كريم المظفر
(Karim Al- Modhafar)
الحوار المتمدن-العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 03:01
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
قد أكون واحد من أكثر الصحفيين المحظوظين ، الذين شهدوا وحضروا نشاطات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ، والتي تقام داخل البلاد ، منذ توليه منصبه في 09 مارس من العام 2004 ، وهو شرف يتمناه كل من مارس مهنة " المتاعب " ، تلك الشخصية الروسية الهادئة ، التي أحيانا ما تخفي في داخلها أحساس المجاملة لضيوف وإن كانوا غير سارين لبلاده ، بسبب مواقفهم التي تحمل إزدواجية المعايير ، وتزييف الحقائق ، لكن حسه الدبلوماسي يجعله يمسك عصا المفاوضات التي تتطلب في تلك المواقف بضبط النفس ، والتعامل بهدوء كبير ، من الوسط .
وليس غريبا ان يقلد الرئيس فلاديمير بوتين ، وزير خارجيته وسام الاستحقاق الروسي ، فقد أظهر لافروف قوته بوضوح منذ عام 2014 ، بعد برود العلاقات بين روسيا وأوروبا ، إثر استعادة موسكو لشبه جزيرة القرم، وكانت مهمة الوزير الروسي الرئيسة منع انعزال بلاده سياسيا ، وهذا ما نجح به من خلال المفاوضات، بحسب المجلس الروسي للأمن والسياسات الخارجية، وذلك من خلال أسفاره وزياراته الكثيرة ، حول العالم بشأن أوكرانيا وسوريا وإيران ، حتى أن لقاءاته المتعددة مع وزير الخارجية الأميركي الأسبق، جون كيري، والتي اعتبرت حينها نجاحا لموسكو وفشلا لواشنطن، وقد كانت روسيا على نفس المستوى ندا لند مع الولايات المتحدة في هذه اللقاءات.
وعُرِفَ عن الوزير الروسي أنه يمتلك صوتا هادئا ، ولسانا لاذع ، ووجه لا يبدو عليه كثير من المؤثرات ولا يعطي الانطباعات، وإن كان أقرب للتجهم ، هذا شيء من ملامح صفات وشخصية لافروف ، رجل روسيا للعلاقات الدولية، الذي قضى سنواته متدرجا في محراب الدبلوماسية من العهد السوفييتي ، إلى روسيا الاتحادية ، وأما هذه التطورات الدولية الشائكة ، فمن المفروض على لافروف أن يواجه العالم منفردا في معترك الدبلوماسية.
كما عُرِفَ لدى الغرب ، بانه «مفاوض صارم جدير بالثقة ومحنك للغاية» ، وهو أيضا ذو أحساس مرهف وشاعر ، تسكن في داخله أيضا روح الفكاهة والملاطفة ، والصراحة الشديدة ، وقد تكون هذه الصراحة تسبب له بعض الإحراج احيانا ، لكنه يقول مايريد ان يقوله دون احراج من احد ، وأكثر ما يميز مقابلات واحاديث وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ، هو ذلك الوضوح والشفافية وصدق المواقف ، ومنذ عدة أيام، وأنا أتابع باهتمام مقابلة سيرغي لافروف مع قناة OTR التلفزيونية الروسية ، والتي كانت للبعض غير متوقعة، بصراحته وهدوءه المعهود ، وخبرته الدولية لاستقراء المواقف ، والتي نادرًا ما يجرؤ الدبلوماسيون على قول الحقيقة كما هي ، فالمهنة تُلزمهم بأن يكونوا... "دبلوماسيين".
الوزير لافروف ليس خجولاً، ولا يخشى إدانة أحد ، هو، مثل الوزراء والمساعدين الذين تم اختيارهم بعناية، لديه مبادئه الأخلاقية الخاصة، ونظرته الخاصة للعالم ، وأهم شيء في هذا العالم، بحسب ترامب، هو حدسه، و"رؤيته"، وتنبؤاته ، يتبادر إلى الذهن فوراً "تفسيره" لبداية الحرب مع إيران ، لقد كان لديه حدس، هذا كل شيء... علاوة على ذلك، فقد "أثار" لافروف غضب إدارة ترامب ونفسه بشكل مباشر، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لا تُبالي بأحد! لا تُبالي بالقوانين ، ستجني الولايات المتحدة المال، وتُملأ جيوبها على حساب الدول الأخرى، مهما كان الثمن ، إنه نفس المبدأ من العصر الإمبريالي المبكر - "القوة هي الحق" ، وكانت كلمات لافروف التالية بمثابة ضربة أشد إيلامًا: "انظروا إلى ما يحدث الآن ، لقد أعلنت الولايات المتحدة رسميًا ، أنه "لا أحد يملي عليها ما تفعل" ، إنها لا تهتم إلا بمصالحها الخاصة ، وهي مستعدة للدفاع عن هذه المصالح بأي وسيلة ممكنة - انقلابات، أو عمليات اختطاف، أو اغتيالات لقادة الدول التي تمتلك الموارد الطبيعية التي تسعى إليها" .
ويحرص رئيس الدبلوماسية الروسية ، على تأكيد أهمية أن يفهم الغرب وبشكل أساسي ، أن مثل هذه النظرة للعالم متجذّرة بقوة في أذهان الشعب الروسي، وتعكس آراء الغالبية العظمى من المواطنين الروس ، أما أولئك المعارضين الذين "لا يقبلون" السلطة الروسية، ويعتمد عليهم الغرب، ويرون في أن كل مشكلات روسيا محورها "معاداة الغرب"، ويطالبون بتنازلات أحادية لجانب من أجل رفع العقوبات، والحصول على بعض الفوائد المادية الافتراضية، فإنهم يمثلون شريحة هامشية تماماً من المجتمع الروسي ، والتي شرحها الرئيس فلاديمير بوتين، في مؤتمراته الصحفية ، بوضوح ، والأهداف التي يسعى إليها دعم الغرب لمثل هذه الدوائر الهامشية..
