أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد غانم عبد الجليل - من رواية عصفورة الكواليس















المزيد.....

من رواية عصفورة الكواليس


أحمد غانم عبد الجليل

الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 08:02
المحور: الادب والفن
    


المطر يهطل بشراسة الصفعات المتوالية على وجهٍِ مستكين، ترقبه من خلف شباك البيت الريفي الأنيق، مأواها الأثير كلما واتتها رغبة بالهروب من كل شيء، ذات الجدران التي شهدت تعطش عمّار دون ارتواء، بمحض إرادته كي يظفر بها زوجةً لا عشيقة مبتذلة ضمن عشيقات جولاته التي تغيِّبه عنها لفترات أخذت تتطاول بعد احتلالٍ تهاوت تحت وقع عصفه قلعة حصينة بسرعةٍ مباغتة لتتحول إلى ركام ترامى فوق رؤوس أسراها.

كادت توقن، بدل المرة مرات، إنها لن تراه مجددًا، وعليها أن تعتاد العيش معلقة بظروفٍ لا تعلم عنها شيئًا سوى ما يفضي به عن سكرٍ أو عصبية هوجاء لا تلوح لها نهاية، تخيفها منه حد الرعب قدر إشفاقها عليه وعلى مصيرها معه، رغم أن سقوط النظام أتاح له حرية لم يحلم بها من قبل، كما أخبرها بنفسه في فرحةٍ انفعالية، وكأنه أحد ضحايا الديكتاتورية التي تناقلت فظائعها مختلف وسائل الإعلام في كل مكان، حرية استمدت ثراءها من حسابات سرية موَزعة في العديد من المصارف الكبرى، غابت الرقابة عنها، عن قصد أو غير قصد؟ فتم الاتفاق على تقاسمها ضمن تصفيات التركة (المخفية) بين المسؤولين عنها.

مساومات ومفاوضات وحروب مصالح يصعب عليها حتى تخيلها، وهو لم يقل الكثير، مجرد كلمات متقاطعة يصعب عليها لملمة أحاجيها الأقرب إلى الطلاسم، تبهت أمامها الكثير من الصور وتخفت الأخبار التي كانت قد تناقلت إلى مسامعها، منه أيضًا في الغالب، عن الحروب الباردة بين أحزاب المعارضة وطرق سيطرته على تحركاتها وضبطها في سياق متناغم يعزف له اللحن الذي يريد في النهاية، بينما كان زياد وشريكه من ضمن ضحاياها.

بعد سفره لم تستطع أن تحل محله في شركته التي اجتهد بتأسيسها، رغم أن كل شيء كان مهيئًا لأجلها، كما وعدها عمّار، كان حزنها عليه أكبر من أي أمنية يمكن أن تداعب خيالها، أقوى من أي إغراء حاولت إقناع نفسها بأنه يمكن أن يعوضها عن كل خوف شهدته منذ كانت صغيرة، ومن رغبتها بإهمال كل صوتٍ يسكنها.

أخبرت زوجها الثاني بأنها لا تريد أن تكون قطعة شطرنج، أو دمية بخيوط يحركها أنى شاء، ضحك وقال: “الجميع يحرِكون ويحرَكون، أما الباقون بلا حراك فيكتفون بالفرجة من بعيد وتنهد الحسرات”

كانت تعلم إن كلامه يختزل جلَّ ما عاشت وعايشت على مدى عمر، لكنها لم تود أن تصغي لوسوسة تلك الأفكار طويلًا لئلا تزيدها تشتتًا، مكتفية بدور امرأت الرجل المتمرَس على تحريك المشهد برمته، فوجدت نفسها جزءًا منه دون اختيار منها، وإن وافقت على الارتباط به عن وعيٍ كامل، واقتناع بأنه خير سبيل أمامها لإنهاء مطاردة القط والفأر التي أنهكتها وما كان يمكن لها أن تستمر إلى ما لا نهاية.

رنَّ الموبايل فلم تنتبه إلا بعد دقائق، نغماته المتكررة برتابة خالطت صوت الزخات العاتية في أذنيها، اقتحم إحداهما بقوةٍ باكية صوت والدتها في بغداد، تثقلها بفاجعة مقتل والدها، قليل الخروج من الدار منذ عقود، برصاصٍ عشوائي رشقه جندي أمريكي مذعور على المارة بعد اقتراب سيارة لم يراعِ سائقها المسافة التي يجب المحافظة عليها خلف الرتل الذي يركبه، تشوَش صوت النحيب في رأسها حتى ظنت لوهلة إنه من ضمن الهواجس التي تواتيها كلما جمدت أمام ما يبثه التلفاز من مآسٍ تفوق أغرب الكوابيس خيالًا.

