أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد غانم عبد الجليل - عيد الميلاد الميمون















المزيد.....

عيد الميلاد الميمون


أحمد غانم عبد الجليل

الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 10:08
المحور: الادب والفن
    


(ليس هناك حماقة أكثر من أن تقعي في حب كاتب لا يحسن السيطرة على ثرثرة قلمه).

قالت لها إحدى صديقاتها في الكلية ذلك، فاستغرقت في ضحك طويل.

*

كادت قدمها تنزلق من فوق درجة السلم، فأسند ظهرها بذراعه، وواجه عينيها الوجلتين بابتسامة ساخرة من مخاوفها التي حاولت مواراتها عنه. كان منظرها مضحكًا، فحفّزه على احتضان تلك الطفلة المذهولة من كل ما يحيط بها. ظلت تتلفت من حولها حتى فتح باب الشقة، وولجا إلى الداخل. راحت تمسح المكان بنظرات متوجسة، وكأنها تتوقع وجود بعض أصحابه بانتظارهما. كان يستفحل داخل رأسها صداع شديد كاد يفقدها توازنها، وهما يُجبران على التسكع الطويل تحت أشعة الشمس القوية في الفروع المحيطة بالكلية، القريبة من شقته. كانت كل المنافذ مغلقة، والجموع تحتشد على الأرصفة، وهي لا تعرف أين تذهب، ولا كيف تبدد الوقت حتى تُفتح الطرق، ليتسنى لها العودة إلى بيتها في الجانب الآخر من المدينة.

وضعت حقيبة يدها ومحاضراتها فوق المنضدة متآكلة الحواف، ثم تهاوت على إحدى الأريكتين الخشبيتين العتيقتين، التي تناثرت عليهما الكتب والمجلات والأوراق وبعض الثياب. لم يحاول أن يرتب شيئًا، وكأنه أراد أن تألف تلك البعثرة وذلك الاضطراب. جلب لها قدح ماء من المطبخ، فشربته بسرعة، من شدة ما أشقاها الظمأ. سألها إن كانت تريد شرب الشاي، ووعدها متضاحكًا ألّا يضع فيه مخدرًا يسلبها وعيها. شعرت فجأة بالغثيان، فلم تجب إلا بسؤالها عن الحمام. أتاها صوته يخبرها بأنه سيذهب لإحضار بعض الطعام، ومن قبل أن يتسنى لها الرد، سمعت صوت فتح باب الشقة وإغلاقه.

عادت إلى الصالة، تتوكأ على الجدران المتشققة. لا تدري أيّة فكرة طرأت لها وجعلتها تدخل غرفة نومه التي واجهتها فيها فوضى عارمة، كما كانت تتوقع تمامًا. لا، بل وكأنها ولجتها من قبل وأحاطت بكل تفاصيلها!

هل وصفها في إحدى قصصه بكل هذه الدقة؟ تكوم قطع من الثياب وتناثر الأوراق فوق السرير وعلى الأرض، وبقع الشاي المنسكب، وأعقاب السجائر، وهواء الغرفة المكتوم الذي كاد يشعرها بالغثيان من جديد، لولا فتحها الشباك المواجه للمرآة المتربة.

تواجهت نظراتهما، هي وتلك المرأة الثلاثينية التي تقف في مطبخ شقتها. كانت المسافة بينهما قريبة إلى حد تسنّى لكل منهما التمعن في ملامح الأخرى وقسمات وجهها. تكاد تجزم بأنها قد رأتها هي الأخرى من قبل، بخصلات شعرها التي لم تعتنِ بتمشيطها، وعينيها السوداوين، وشفتيها العريضتين، وقوامها النحيل، حتى جلبابها ذي فتحة الصدر الواسعة، وكأنها لا تبالي بالنظرات التي قد تتلصص عليها من غرفة النوم المقابلة.

