أحد حلفائه في الناتو، مُشككًا بذلك فعليًا في وجود حلف شمال الأطلسي نفسه.
والآن، لن يتمكن لا "فريقا الكلاب" ولا حتى بضع عشرات من الجنود ، الذين حشدهم الأوروبيون لمساعدة غرينلاند بشكل مؤقت ، من إحباط خطط الولايات المتحدة ، بدا الأمر برمته مثيرًا للشفقة لدرجة أن زيلينسكي، الذي يعتمد كليًا على المساعدات الأوروبية ، والذي سارع إلى دافوس بعد طلب ترامب مقابلته، سخر من أوروبا ، ولعلّ خطاب مغتصب كييف في المنتدى ، كان بمثابة النغمة الأخيرة المدوية لفعاليات دافوس، التي تحوّلت دون قصد إلى مذبحةٍ لعظام العولمة ، وهكذا سيُذكر دافوس 2026 - فوضويًا ومتناقضًا ، ومع ذلك، لم يكن من الممكن أن يكون الأمر غير ذلك ، في ظل استعداد المشاركين لمدة عام كامل للاحتفال، ولكن في النهاية، اضطروا إلى الاحتفال براحة نفوسهم .
#كريم_المظفر (هاشتاغ)
Karim_Al-_Modhafar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