تحَجر الدمع في عينيها، ولم تجد قدرة على الصراخ، ولا حتى النوم، ولو كنوعٍ من الهروب، بعد تناولها عدة حبوب مهدِئة، كادت تتصل بنوال لتخبرها بمصاب مقتل رفيقها القديم الذي لم تره منذ عمر في شارعٍ من الشوارع التي مضوا بين جنباتها منادين بالعدالة (الأممية) الحالمة، ودت الارتماء في حضنها الدافئ الذي احتوى غربتها وكل غربة طريدة لأجيالٍ مختلفة، كما يتراءى لها دومًا، إلا أنها ألقت الهاتف على الكنبة بما تبقى من وعي، كما لو أنها تنبهت لتوها إلى فقدان المرأة التي اغتالها وجع الاغتراب من قبل أن تسقط قطرة دم واحدة في بلادهم، ومرجل الحرب يستمر في الغليان بانتظار لحظة الانفجار.

عبثت الابتسامة على نحوٍ مراوغ في قسمات وجهها الحزينة عندما رأته في جنازتها، كان ينشج كالطفل أمام جثمانها، قبل وبعد مواراته الثرى، مستعيدًا طيف والدته التي وافتها المنية وهو بعيد عنها، يتجدد داخله تأنيب نفسه على ترك محبيه يموتون دون أن يكون معهم في لحظاتهم الأخيرة، يبصر في خمول عيونهم نفس الانطفاء الذي شهده مرارًا، عند إصابته بالطلق الناري في باريس، وعند كل أزمة قلبية تشله عن الحراك وتوصله إلى العالم المجهول إلا قليلًا، ولمّا يستعيد وعيه ينتابه شعور غريب أن بعضًا منه قد عاد إلى الحياة بينما بقي البعض الآخر مفقودًا، تائهًا خارج حدود الزمان والمكان، لا يحسن السيطرة عليه تمامًا إلا بعد فترة، رويدًا رويدا، حالة عصية على التفسير أو الشرح، حاول تسطيرها ضمن نصٍ من نصوصه غير المكتملة، والمستمرة في التزايد، دون الوصول إلى ما يريد تجسيده، بذات تفاصيل تلك الأزمات الغريبة، كل مرة تختلف عن سابقتها، مهما بدت متشابهة.

ظل جامدًا في مكانه، بعد رحيل الجميع، يحدِق في حفرةٍ رُدِمت لتوها، غابت عنها الأصوات الناحبة وما بقي سوى السكون، هيمَن على حواسه فاستسلم للصمت بالكامل، شأن كمال وأسامة قبل أن ينجح المقرَبون من الأصحاب في إقناع كلٍ منهما مبارحة المكان، بينما ظلت تنظر إليه من بعيد، يشدها الحزن المجدول بشوقٍ كبير للإقبال نحوه، ضمه قويًا إلى صدرها، إلا أنها اضطرت إلى ملازمة خولة المنهارة حزنًا على العمة والوالدة في آنٍ واحد، منذ أن تناوشت شبابها سنوات الغربة العابثة.

مشَتْ إلى جانبها بتؤدة، تلتفت نحو جموده بين خطوة وأخرى والدمع يهطل من عينيها مدرارًا، على المتوفاة ونفسها أيضًا، على حالهما والنهاية الموحشة التى تنتظرها، بعيدًا عن بلادها ، وبمعزلٍ عن الذين يبقون على قيد الحياة من الأهل، والأقارب والأصحاب، عن شوارع جالتها حكايات نوال في عمرٍ سبق زمن الترحال الذي ظل يقلق نبضات قلبها حتى استسلمت لوجيب الحياة الأخير والحرب تقرع طبولها المفزعة بين الضلوع، أخبارها المتتابعة تنذر بشرر يمكن أن تسوق نيرانُه العراق إلى التهلكة، لا نظامه فحسب، وكل الأحلام التي منَّت نفسها بها على مدى عقود لن يكون لملامحها وجود في سوح الجنون المقبِل من كل فجٍ مظلم.

شهقتْ هالة فرحة المصالحة وإنهاء القطيعة التي فرضتها عليها نوال إثر زواجها بعمّار، كان جلد كلماتها ونظراتها الغاضبة أقسى من كل ما لاقته خلال السنوات الراكضة في ثنايا الضباب.

