أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين سليم - ‎حكايات شعبية من مدينة يثرب (43)














المزيد.....

‎حكايات شعبية من مدينة يثرب (43)


حسين سليم
(Hussain Saleem)


الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 16:47
المحور: الادب والفن
    


بين حصار التخطيط وحصار العشوائية

جلستُ مع "أبو مواطن" في مقهى يثرب القديمة، رجلٌ لا تحتاجُ معه إلى استدعاء التاريخ، يرتشف الشاي المُنعنع، وينافسك في جكارة "سومر". رجلٌ سبعينيّ تُقرأ في تجاعيد وجهه خريطة الأزمات، ويملك قدرة سحرية على تحويل التراجيديا إلى كوميديا سوداء تضحكك حتى تبكي.
— "عمي أبو مواطن، شلون تشوف الفرق بين حصار التسعينيات وحصار ما بعد 2003؟"
تعدّل أبو مواطن في جلسته، وعدّل الاستكان بحركة خبير، ثم مسح شواربه وقال وهو يبتسم ابتسامة عريضة:
— "شوف أستاذي.. الحصار الأول قبل 2003 كان حصاراً (مُتكَتَّكاً) ومكتوباً بالقلم والمسطرة! حكومة وتخطيط ودولار شبه ثابت، والبطاقة التموينية تنزل عليك مثل القدر المحتوم. تعرف حصتك من الطحين الأجرب إلى الشاي، وكل شيء منظم! يعني تسمع الخبر بالراديو: اليوم انقطعت كذا مادة ، تقعد ببيتك وتعرف المأساة شوكت تبدي وشوكت تنتهي. كان حصار دولة ومؤسسات! ينطبق عليه المثل القديم: موتة بانتظام ولا عيشة بوهشة! ."
ضحكتُ وقلت له:
— "يعني كأنك تحنّ للحصار الأول؟"
نفخ أبو مواطن حسرةً متبوعة بضحكة مجلجلة وقال: — "لا يا عيني ما أحنّ، بس أتحسّر على التخطيط! الحصار الثاني بعد 2003 إجاك بدون كتالوج! دخلنا التغيير وقلنا انفرجت، وإذا بالحصار هالمرة يجيك سكوتي وغير شكل.. أزمات عشوائية وبلا نظام! يوم كهرباء ماكو، يوم الماي مقطوع، يوم البنزين أزمة، ويوم السعر طالع للسماء بضغط الدولار.. يعني مثل حكاية ذاك الأعرابي الذي قيل له: أبشر لقد رفعنا عنك السوط! ، فقال: وما الفائدة وقد أطلقتم عليّ الزنابير؟ .. الأول كان سوطاً واحداً نعرف اتجاهه، والثاني زنابير تلسعك من حيث لا تدري!"
— "يعني الحصار الأول مو بدينا، وهذا الحصار الثاني بدينا!"
أردف أبو مواطن وهو يؤشر بيده نحو يثرب:
— "أيام الحصار الأول، كان العراقي يقسم الرغيف بالنصف ويقول باجر تفرج . أما الحصار الثاني، تطلع للشارع تلقى الخيرات تملأ العين، والفواكه أشكال وألوان، بس جيبك محاصر! الخير إگبالك وما تقدر تقرب عليه.. صرنا مثل المثل القائل: المطبخ مليان، والماعون فارغ! .. حاصروا عقولنا وراحتنا بدل معدتنا."
صمت أبو مواطن لحظة، يراقب دخان شاي المقهى، ثم هبّ واقفاً، نفض عباءته، ورمى كلمته الأخيرة بخفة وضحكة مجلجلة:
— "تدري شنو المفارقة العجيبة يا ابني؟ بالحصار الأول كنا ننتظر يمتى تنفتح الحدود حتى ندخل أكل، وبالحصار الثاني صرنا ننتظر شلون نشتري أكل! كنا نقول الفرج ورا الباب ! بس ابتسم يا معود.. يثرب اللي ما هزها حصار التخطيط ولا حصار العشوائية، تظل قوية بأهلها، وعبرتنا بهالدنيا: إذا جان الحصار قدر، فالضحكة اختيار! ."
خرجتُ من المقهى وأنا أدرك أن العراقي لم ينتصر على الأزمات بطرق مختلفة فحسب، بل بتلك الفكاهة الحاضرة روحاً، والتي تجعل من القسوة حكاية شعبية يُستلهم منها الصبر والأمل.
————————————-
من المعاجم في اللهجات العامية:
* "مْتكَتِّك": متقن، منظم، مرتب.
* "عيشة بوهشة": هي الحياة الذليلة المليئة بالخوف، القلق، التشتت، والمهانة التي لا يستقر فيها المرء.



#حسين_سليم (هاشتاغ)       Hussain_Saleem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حكايات شعبية من مدينة يثرب (42)
- قرأت كتابًا: رحلة العمر
- حكايات شعبية من مدينة يثرب (41)
- حين أكل الحبرُ الذاكرة/ قصة قصيرة
- حكايات شعبية من مدينة يثرب (40)
- حكايات شعبية من مدينة يثرب (39)
- حكايات شعبية من مدينة يثرب (38)
- قفشات يومية (2)
- حكايات شعبية من مدينة يثرب (37)
- كتاب وقصة (3)
- قفشات يومية
- كتاب وقصة (2)
- حكايات شعبية من مدينة يثرب (36)
- شذرات (1)
- حكايات شعبية من مدينة يثرب 35
- كتاب وقصة (1)
- فزعة مؤمنين
- بغداد مدينة سرياليّة
- حكايات شعبية من مدينة يثرب 31
- حكايات شعبية من مدينة يثرب 30


المزيد.....




- نتنياهو يطالب بالتحقيق مع المشاركين في فيلم -نازا- ومحاكمتهم ...
- غيبني يكشف تردد «يونيفرسال» بشأن فيلم ماسك الوثائقي ورد المل ...
- -سيجارة- تهدد مطربا مصريا بالشطب النهائي
- مهرجان القاهرة السينمائي.. فلسطين حاضرة واحتفاء بأسماء بارزة ...
- نتنياهو: يطالب بفتح تحقيق ضد المشاركين في فيلم -نازا- بتهمة ...
- باسم رئيس رماة السلطان الفاتح.. مدرسة -أوقجو موسى- شاهدة على ...
- مهرجان القاهرة السينمائي الدولي يعلن مشاركة 145 فيلمًا من 64 ...
- مهرجان الجونة السينمائي..حكايات عربية عن الحرب والمنفى والهش ...
- متحف التحرير يستعد لمرحلة جديدة.. ماذا تخطط مصر لأحد أشهر مت ...
- فنان مصري شهير ينجو من سطو مسلح


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين سليم - ‎حكايات شعبية من مدينة يثرب (43)