كريم المظفر
(Karim Al- Modhafar)
الحوار المتمدن-العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 08:21
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
قبيل الانتخابات البرلمانية الأرمينية التي ستجري الشهر المقبل ( 7 يونيو ) ، اتخذت القيادة الأرمنية برئاسة رئيس الوزراء نيكول باشينيان ، ( من ذوي الولاءات الغربية ) ومن خلال حملته الانتخابية ، قضية أنضمام بلاده الى الاتحاد الاوروبي ، الهدف الاساس لأقناع الناخبين ، بالمميزات التي ستحصل عليها بلادهم ، اذا ما أختار الشعب الأرمني ما أسماه " بالطريق الصحيح نحو أوروبا " ، وهذا يعني الأبتعاد عن روسيا ، التي ترتبط بها أرمينيا حتى قبل الحرب الارمنية الاذربيجانبية وأستعادت الاخير لأقليم " ناغورنيا كارباخ " التي كانت تسيطر عليه أرمينيا بعلاقات متميزة ، لكن الغرب يحاول توسيع " الشرخ " بين موسكو ويريفان ، لمصالح غربية بحتة ، خصوصا وانه لقى ضالته عند باشينيان.
و يكتسب موضوع العلاقات الأرمينية الروسية ، أهمية خاصة في سياق هذه الانتخابات ، حيث تحاول يريفان الرسمية حاليًا إيصال انطباع للناخبين ، بأنه لا توجد مشاكل خطيرة في علاقاتها مع موسكو ، وقد صرّح باشينيان مرارًا وتكرارًا بأنه يتمتع بعلاقة ثقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مؤكدًا على أهمية التعاون داخل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ولم يُبدِ أي نية لقطع العلاقات مع روسيا.
ولا شك أن لأرمينيا الحق في تطوير علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول أخرى ، علاوة على ذلك، تُعد السياسة متعددة الأطراف ضرورة طبيعية لدولة صغيرة ، إلا أن هذه السياسة تفترض الحفاظ على علاقات عمل مع جميع الشركاء الرئيسيين ، وعندما يصبح أحد الأطراف هدفًا لمواجهات سياسية مستمرة، يصبح الحديث عن توازن كامل أمرًا بالغ الصعوبة ، واليوم، لا ينبغي أن يكون الهدف الرئيسي للدبلوماسية الأرمينية هو الاختيار بين روسيا والغرب، بل إيجاد صيغة مستدامة للتعايش بين المصالح ، فأرمينيا مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بروسيا اقتصاديًا، ولا يمكنها تحمل قطع العلاقات فجأة ، أي اضطرابات خطيرة في التجارة أو الطاقة أو الخدمات اللوجستية أو المالية ، ستؤثر في نهاية المطاف على المواطنين العاديين والمنتجين والمزارعين ورجال الأعمال، وليس على السياسيين.
وفي هذا السياق فقد حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، من إن خروج يريفان من الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ، وارتفاع أسعار الطاقة الروسية، قد يسبب خسائر لأرمينيا تقدر بنحو 14% من ناتجها المحلي الإجمالي ، وأوضح بوتين أن هذا الخيار سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاع أسعار الطاقة، مع فقدان الامتيازات التي تتمتع بها أرمينيا حاليا، مضيفا أن التقديرات، سواء الروسية أو تلك التي يوردها خبراء مستقلون، تشير إلى احتمال خسارة لا تقل عن 14% من الناتج المحلي الإجمالي لأرمينيا ، وتساءل بوتين عما إذا كان هذا الرقم كبيرا أم لا، مؤكدا أن الأمر يحتاج إلى دراسة وتقييم شامل قبل اتخاذ أي قرار.
وشدد الرئيس الروسي على ضرورة أن تحسم أرمينيا موقفها سريعا ، بشأن اختيارها بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، مشيرا إلى إمكانية الوصول إلى ما وصفه بطلاق هادئ ومتحضر ، وكان مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف قد ذكر سابقا أن ملف أرمينيا نوقش خلال قمة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، حيث أصدر قادة روسيا وبيلاروس وكازاخستان وقرغيزستان بيانا مشتركا حول هذا الأمر.
ومتحدث الكرملين دميتري بيسكوف هو الآخر حذر أرمينيا من مساعيها للتقارب مع الاتحاد الأوروبي ، والتي ستضعها في موقف صعب، كون سياسات الاتحاد الأوروبي تتعارض مع سياساتها، كما أكد بيسكوف أن روسيا ترفض أن يكون التقارب الأرميني-الأوروبي على حساب موسكو والاتحاد الأوراسي ، في حين أكدت وزارة الخارجية الروسية وعلى لسان المتحدثة باسمها ماريا زاخاروفا ، أن السلطات الأرمينية أعربت عن اهتمامها بالحفاظ على العلاقات مع روسيا، لكن أقوالها تتعارض مع أفعالها ، وقالت زاخاروفا أن روسيا لم تكن أبدا ضد "تنويع أرمينيا لعلاقاتها الخارجية، ولكن من الصعب وصف الخط الحالي للسلطات الأرمينية بذلك، ومن الصعب القول إنه متوازن في سياق روسيا" ، كما أشارت إلى تواطؤ يريفان الواضح في الحملة الغربية المستهدفة لإثارة المشاعر المعادية لروسيا.