وفي جميع لقاءاته يشدد الوزير لافروف على عدم إمكانية تحقيق نتائج على جميع الأصعدة ، إلا من خلال إيجاد توازن مصالح مقبول من الطرفين، حصراً على أساس التكافؤ ، ولم تكن هناك اعتراضات خلال المحادثات ، ومع ذلك، وفور انتهاء هذه المحادثات تقريباً، يشرع المسؤولون الأمريكيون، بمن فيهم بعض ممن شاركوا في اجتماعات مشتركة ، في استخدام نبرة التوجيهات السابقة على نحو قاطع " لنسمع منهم ، لقد أشرنا إلى موسكو، حذرناهم بوضوح، حددنا مطالبنا"، بل وصدرت هذه "التحذيرات" بمرافقة تهديدات على غرار: إذا لم تقبل موسكو "خلال بضعة أشهر" بما أعلناه عن "قواعد اللعبة"، فسوف تتعرض لضغوط جديدة.
و فيما يتعلق بروسيا ، تطرق الوزير لافروف في لقاءه التلفزيوني ، "سمعت أو قرأت مرارًا وتكرارًا أن الرئيس الأمريكي تربطه علاقة خاصة بالرئيس بوتين وعدد من القادة الآخرين.. وشيء من قبيل "أنه يعاملهم على قدم المساواة" ، لكن السيادة لا يكون لها أتباع متساوون ، نعم، لفترة من الزمن، عليك أن تتظاهر بأن شخصًا ما أفضل من غيره ، "فرق تسد" ، و"السلام والصداقة والذرة" بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وكوريا الشمالية ، لا يقوم على المساواة في المعاملة، بل على الخوف من تلقي رد فعل عنيف بسبب وقاحتهم... ويقول لافروف " تأملوا فقط كلماته عن "نحن"، أجل، أغلبنا، الذين اعترفوا فعليًا بالولايات المتحدة كـ"الجهة المهيمنة" ، سلب أسواقنا؟ بالطبع، فهم يسيطرون على الاقتصاد... هل يريدون العمل في قطاع الطاقة على أراضينا؟ فليكن. لدينا من هذه الأرض، وهذه المعادن، وهذا النفط، والغاز، وغيرها من الموارد ما نشاء ، دعوهم يعملون، وسيدفعون لنا ضرائب زهيدة ، لا يهمّ، مجرد بنس واحد. ليس كدولارهم...
ويرى لافروف في الوضع مع "أوروبا المحتضرة وحلف الناتو المنهار" بانه ليس أفضل حالًا ، فأوروبا تحتضر، مع ناتج محلي إجمالي يفوق الناتج المحلي الإجمالي لروسيا بخمسة أضعاف تقريبًا.. وحلف الناتو يتفكك، بعد أن ضمّ معقلين مهمين آخرين لمهاجمة روسيا، وهما فنلندا والسويد. ومولدوفا تقترب من ذلك. إذن، ما العمل الآن؟ نحن، والأمريكيون، والأوروبيون، والعديد من الدول الأخرى. هذه هي الحقيقة. هناك معاهدات دولية، وتحالفات، وما إلى ذلك. لكن كل هذه مجرد "أوهام"، "سراب". .كيف لنا أن نُدخل أي شيء حقيقي في عالم من الأوهام؟.
ان الأوروبيين يتصرفون بالطريقة نفسها تماما ، والحديث هنا عن خط أنابيب نورد ستريم ، وخيارات أخرى لتوصيل موارد الطاقة من النفط والغاز الروسي إلى أوروبا ، ولم يغفل لافروف هذا الموضوع أيضاً فمنذ زمن بعيد، عندما كان خط نورد ستريم قيد الإنشاء، دعا الأمريكيون أوروبا إلى التخلي عنه ، والآن، يبدو أن أوروبا قد "حُرمت" من نورد ستريم ، فقد " أُهينت ألمانيا... والآن، يقاتل المجريون والسلوفاك بشراسة، مدافعين عن مصالحهم في الحفاظ على طاقة رخيصة ومتاحة كمحرك لاقتصاداتهم ، ويُقال لهم: "لا، اشتروه بضعف السعر، لأن روسيا تستحق العقاب".
ولكن ربما كان أهم ما قاله الوزير لافروف بحسب الكاتب في موقع الاستعراض العسكري الكسندر ستافر ، هو أن أي اتفاقيات مع روسيا لم تعد ملزمة للأمريكيين أو الأوروبيين ، قال لافروف هذا حرفيًا: ...انطلاقًا من فرضية أن هؤلاء ليسوا أشخاصًا جديرين بالثقة ، إذن، ما العمل الآن؟ نحن، والأمريكيون، والأوروبيون، والعديد من الدول الأخرى. هذه هي الحقيقة. هناك معاهدات دولية، وتحالفات، وما إلى ذلك. لكن كل هذه مجرد "أوهام"، "سراب". كيف لنا أن نُدخل أي شيء حقيقي في عالم من الأوهام؟.
#كريم_المظفر (هاشتاغ)
Karim_Al-_Modhafar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