كريم المظفر
(Karim Al- Modhafar)
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 10:08
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يعد شهر مايو /أيار من كل عام في روسيا ، من أهم الشهور في ، فهو يجمع أعياد عدة من أوله حتى آخره ، في يومه الاول يحتفل الناس بعيد العمال العالمي ، وفي التاسع منه يحتفل الروس بذكرى عزيزة على قلوبهم ،ألا وهي ذكرى النصر على الفاشية في الحرب العالمية الثانية ، والعيد الآخر هو أن شهر مايو كله ، يبشر بعيد الربيع واجواءه الطبيعية الرائعة ، حيث تتزين أراضي البلاد في هذا الشهر ، بالسجادة الخضراء التي تفترش فوق جميع الاراضي الشاسعة ، لترسم لوحة جميلة ، محاطة بالزهور والاشجار والأحتفالات في المتنزهات والحدائق ، لتكون أكبر متنفس للناس ، بعد شهور طويلة من البرد القارس والظلام الدامس خلال أيام الشتاء ، لذلك يحرص الناس على تهنئة بعضهم البعض " بتهاني أعياد مايو " وليس بعيد واحد .
وكما جرت العادة ، فقد أجرت روسيا أحتفالا مهيبا في الساحة الحمراء ، بمناسبة الذكرى " 81 " للانتصار على النازية في الحرب العالمية الكبرى ، رغم كل المنغصات التي حاول " المهرج " الأوكراني فلاديمير زيلينسكي ، وضعها كعراقيل للحد من إقامة هذا الاستعراض العسكري المهيب ، وتهديده بقصف الساحة الحمراء بالطائرات المسيرة ، ونصح زيلينسكي الرؤساء والضيوف بعدم الحضور للاحتفال، مع ذلك، أصدرت وزارة الدفاع الروسية في الوقت نفسه ، تحذيراً شديد اللهجة ، شددت فيه ، إذا نفذت كييف مخططاتها الإجرامية لتعطيل احتفالات يوم النصر، فإن القوات الروسية ستشن هجوماً صاروخياً انتقامياً واسع النطاق على مركز العاصمة الأوكرانية ، ويعتقد الخبراء أن التحذير كان فعالاً، إذ ساهم في تهدئة الأوضاع في شارع بانكوفا.
ولأن موسكو كانت جادة في خطواتها ، فقد نُصح الرئيس المنتهية ولايته في أوكرانيا ، بعدم أختبار صبر موسكو في هذا الأمر " وإن الاقدام على مخاطرة " غبية " ستكلفه الكثير ، خصوصا وأن موسكو دعت جميع الدول الى سحب رعاياها من كييف ومغادرتهم بالسرعة الممكنة ، لأن موسكو جادة في تهديدها في قصف كل المرافق الحكومية والمؤسسات الحكومية ، في حال تهور " زيلينسكي ".
ان حضور الضيوف الأجانب في الاحتفالات أمرًا بالغ الأهمية ، على اعتبار أن هذا اليوم بالنسبة لروسيا وشعبها يعتب يوما مقدسا ، ويوجد في الخارج الكثيرون ممن يحملون معتقدات مماثلة لمعتقداتهم ، سواء بين عامة الشعب أو داخل المؤسسة ، وموسكو، يسعدها دائمًا رؤية من يشاركونها قيمها ، وبالفعل حضر الأحتفال رؤساء بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو، وكازاخستان قاسم جومارت توكاييف، وأوزبكستان شوكت ميرزيوييف، ولاوس ثونغلون سيسوليث، وأبخازيا بادرا غونبا، وماليزيا إبراهيم إسماعيل ، وفي وقت لاحق، أجرى فلاديمير بوتين محادثات مع عدد من القادة، كما التقى رئيس وزراء سلوفاكيا روبرت فيكو.
