أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد غانم عبد الجليل - من رواية نقطة في الذاكرة... رفاق النقطة














المزيد.....

من رواية نقطة في الذاكرة... رفاق النقطة


أحمد غانم عبد الجليل

الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 09:43
المحور: الادب والفن
    


وجهُ سلمى، بكل صفائه المعهود لديّ رغم ما مرّت به، حطّ وسط كل هذه الفوضى مثل حمامة تهمس لي برسالة آتية من بعيد. صادفتها في الطرقة القريبة من غرفتي المعزولة، وكأنني وباءٌ يخشى النظام من سريان عدواه بين الجموع. كنتُ متأكدًا أنها عرفتني، رغم أن قسمات وجهها لم تُبدِ أي تعبير، إلا أنني لم أستسلم لذلك التجاهل المستفز، فأقبلتُ نحوها لألقي التحية، وكم رغبتُ في احتضانها أيضًا، لا عن شوقٍ جامح فحسب، بل لأننا صرنا نتشارك ذات محنة الإقصاء عن أحلامنا القديمة.
سبقتني إليها قبل سنوات، منذ أن اعتُقل زوجها في بداية السبعينيات، ثم سُلِّمت جثته مع شهادة كُتب فيها أن سبب الوفاة ذبحة صدرية، رغم أنه لم يشكُ من أي أمراض من قبل، حسب ما أعرف.
آخر ما كنتُ أتوقعه أن أكون في مثل هذا الموقف الغريب أمامها، وأنا في هيئتي الجديدة: الموظف المعزول عن الجميع، بلا منصب محدد، بعد أن تقلّدتُ منصب محافظ، ثم مدير شركة من شركاتنا الوطنية الكبرى، ووكيل وزارة، كما كنتُ من المرشحين لتولي منصب سيادي مهم داخل القصر الجمهوري، أي من أصحاب القرار داخل أروقة الدولة. ولم أكن أعرف أن اتخاذ أي قرار لا يصدر إلا من غرفة واحدة، وأننا لا نملك سوى حق الموافقة عليه والهتاف بحماس لا يترك مجالًا للشك، ولا حتى للخيال، بالتخاذل أو الوهن في تنفيذ الرؤى القيادية سريعة التحول، من دون أن ندرك إلى أين يمكن أن تقودنا خطاها المؤطّرة دومًا بمباركة الجماهير.
أجابت على سلامي باقتضاب، وبوجه صارم وحاجبين مقطّبين، تلك العادة التي ألفتها عنها في الغضب أو الزعل، فابتعدتُ عنها خطوات كي لا أتعرض لمزيد من الإحراج أمامها.
رغبتُ في التحدث معها، كما لو أنني أحتفظ بأسرار لا طاقة لي على احتمال عبئها وحدي، ولا أعرف أحدًا سواها لأهمس بها أمامه، رغم ما كان يلجم لساني من خوف تسرب كلماتي إلى الأسماع، حتى وإن كانت مجرد كلمات مواساة متأخرة لوفاة صديقي ورفيقي القديم. وكأن التغييرات الجذرية في أركان القيادة حدثت فقط لكي أصادفها بعد كل هذه الأعوام.
لم أكن أعرف أنها تداوم معي في المكان ذاته. ربما نُقلت أكثر من مرة بين وظائف عدة حتى انتهى بها المطاف هنا، كما لو كانت بانتظار رؤيتي، بوصفي وجهًا من بين الوجوه التي صار كثيرون يتحاشون النظر إليها حتى عبر شاشة التلفاز، وإن اضطروا إلى ذلك سرعان ما تنتابهم سخرية ممزوجة بالاشمئزاز من خدعة تملكت عقولهم وعقول أزواجهم منذ بواكير الشباب، مثلما يخالجني ذات الشعور الآن، وكأنني بذلك أعلن براءتي التامة مما كنتُ عليه قبل وقوعي في شَرَك القاعة التي غنّت فيها فيروز أجمل أغانيها قبل سنوات، لدى مجيئها إلى بغداد.
أُجبرنا في الفرقة الحزبية، التي اضطررتُ إلى حضور كل اجتماعاتها بعد أن كنتُ عضو قيادة، على مشاهدة وقائع اجتماعٍ «مسرحي» مسجّل على شريط فيديو، ونحن ندرك مدى الرقابة المصوّبة نحو قسمات وجوهنا، ولو عبر كاميرات لا تلحظها العيون، لتسجّل بدقة ما يمكن أن يُستشفّ من صمتنا المشوب بذات التوتر واضطراب الأعصاب الذي نالنا داخل القاعة من قبل. وكأنهم يصرّون على تكرار صعقة الخوف نفسها، لعلّ أحدًا أفلت من اقتناص عيون رجال الأمن المحملقة، أولئك الذين كانوا يقفون عند كل زاوية، بينما يصفّق الجالسون ويهتفون ضد «خيانة المتآمرين» بملء الحناجر، بصورة هستيرية تحمد الله على السلامة من وعيد النداء بصوت القائد الذي يلقي الرعب في الأوصال، ويجبر صاحب الاسم الثلاثي على مغادرة القاعة.
وفي المرتين كنتُ من بين الهاتفين الثائرين على وحل الخيانة، رغم سخريتي واستهزائي بكل ما جهر به الصوت الذي ظل يدوي في الآذان قرابة ربع قرن، وكأنه يتعمّد استفزاز ما تبقى من صحو أذهاننا، قبل أن يستغرقه الذهول من هول وسرعة ما جرى بعد أيام قليلة من احتفال التنصيب الرئاسي. ثم صرتُ أتكتم على دموعي أسفًا على كل شيء، لا على تهاوي مجموعة «النقطة السوداء» فحسب، لكنني لم أجرؤ على البصق إلا داخل غرفتي الموصدة، أمام المرآة الكبيرة التي اعتادت تأكيد مدى أناقتي قبل مغادرة المنزل، فبدت وكأنها تتشقق، وراحت تتهاوى معها ملامح وجهي دون إمكانية استعادتها ثانية.
لو أنها منحتني فرصة الكلام، لحدثتها عن الكثير مما وعيتُ عليه مؤخرًا، لا عن نفسي فحسب، بل عن عائلتي كلها، بدءًا من والدي الذي صار يركن إلى الصمت أغلب الوقت، بنظرات يسكنها الخوف وترقّب المجهول المهدِّد بفقداني هذه المرة إلى الأبد، لا كما في فترات الاعتقال السابقة التي بدأت منذ زهو الشباب خلال العهود الماضية. كان يعرف أن الأمر الآن مختلف تمامًا، وأنه لم يعد يمتلك طاقة الاحتمال ولا الصبر، ولا حتى حدة الغضب التي قد تسوقه إلى طردي من الدار أو ضربي. ومن جهة أخرى، لم يعد يدري ما الذي يمكنه فعله لإنقاذي من ورطتي الجديدة، بعدما فقد معارفه وعلاقاته عهدًا بعد عهد، وصارت كل صلاته بالمسؤولين مجرد كونه والد أحدهم.