بكتْ أكثر مما فعلت لدى مغادرتها بغداد برفقة محمد، وهي لا تعرف إن كانت سترى والديها وشقيقيها ثانيةً أم لا، وكلمات نوال تتردد في أذنيها، قالت وكأنها تبصق في وجهها، إنها غبية ومتهورة، ولا تعرف كيف تتصرف… كما ظل موج التعنيف يتلاطم قويًا في مسامعها مهما حاولت التشاغل عنه: “يا مجنونة، أنا تزوجت رجل المبادئ الذي كان يلتهب حماسة فانتهيتُ إلى خيبة وخذلان، وأنت تتزوجين أحد رجال المهمات القذرة المعروفة لكل العراقيين في الخارج… أليس هذا نفسه الذي قلتِ إنه يطاردك مثل أي مهووس صاحب سلطة؟… يعني كنتِ تلتقين به من قبل أن تطَلقي؟… هو الذي حرَّضك ضد محمد، ولأجله أجهضتِ!…”

وجدتّ في نظراتها ما لم ينجر لسانها إلى نطقه صراحةً، ودت أن تقسِم إنها ليست كما تظن، رفيقة فراشه، ولمّا أراد الاحتفاظ بها وحده أصر ألا يشاركه فيها زوجها أكثر من ذلك، فأمرها بتركه ونبذ كل ما يربطها به، هل ظنت أيضًا إن الجنين يمكن أن يكون من عمّار، ولهذا سارعت إلى الإجهاض؟

أوَ يمكن أن يكون ذات الهاجس قد خطر لدى محمد لمّا علم بسرعة زواجها من عمّار، وخوفه من رجل المخابرات المهاب في الداخل والخارج أجبره على الصمت الذليل؟ مع أن أمرًا مثل هذا كان سيضعه في واجهة الصراع بين المعارضة والنظام الذي يرسل أعوانه ليتجسسوا على تفاصيل حياة الثائرين من أجل الحرية بلا أي رادع أخلاقي، وها هو أحدهم يستلب زوجة معارض يحارب الديكتاتورية لكسره في عقر داره.

أملتْ ألا يستغل محمد هذا فعلًا في حملته الانتخابية للوصول إلى عضوية البرلمان في دورته الأولى، عندما رأته عبر التلفاز وهو يجلس بين صفوف المرشَحين لتمثيل حقوق الشعب في العهد الجديد.

صدرت رواية عصفورة الكواليس 2026



#أحمد_غانم_عبد_الجليل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من رواية اللعب على طاولة النخبة
- من رواية نقطة في الذاكرة... رفاق النقطة
- الرحيل
- نسق الغربة السردي في مجموعة «ثيرافادا» القصصية للقاص والروائ ...
- غانم عبد الجليل وقضية قاعة الخلد
- الجانب الآخر
- ذات الموت وذات الكلام
- تمتمة في عصف الكلمات
- صورة بوجهٍ آخر (وجع الحرية)
- خارج السلطة
- صورة بوجه آخر... باب الغرفة
- ويبقى لي معكِ حلم
- سادة الحروب
- مجنون الثورات
- إلى أقصى حد
- رواية باولا... السيرة الذاتية المرَكَبة والبعد الإنساني ما ب ...
- دلالات السخرية في رواية -اعترافات كاتم صوت-
- عيون مستورَدة
- حبكة هوليودية
- صوَر بوجهٍ آخر (باب الغرفة)


المزيد.....




- مصر.. بدرية طلبة تعلن انتهاء أزمتها مع نقابة المهن التمثيلية ...
- كيف رسمت حرب إيران وتهديدات الذكاء الاصطناعي ملامح الليلة ال ...
- فلسطين في قلب -أوسكار 2026-.. حضور لافت لفيلم -صوت هند رجب- ...
- على خشبة مارليبون: صراع الحرية والتقاليد في المسرح اليهودي
- جهاتٌ في خريطة
- -جمهورية الكلب- من السرد العربي إلى القارئ العالمي
- الممثلة أناهيد فياض وزوجها يتبرعان بقرنيتي نجلهما الراحل
- الثقافة سلاحاً.. فلسطين تقاوم بالقلم والذاكرة
- 26 رمضان.. 3 أحداث حولت الخلافة من مصر لإسطنبول
- مايلز كاتون يتحدث لشبكة CNN عن كواليس دوره في فيلم -Sinners- ...


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد غانم عبد الجليل - من رواية عصفورة الكواليس