أحمد غانم عبد الجليل
الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 20:23
المحور:
الادب والفن
كل مرة أبدو أمامها على ذات الهيئة: الأراجوز، المحتال، عديم المشاعر والأخلاق، ومن يسعى دومًا لاقتناص كل فرصة مُتاحة، تنتهي دومًا بالمزيد من الخُسارة والانحدار إلى أسفل السافلين، كأنني لم أغادر فجَوات الأرض المُحترقة من حولي ليل نهار، ولا أمل في النجاة من غزوات الموت المتواصلة إلا بإصابة تلقيني في إحدى المُستشفيات البعيدة عن خَط الجحيم بعض الشيء، أو الوقوع في ذُلِ الأسر، أو الضياع في البرية الشاسعة التي يغيبُ فيها كل اتجاه.
فجأة سكتَ هدير القاذفات وتوقفَ ومض الصواريخ، وألقيتُ السلاح، مثلي مثل الكثيرين، بعد أن اعتادته يدايّ، كأنه صار جزءًا من جسدي، لا من حياتي فحسب.
المرة الأخيرة التي ركبتُ فيها قطار العودة إلى بغداد شعرت أني سوف أحتاج إلى سنوات، أو حتى عقود، كي أستطيع نسيان اهتزاز كل عربة أقلتْني من وإلى جبهات القتال، وإلى عمرٍ آخر كي تنمحي عن ذاكرتي أهوال الحرب وأحداثها المُفزعة، لكني لم أسَلِم نفسي لذلك الهاجس الكئيب طويلًا، فما أن تجاوزنا “خَراب البصرة” الذي حَلَّ بالمدينة وأطرافها على مرمى انفجارات الحرب، حتى رحتُ اندمج مع الآخرين في أحاديث بعيدة كل البعد عما خلَفناه وراءنا، كأننا كنا عائدين من رحلة عمل طارئ وآن الأوان لأخذ إجازة ننسى بها مَشاق تلك السفرة الغريبة، والتي جعلتنا نرتدي ذات الزي الخالي من بهجة الحياة، مُقسمين ألا نرتدي بعد ذلك إلا الألوان الزاهية والقمصان المُزركشة ونحن نلتقي بالصديقات والحبيبات المُنتظرات على أحَر من جمر الشهوة عودة الشباب المقاتل من الجَبهات، وكم وَعدتْنا الأحلام بمغامرات مع فاتنات مدننا المزدهية بفرحة الخلاص، بعد سنوات من الغياب، أو الحضور المُتقطِع لدى كل إجازة، قد تكون الأخيرة قبل أن يستلبُ الموت عنفوان الحياة منا.
أتذكر إلى حد الآن سَكرات تلك القهقهة المخبولة ومُجون الثرثرة السخيفة التي رشَفنا ثمالتها حتى أدركنا المَحطة الأخيرة وسَط العاصمة، وأتذكر أيضًا أني لم أعُد إلى بيتنا في منطقة الوزيرية إلا بعد أيام، وأنا خالي الوفاض تمامًا، وقد غادرَني حظ المُبتدئين، بالإضافة إلى دينٍ راحت فوائده تتراكم بالساعات ما أن عرفَ المُقامر الدائن أني ورثتُ ثروة كبيرة عن والدي، ومنذ ذلك اليوم تعلمت ألا أثرثر كثيرًا، وألا أتباهى بما أمتلك أثناء اللعب، ومنذ ذلك اليوم أيضًا بدأ شغفي غير المنقطع بتبديد كل ما لدي، وكأن بيني وبين ثروة والدي الذي بدأ يُراكمها منذ زهو شبابه في العهد الملكي ثأرًا قديمًا ولا بد لي من الأخذ به حتى آخر تُحفة من تحف البيت واسع المساحة، كان قد اقتناها الوالد عهدًا بعد الآخر، من قبل أن أضطر إلى بيعه أيضًا في نهاية المطاف.