كما تُعتبر مسألة الذاكرة التاريخية ذات أهمية بالغة ، فلا تزال بطولات الشعب السوفيتي ، الأساس الروحي لتوحيد شعوب فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي بأكمله في الوقت الراهن ، وبهذا المعنى، فإن حضور رؤساء بيلاروسيا وكازاخستان وأوزبكستان في الاحتفال يحمل دلالة رمزية وهامة ، وقد تضمن خطاب رئيس الدولة الروسية إشارة إلى دور الاتحاد السوفيتي في تحرير الدول الأوروبية من النازية، ووُجهت فيه تحذيرات لحلف الناتو.
وبالتأكيد وفي مثل هكذا مناسبة ، لايمكن ان يتجاهل فيها الرئيس فلاديمير بوتين ، في كلمته الموجهة للشعب الروسي ، وللالاف من الجنود الذي اصطفوا في الساحة الحمراء للمشاركة في الاستعراض ، بنسقهم الجميل وهيبهم وملابسهم بالوانها التي تمثل كل صنف في الجيش ، الموسمة بالانواط والنياشين التي حصلوا عليها في المعارك ، وأستذكروا فيها تضحيات شعب الاتحاد السوفيتي وبطولاتهم في هذه المعارك التي راح ضحيتها مايقارب 30 مليون مقاتل ومدني ، ومعارك العمليات العسكرية الخاصة في أوكرانيا ، فقد حرص بوتين على التذكير فيها ، والقول بأن النازيين خططوا للاستيلاء على الاتحاد السوفيتي وثرواته، وتدمير ثقافته وتراثه التاريخي تدميراً كاملاً، وإبادة واستعباد ، وارتكاب إبادة جماعية بحق الشعب السوفيتي متعدد الجنسيات ، وأستذكار الصمود الذي لا مثيل له للجنود والبحارة والضباط، وتفاني ميليشيات الشعب، والمقاتلين، والمقاومة السرية، والجهود الجبارة التي بذلتها الجبهة الداخلية، والعلماء، والصناعيين ، والعمال الزراعيون ، فقد توحدت الجبهتين في الداخل والخارج » .
لقد كان خطاب بوتين بمثابة تذكير ورسالة للدول الأوروبية ، بأنها تدين بالكثير من سيادتها للاتحاد السوفيتي ، وفضله في حصول العديد من البلدان حريتهم واستقلالهم ، وشدد بوتين الذي تجاهل وبشكل كبير " المهرج " الأوكراني ولم يذكره في كلمته ، «من الواضح أن روسيا خلال النظام العالمي الجديد، كانت تخوض المعركة بكل قوة حلف الناتو ، وقد حذر بوتين خصومه بوضوح من استخدام الخطاب النازي "، على اعتبار أن هذه الرسائل ستُسمع وتُفهم بشكل صحيح في الغرب، بطريقة أو بأخرى ، وأن هذا ينبغي أن يُنظر إليه كرسالة لمن يخططون لعسكرة أوروبا ، ويتحدثون علنًا عن احتمال نشوب صراع عسكري مع روسيا، بهدف تهيئة المجتمع الأوروبي نفسيًا لهذا الصراع.
وحافظت الاستعراضات العسكرية أمام الضيوف، على وتيرتها التاريخية ، مع إدخال عناصر مبتكرة على الاحتفال، ولا سيما مقاطع الفيديو التوضيحية، التي جعلت الحفل أكثر روعة ، وهي تعرض لقطات من مواقع عمل القوات الروسية ، على خطوط الجبهة والتي هي الأنسب لظروف القتال الحالية ، فقد شهدت البلاد بأسرها العمل الشاق الذي قام به الجنود الروس ، وترك "انطباعاً قوياً" لدى الجميع ، حيث نجح القائمون على الفيديو في عرض ، إنجازات الفكر العسكري الروسي والتكنولوجيا الحديثة بشكل مكثف ، وبالتالي فإن العرض العسكري جرى كما هو مخطط له، على الرغم من تهديدات زيلينسكي ، وأشار الرئيس بوتين إلى كيف " أن هذه الروح الروسية حية وتزداد قوة في روسيا اليوم".