هي من ربطتها علاقة عشق عنيف بالطالب الجامعي في تلك القصة! تتذكر أنها لم تعجبها كثيرًا، وإن لم ترضَ مكاشفته برأيها ذاك، من غير أن يخطر ببالها أن بطل القصة لا يمثل سوى شخصيته الحقيقية. ربما حبها له وتحمسها الشديد لموهبته قد غيّبا تفكيرها تمامًا.

كان يمضي معها أمتع الليالي أثناء غياب زوجها الطويل. تتسلل إلى شقته بعد أن ينام أطفالها، فيستقبلها بشغف يفاجئه كما يفاجئها، منذ أول لقاء جمعهما، بعد أن لمحته عبر شباك المطبخ ذاك، يفضي إلى الفراش الموبوء بالأوهام شيئًا من صخب فحولته. كانت وسيلته لتجاوز أزماته النفسية التي رافقته منذ بداية مراهقته. أنسته ذكريات فشل تجربته الأولى مع عاهرة كانت تسكن في أطراف بلدته، وسط سخرية رفاقه ونوادرهم الطاعنة في رجولته، وفشله أيضًا في إقامة علاقة حب مع أي فتاة بعد ذلك. جعلته رجلًا متوازنًا عاطفيًا، يستطيع التعامل مع زميلاته بشكل طبيعي جدًا، فتحرر من تلك النظرة الوحشية التي كان يرمق بها النساء. وحتى عندما أحب فتاة معه في الكلية، كانت هي صاحبة الفضل في ذلك. تتذكر أنها اختلفت معه بشأن تلك النقطة بالتحديد، لكنه ظل مصرًّا على رأيه بشكل غريب، حتى أقنعها بوجهة نظره، كما يفعل دومًا.

ظلت تنقل نظراتها بين تلك المرأة التي أقصت عينيها عنها وراحت تتشاغل بقلي الباذنجان، وبين الفراش المبعثر الذي صارت تقاوم رغبتها الشرسة في الاستلقاء عليه، بل التقلب فوقه في نشوة لم تعهدها من قبل، كما قد يفعلان في لياليهما الجامحة. أهي بعض تلك الليالي التي كان يقول لها إن التفكير بها خلال ساعاتها الشاقة قد أضناه؟

سارعت نحو الشباك فأوصدته، دون أن تدع عينيها تنظران نحو المرأة متواضعة الجمال، ومتقدة الأنوثة.

يئست من العثور بين أوراقه المرمية في كل مكان على ما يجيب، ولو عن بعض تساؤلاتها التي أثقلت رأسها أكثر من أي شيء آخر. تهجس بأن نظرات عشيقته تتابع خطواتها في كل ركن من الشقة. ربما كانت تجبره على الركض وراءها هنا أو هناك، لتزيد جمر شهواته تلظّيًا، حتى يرتمي فوقها على الأرض حيث تقف، أو فوق ذات الأريكة التي ارتمت عليها عند أول دخولهما.

غادرت الشقة سريعًا، وكل ظنها أنها سوف تعترض طريقها في الرواق الذي يربط بين الشقتين، وتعاركها بشراسة امرأة متنمرة لا تسمح لأي واحدة بأن تسلب منها رجلًا صقلت فحولته، كما يتشكل الصلصال بين يدي نحّات ماهر.

كان الشارع مزدحمًا بشدة، ورجال الأمن يتخللون الحشود المبتهجة تحت وطأة الخوف، وأعلام مرفوعة، ورايات ولافتات تهنئ وتبارك وتدعو بالعمر المديد لسيد البلاد...

تسكعت في الأزقة الخلفية لبعض الوقت، يعتريها شعور مقيت بالتيه وبأن عيون رجال الأمن تحاصرها، وكأنهم كانوا يتتبعون خطواتها التائهة ويرقبون كل حركة أو تعبير قد يصدر عن وجهها. أُوصدت كل الدروب أمامها، فاندفعت رغبة غامضة داخلها تحث خطاها على العودة إلى شقته ثانية، ومسابقة تلك الجارة حادة النظرات إلى أحضانه.