كثيرًا ما يراودني ذات الحلم المضطرب، أحيانًا يوقظني فزعًا من النوم لأنجو من نظرات الأب العصامي الذي توفاه الأجل خلال سنوات الحرب، فوَهبني ارتحال أنفاسه عن عالمنا إجازة طويلة نسبيًا، عشرة أيام بالكامل، أمضيتُ جُلَ لياليها بين أحضان عاهرة دفعتُ لها مقدمًا، شرط أن تكون لي وحدي حتى فجر يوم عودتي إلى سَوح (العدمية) كما كان يقول أحد رفاقي من مُدمني القراءة حتى في الخنادق المُختضة بنا كامرأة لا تُنهكُها اللذة أبدًا، تشبيه آخر من داعر لا يأبه لشيء، وكأنه إحدى صوَر الشيطان على الأرض، مثلما كان يصفُه واحد من الجنود المُصلين، ودائم تلاوة القرآن وترديد الأدعية، استشهدَ قبل وقف إطلاق النار بعدة أيام، ولم ينجح في هدايتي كما كان يتمَنى، وإن جعلَني أصَلي خلفه عدة مرات، في أكثر أوقاتي ضيقًا من زفرات الموت الثقيلة.
يظل والدي يُحدِق بي بعد كل هذا العمر الذي بدأ منذ أن أورثَني وشقيقتيّ أملاكًا كان يمكن أن تجعلُني من الأغنياء حتى الآن لو أني استطعت الحفاظ عليها، نظرات اتهام وامتعاض، بل تقزُز أيضًا من الحال التي إلتُ إليه بعد أن بعثرتُ أكبر حصة من شقاء عمره في مغامرات خاسرة ساقني إليها عبثُ شاب صارت حكاياته تتناقل عبر الألسن كلما حلَت بي مُصيبة جديدة، قد تهددني بالسجن، أو حتى القتل إن لم أسَدِد ما عليّ من ديون القمار، لعبة الدنيا بأسرها وإن غفلَ، أو تغافلَ، الكثيرون عن تلك الحقيقة التي تتجَلى ما أن يبدأ توزيع الورق بين اللاعبين.
كنت لا أبالي بكل خسارة تلحقُ بي، لأنها تعدُني بمَغنمٍ كبير فيما بعد، كما كنت أتنقل بين كل جولة موت وأخرى على جبهات الفتال، وهأنا أحيا إلى حد الآن، رغم استشهاد الكثيرين من رفاقي، بانتظار ما يُعوِضني عن كل ما بددتُ من قبل، وقد أضيعه كله في لعبة رهان أخرى مع الحياة.
كم وعدتُ نفسي أن أدخر بعض ما أربح، ولا أقترب منه لأي سبب كان ومهما كانت الظروف التي تضطرُني إلى ذلك، لكني أعود لأستولي على ما جمعت من مال على مدى أشهر دفعة واحدة، ودون تردد ما أن تضيق بي الدنيا، أو ربما كي أهبها إلى صديق أو قريب، أو من أتعرَفُ عليه حديثًا وأجد أنه وعائلته أحوَج مني بكثير إلى منفذ النجاة ذاك، ربما لاحتياجي الشعور أني لم أفقدْ انسانيتي تمامًا، وإن عدتُ لاستسخاف ما انتابني من خَبَل رومانسي فيما بعد، بما في ذلك ما أعطيته لهند بعد طلاقنا عن طيب خاطر، رغم أن تلك الهبة كانت من أجل الصبي والصبية القريبيْن إلى قلبي، أما هي فقد نبذتُ حبي لها بسرعة ما كنت أتصوَرُها وأنا أحوم حولها ولا أفوِت أي فرصة لأكون معها، رغم حالة الحداد التي كانت تفرضُها على نفسها من بعد استشهاد زوجها في ذات الحرب التي تركتني مُتعطشًا لمثل إثارتها الكامنة تحت رماد الحزن والحياء المُتزِن لأرملة شابة مسؤولة عن تربية ابنة في عمر الثمان سنوات وولد في عمر الست.
كانت تبدو لي مكتملة الأنوثة تمامًا، كأنها كانت تبحث، ولو دون دراية منها، عمن يحضنها ويعانقها بلا أن يترك لها مجالًا للفرار. رغبة غريبة كانت تتملكني بأن تكون لي على الدوام، وكلما دنوتُ منها أجدها بانتظاري، تفتح لي ذراعيها وتحتويني حتى أنعزل عن العالم، ربما كانت من بقايا نزوات المراهقة نحو النساء العصيات على المعاشرة في الخفاء، لكني لم أستطع نبذ ذلك الهاجس عن بالي، خاصة وأنها كانت ترفض حتى أن نجلس وحدنا في صالة بيت أهلها. كلما ذهبتُ إلى هناك بحجة الاطمئنان على شقيقها الذي خلَفته الحرب مُعاقًا بالكاد يستطيع النهوض عن سريره.