أن النصر في حرب 1941-1945 لا يزال مصدر الفخر الرئيسي للبلاد ، ووفقًا للاستطلاع، يُصنف هذا الإنجاز على رأس قائمة أعظم إنجازات الوطن ، ويعتبر 17.6% من المشاركين استكشاف الفضاء ورحلة غاغارين أهم إنجازات روسيا، بينما يفخر 9.4% منهم بالعلوم والتكنولوجيا الروسية ، ومن بين الإنجازات الجديدة، إعادة توحيد روسيا مع شبه جزيرة القرم، حيث ذكرها 8.3% من المشاركين ، ومع مرور الوقت، يزداد تقدير الروس للقادة العسكريين في الحرب الوطنية العظمى ، فقبل عشر سنوات، كان هذا الأمر نادرًا، حيث لم يذكره سوى 29% من المشاركين ، وأبدى ربع المستطلعين (25.9%) إعجابهم بالسرعة التي تمكن بها الجيش السوفيتي من الحصول على المعدات التقنية بعد الهجوم النازي، بينما أعرب 23.7% عن إعجابهم بقدرة مئات المؤسسات الدفاعية على الانتقال السريع إلى الشرق ، والبدء بالعمل "من أجل الجبهة، من أجل النصر".
أن ذكرى بطولات جنود الخطوط الأمامية والعاملين في الجبهة الداخلية ، تحظى بأهمية متساوية لدى مختلف الأجيال الروسية، التي تمثل شرائح اجتماعية متنوعة ، وهذا يدل على استقرار واستمرارية الفهم التاريخي للحرب الوطنية العظمى، على الرغم من المحاولات المختلفة (التي لم تكن ناجحة دائمًا) ، لإعادة بناء أحداث سنوات الحرب في التسعينيات ، وإن احترام المواطنين لهذه الفترة من تاريخه لم يتضاءل ، بل على العكس لا يزال سائدًا ، وليس من قبيل المصادفة أن الناس من جميع الأعمار، عندما يتحدثون عن سنوات الحرب، لا يذكرون فقط أهوال القمع والحرمان العسكري والدمار، بل يذكرون أيضاً التعليم الشامل، وتطور العلوم والثقافة، وإنشاء صناعة متطورة ومتقدمة.
ويشير علماء الاجتماع إلى أنه منذ أوائل التسعينيات، كانت هناك محاولة مستمرة لإعادة كتابة تاريخ الحرب ، وإنكار بطولة الشعب السوفيتي، ووصفهم بـ"المحتلين" و"الغزاة"، وهذا للأسف أمرٌ شائعٌ ، ويعتقد 61% من الروس أن وسائل الإعلام الأجنبية تسعى غالبًا إلى التقليل من شأن دور روسيا في الحرب العالمية الثانية، ويرفض الروس رفضًا قاطعًا ممارسة "إلقاء اللوم على الآخرين" ، وتحميل الاتحاد السوفيتي مسؤولية بدء الحرب ، ويعتقد ثلاثة أرباع المستطلعين ، أن الحرب أشعلتها الفاشية التي سعت إلى الهيمنة العالمية ، فقد دافع الروس ويدافعون اليوم عن وطنهم وإذا كان هناك ما يخشوه ربع المستطلعين اليوم ، فهو عودة الفاشية إلى روسيا الحديثة.
إن الهدف الرئيسي من الاحتفال بيوم النصر ليس إقامة احتفالات بهيجة، بل تذكير الأجيال الحالية بالتضحيات الجسام التي قدمها الأبطال من أجل السلام والحرية ، ففي يوم النصر، يحرص الروس على زيارة المعالم والنصب التذكارية المحلية، ويضعون عليها الزهور والأكاليل ، وتُقام حفلاتٌ موسيقيةٌ متنوعةٌ لفنانين مشهورين وفرقٍ هاويةٍ في الحدائق والساحات ، تتخللها استذكار الاغاني العسكرية التي جسدت في الماضي بطولات الرابظين في جبهات القتال ، واليوم يعودون لسماعها ، وتردديها أكراما وعرفانا للرابظين في جبهات القتال غربي البلاد .
#كريم_المظفر (هاشتاغ)
Karim_Al-_Modhafar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