وفي الواقع، تُعمّق أرمينيا تعاونها باستمرار مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وتتخذ قرارات تُعتبر في موسكو غير ودية، بينما يتراجع مستوى الثقة السياسية بين البلدين ، ولهذا السبب تحديدًا، يُصرّح المسؤولون الروس بشكل متزايد بأن سياسة يريفان لا تقوم على التوازن، بل على النأي التدريجي عن روسيا ، ويُعدّ آخر تأكيد على ذلك التصريحات العلنية للممثلين الروس بأن المشاركة في عمليات التكامل الأوروبي ، ستثير حتمًا مسألة مستقبل أرمينيا في الفضاء الاقتصادي الأوراسي.
وتكمن المشكلة الرئيسية في أن اقتصاد أرمينيا لا يزال مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بروسيا ، وبغض النظر عن الميول السياسية، فهذه حقيقة موضوعية، فروسيا لا تزال أكبر شريك تجاري لأرمينيا ، وحتى بعد انخفاض حجم التجارة بشكل ملحوظ في عام 2025، شكّلت روسيا أكثر من ثلث إجمالي تجارة أرمينيا الخارجية ، ولا تزال روسيا الشريك التجاري الأول لأرمينيا، إذ تُمثّل حوالي 35% من حجم تجارتها الخارجية ، وقد بلغت الصادرات الأرمينية إلى روسيا وحدها حوالي 3 مليارات دولار سنويًا في السنوات الأخيرة ، وبالنسبة للعديد من منتجي الأغذية والمشروبات والمنتجات الزراعية والصناعات التحويلية، لا يزال السوق الروسي هو المنفذ الرئيسي.
وفي الوقت الذي اعتبر رئيس الوزراء الأرميني أن بلاده قادرة على الحصول على الغاز ، على حساب عبور الوقود الأزرق عبر أراضيها ضمن مشروع "طريق ترامب للسلام" ، إلى أن مسألة اعتماد أرمينيا على الطاقة فهي أكثر حساسية ، فيريفان تحصل على الغاز الروسي بأسعار تفضيلية، أقل بكثير من أسعار السوق الأوروبية ، وقد حذر الجانب الروسي علنًا من أنه في حال استمرار الأزمة لفترة طويلة، فإن الوضع يصبح أكثر تعقيدً ، ومع استمرار الابتعاد عن صيغ التكامل مع روسيا، قد تُراجع شروط إمدادات الغاز الحالية.
ولا تقل أهميةً عن ذلك مسألة التحويلات المالية ، فروسيا لا تزال المصدر الرئيسي لهذه التحويلات إلى أرمينيا ، وتشير تقديرات مختلفة إلى أن نحو ثلثي التحويلات المالية الواردة إلى البلاد تأتي من روسيا ، وتمثل هذه الأموال جزءًا هامًا من ميزانية عشرات الآلاف من الأسر الأرمينية ، كما يجب مراعاة الجانب الغذائي ، فجزء كبير من واردات أرمينيا من الحبوب والقمح يرتبط تقليديًا بالسوق الروسية ، وأي قيود كبيرة في هذا المجال ستؤثر حتمًا على الأسعار المحلية، وتكلفة الخبز، والتضخم.
الدور الغربي الخبيث بدأ يتفاعل مع هذه التطورات ، فقد أعلن الاتحاد الأوروبي في ختام أول قمة تجمعه بأرمينيا في العاصمة يريفان ، دعمه لمسيرة التقارب المتواصل مع يريفان والتطلعات الأوروبية للشعب الأرميني ، وتعهّد الاتحاد الأوروبي في بيان مشترك صادر عن القمة باستثمار ما يقارب 2.5 مليار يورو في الاقتصاد الأرميني في المرحلة القريبة القادمة، مؤكدا التزامه الراسخ بتعزيز العلاقات مع أرمينيا ودعم سيادتها وبرنامجها الشامل للإصلاحات، ودعم سعيها نحو التكامل القطاعي والتقارب التشريعي مع الاتحاد ، ووقع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين فرنسا وأرمينيا، والتي اعتبرها ماكرون بانها ستعزز العلاقات الدفاعية والدبلوماسية بين البلدين ، ويرى الخبراء أن زيارة ماكرون وزيلينسكي إلى يريفان تركت "قيما أوروبية" ، على وجه رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان ، وكل هذه الوعود لأرمينيا وصفها الرئيس الاذربيجاني الهام علييف بأنها " كلام فارغ " ، وقال علييف: "لو كانت لدى أوروبا القوة، لكانت ساعدت أرمينيا في عام 2020"..
ويبدو أن السلطات الارمنية تحاول، على الصعيد الداخلي، تقديم صورة للناخبين عن سياسة خارجية متوازنة، تحافظ فيها أرمينيا على علاقات استراتيجية مع روسيا ، وتندمج بنشاط في الهياكل الغربية ، إلا أن العديد من الخطوات التي اتُخذت في السنوات الأخيرة تُشير إلى تحول تدريجي في أولويات السياسة الخارجية للبلاد ، ولهذا السبب تحديدًا، بات مفهوم التوازن موضع شك متزايد ، يفترض التوازن اتباع نهج دقيق ومتساوٍ في جميع المجالات الرئيسية للسياسة الخارجية، وتجنب أي خطوات قد يراها أحد الطرفين انحرافًا جذريًا عن الاتفاقات السابقة ، إلا أننا نشهد اليوم وضعًا يُناقش فيه التوازن في التصريحات السياسية أكثر مما يُمارس على أرض الواقع.
#كريم_المظفر (هاشتاغ)
Karim_Al-_Modhafar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