قبل الحرب، عندما كنت أذهب إلى بيت أهله، لم أكن قد انتبهت أنها بكل هذا القدر من الجمال والفتنة، كما أني (ويا للعجب) كنت خجولًا جدًا، وطبعًا يستحيل أن أنظر إلى شقيقة صديقي خارج حدود الأدب، لكن الحرب غيرت الكثير من الأمور والأوضاع، وأنا من ضمنها، وحتى صديقي لم يبقَ منه شيء سوى حطام جسد مُكوَم في السرير أكثر الوقت، وشيئًا فشيئًا صار يرفض الزيارات ويتجنب الكلام مع أحد، رغم ذلك بقيتُ أزوره كلما عجزت أن أكبح أشواقي لرؤية هند أطول وقت ممكن.
تجاسرتُ أخيرًا وطلبت منها أن نلتقي في أي مكان كي نتكلم معًا لوحدنا، دون أن يتطَفل علينا أحد. مانعتْ بشدة وحسم في البداية، إلا أنني تحايلتُ عليها حتى لبَّت رغبتي بالخروج معي، مُتحججًا بأني وجدت لها عملًا في شركة صديق لي براتب جيد يُعينها على تدبر مصاريف الولدين، بالإضافة إلى تقاعد زوجها الشهيد، أما ثمن السيارة التي استلمتْها بعد استشهاده فقد وضعتْها كوديعة في البنك باسم الولدين حتى يكبران… تفاصيل كثيرة أخذتْ تحكيها لي تباعًا، ومع كل كلمة تقولها أزدادُ شغفًا إلى حَد أني لم أعُد أشعر بوجود امرأة سواها، أخبرتُها بذلك أثناء الطريق الذي ظللتُ أجول في مسالكه بالسيارة بلا وجهة محددة.
فطنتْ إلى ذلك بسرعة، فطلبت مني التوقف إلى جانب الرصيف، ولمّا سألتها عن السبب أخبرتني أن تصرفات المراهقين لا تناسبها بأي حال من الأحوال، خاصة وأنها تكرس كل وقتها واهتمامها من أجل الصبيين، ثم أخذتْ تواجهني بما هجستْ من نظراتي نحوها، نظرات هائمة نحو امرأة وجدت نفسها أرملة وهي في عمر الشباب، وكأن ذلك يجب أن يجعلُها مَطمعًا لدى الرجال، وعليها باستمرار أن تؤكد عكس ذلك…
تكلمتْ كثيرًا عن كل ما اختزنَ داخلها من شكوى مريرة عليها أن تُخفيها عن الجميع ما استطاعت كي لا تكشف عما يكتنفها من ضعف قد يتسرَّب إلى ابنيْها، ويكفي ما يعانيان في بيت جَدهما، ما بين والديْها العجوزين الذين يتضايقان من أقل ضَوضاء، وخال مُتزوج حديثًا يتمنى أن يكون البيت له وحده وزوجته الحسناء والمُدللة، وآخر مُعاق ومُكتئب يحتاج إلى عناية خاصة طول الوقت، وشقيقتها الطالبة الجامعية التي تنزعجُ أن يشاركها أيٌ كان غرفتها وأبسط أغراضها…
كانت كما لو أنها بانتظار الانفجار مرةً واحدة، ودون أن تضع كوابح لكلامها معي، أو أنها فقط كانت بحاجة لمن يسمعها كي تسهب بكل آهاتها؟
لا، لم أشأ أن أُقلِل من شأني لديها إلى الحَد الذي أكون فيه مجرد مُستمع إلى فضفضة امرأة ثكلى لا تدرك ما تبدو عليه من فتنة، ودموعها على وشك الهطول فوق خديْها الناعمين.
لم أستطع تجاوز لهفتي باحتضانها أكثر، دون أن أرغب بتركها أبدًا، فطلبتُ منها أن نتزوج بسرعة، وقبل أن تقول كلمة واحدة تنفلت من صمت الدهشة الذي علَا ملامح وجهها أخبرتُها بسرعة أني أحتاج إليها بشدة، وأن أكون مسؤولًا عن ولديْها، كي أجد لحياتي معنى وطريقًا يفكُ عني أسرَ دوّامة العَبث الذي أعيشُه بعد عودتي من حرب احتلت من عمري أعوامًا.
صدرت عن دار ميزوبوتاميا للنشر والتوزيع 2026
#أحمد_غانم_عبد_الجليل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