(مجنون، مجنون).

صرخت بانفعال، دون أن تدري أي سبب دعاه إلى كتابة تلك القصة أو نشرها الآن بالتحديد، تاركًا لها حرية تغيير الأحداث والتلاعب بالتفاصيل كما تشاء. يحاول جرّها من جديد إلى متاهة ظنت أنها قد غادرتها منذ زمن. ولكن، كيف عرف أنها تتصفح ذلك الموقع، وستقرأ تلك القصة الغريبة بالذات؟ ماذا ينتظر؟ أن تراسله على بريده الإلكتروني المبيّن في سيرته الذاتية، بالإضافة إلى اسم آخر منافيه؟ أن تطرق بابه ثانية بعد كل هذه السنوات؟ أن تلتمس منه أمانًا ينجدها من تيهها الطويل في المدن الغريبة؟ أن يمضيا ساعات من الدردشة، قد يروي لها خلالها عن الجحيم الذي وجد نفسه مغلولًا فيه، ولدغات الأفاعي المحفورة في جسده، بينما تلخص هي في كلمات عدة حياتها مع رجل أدمن الترحال من بلد إلى آخر، من غير أن يضمن مصالحة آمنة مع المستقبل تسمح لها بالتخلص من حبوب منع الحمل؟ وقد تكاشفه ببكائها، وربما تتهافت أنفاسها، وكأنها قد عادت مجددًا إلى سيارة الأجرة، تسلك بها ذلك الطريق الطويل إلى بيتها، بعد فتح الشوارع وانتهاء صخب الاحتفالات.

تعتريها رجفة مباغتة، كما لو أن ذلك قد حصل قبل قليل. ترقب بعثرة ملابسها فوق فراشه، بعد ابتعاده عنها واستسلامه لنوم عميق. تنظر نحو الشباك الذي أصرت على إسدال ستارته ليمنع تلصص الجارة عليهما، بينما الهتافات تلهج بالدعاء والأماني السعيدة في الخارج.

ضحكت طويلًا من تلك النهاية «السينمائية» التي استلتها من فوضى أفكارها السكرى، وكأنها تخص امرأة أخرى، تستنكر أي صلة يمكن أن تربطهما، ولا حتى قبل أكثر من خمسة عشر عامًا.

أشقت باب شقته الموصدَ طرقاتُها العصبية المتوالية. كانت ظنونها ومخيلتها تتهاويان نحو غرفة نومه في تلك الدقائق المضطربة التي أمضتها في الرواق الغارق في صمته، وكأن البناية بأكملها قد أُفرغت، وانضم سكانها إلى المحتفلين في الشوارع. حتى دبّت فجأة حركة غير عادية، ووقع أقدام قوي على السلالم، وهمهمة ما لبثت أن تعالت إلى صياح غير مفهوم، وأصوات غريبة، وصفعات ولكمات تعقبها تأوهات مكتومة. بالكاد استطاعت أن تتبين ملامح وجهه المتورم وهو يترنح بين عدة أشخاص مسلحين مقبلين نحوها. تراجعت أمام تبجح نظراتهم الموجهة إليها، وسألها أحدهم بصوت غليظ عن سبب وقوفها قرب باب الشقة.

وكأنها كانت تقف وراء باب شقتها بانتظار تلك اللحظة، خرجت لتكفيها عناء البحث عن صوتها المرتحل بعيدًا عنها، قائلة:

«إنها قريبتي، وهذه أول مرة تأتي فيها لزيارتي».

أخفى الباب المغلق ارتجاف جسديهما. كانت إحداهما تلفح وجه الأخرى بصهد زفراتها الحرى، وتحاولان التنصت على ما يجري على بُعد خطوات، والعرق يتفصد عن جبين كل منهما، ولمعان العيون يكاد يقفز من المحاجر ليمر من تحت عتبة الباب، علّه يستطيع التسلل من بين نظرات المراقبة المشددة التي أُحكمت حول البناية بأسرها.