رواية نقطة في الذاكرة... رفاق النقطة
صدرت عن دار الوصل للنشر والتوزيع 2026



#أحمد_غانم_عبد_الجليل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرحيل
- نسق الغربة السردي في مجموعة «ثيرافادا» القصصية للقاص والروائ ...
- غانم عبد الجليل وقضية قاعة الخلد
- الجانب الآخر
- ذات الموت وذات الكلام
- تمتمة في عصف الكلمات
- صورة بوجهٍ آخر (وجع الحرية)
- خارج السلطة
- صورة بوجه آخر... باب الغرفة
- ويبقى لي معكِ حلم
- سادة الحروب
- مجنون الثورات
- إلى أقصى حد
- رواية باولا... السيرة الذاتية المرَكَبة والبعد الإنساني ما ب ...
- دلالات السخرية في رواية -اعترافات كاتم صوت-
- عيون مستورَدة
- حبكة هوليودية
- صوَر بوجهٍ آخر (باب الغرفة)
- صورة بوجهٍ آخر (التلويح الأخير)
- راقص الجبهات


المزيد.....




- صوت هند رجب يصل إلى الأوسكار.. تجربة سينمائية عربية تتجاوز ا ...
- غوتيريش: إصلاح مجلس الأمن بات ضرورة ملحة لتعزيز التمثيل والف ...
- -الفارسي-.. رواية بتفاصيل مذهلة كتبها عميل -سي آي إيه- عن صر ...
- -الفارسي-.. رواية بتفاصيل مذهلة كتبها عميل -سي آي إيه- عن صر ...
- ريشة خلف الحصار.. طفلة توثق مأساة غزة من زاوية خيمة النزوح
- -القصة أكبر مني-.. سلمان رشدي يتحدث عن فيلم يوثق محاولة اغتي ...
- شارع النبي دانيال بالإسكندرية.. قبلة المثقفين التي نسيها الم ...
- لؤلؤة الأندلس تعود للنور: الليزر يفك طلاسم -مدينة الزاهرة- ا ...
- اختلاف الروايات بشأن مقتل أمريكي برصاص ضباط أمن في مينيسوتا ...
- قنطارجي.. حارسة جماليات التذهيب في الفن الإسلامي


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد غانم عبد الجليل - من رواية نقطة في الذاكرة... رفاق النقطة