تركتها وذهبت إلى المطبخ، ثم ما لبثت أن عادت مذعورة، تخبرها بأنهم قد قلبوا غرفته رأسًا على عقب. وبعد قليل، شاهدتاه من الشرفة الضيقة، يمضي مكبلًا نحو سيارة من سيارات رجال الأمن التي انطلقت به سريعًا إلى حيث لا يدري أحد.

(محاولة اغتيال! كيف، ومتى، ومن اشترك معه فيها؟ كل ما فعله أنه ذهب ليحضر الطعام!).

واصلت ترديد ذلك في سرها في ذهول شديد، من غير أن تواتيها الجرأة على سرد شيء مما حصل لأي من زملائها الذين كانوا يتناقلون الخبر همسًا، خشية الآذان المسترقة للسمع، كحقيقة مؤكدة لا يشوبها أي خيال، كما هو الحال في قصصه التي حاولت فهمه من خلالها. فما حصلت سوى على الحيرة والتساؤلات المرتبكة، التي ما كادت تتناساها حتى جاءت قصته الأخيرة لتحرك ركودها في قاع عقلها من جديد. تلوم نفسها لعدم محاولتها زيارة جارته ثانية، وكأنها ودّت الهروب من كل ما يذكّرها بمأساة ذلك اليوم الرهيب. فإن لم ينطق لسانها بحقيقة تلك العلاقة الغامضة، فلتبحث عنها في ومض عينيها اللتين شاركتاها النحيب وهي ترثي مصير جارها الطيب، الذي كان يساعد أطفالها في دراستهم، ويذكّرها بأخيها الذي واراه أحد المعتقلات عن الدنيا منذ سنوات.



ملاحظة: تم تحويل القصة إلى سيناريو فيلم.



#أحمد_غانم_عبد_الجليل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليلة حرب
- في داخلي
- دنيا عبد الحليم
- احتجاج
- صفحات على هامش الثورة الروسية في رواية عشق سري... حكاية إيني ...
- الرقص في خفايا الظلام
- لم الشمل
- الشيخ والثرثار
- تحت ظل الدبابة
- من رواية محطات الهروب والعشق
- من رواية عصفورة الكواليس
- من رواية اللعب على طاولة النخبة
- من رواية نقطة في الذاكرة... رفاق النقطة
- الرحيل
- نسق الغربة السردي في مجموعة «ثيرافادا» القصصية للقاص والروائ ...
- غانم عبد الجليل وقضية قاعة الخلد
- الجانب الآخر
- ذات الموت وذات الكلام
- تمتمة في عصف الكلمات
- صورة بوجهٍ آخر (وجع الحرية)


المزيد.....




- نتنياهو يطالب بالتحقيق مع المشاركين في فيلم -نازا- ومحاكمتهم ...
- غيبني يكشف تردد «يونيفرسال» بشأن فيلم ماسك الوثائقي ورد المل ...
- -سيجارة- تهدد مطربا مصريا بالشطب النهائي
- مهرجان القاهرة السينمائي.. فلسطين حاضرة واحتفاء بأسماء بارزة ...
- نتنياهو: يطالب بفتح تحقيق ضد المشاركين في فيلم -نازا- بتهمة ...
- باسم رئيس رماة السلطان الفاتح.. مدرسة -أوقجو موسى- شاهدة على ...
- مهرجان القاهرة السينمائي الدولي يعلن مشاركة 145 فيلمًا من 64 ...
- مهرجان الجونة السينمائي..حكايات عربية عن الحرب والمنفى والهش ...
- متحف التحرير يستعد لمرحلة جديدة.. ماذا تخطط مصر لأحد أشهر مت ...
- فنان مصري شهير ينجو من سطو مسلح


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد غانم عبد الجليل - عيد الميلاد الميمون