أحمد غانم عبد الجليل
الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 08:08
المحور:
الادب والفن
على أنغام موسيقى صدحت فجأة في أرجاء الغرفة، بدأ قدُّها الرشيق يتوهج في تمايله أمامه بفتنةٍ آسرة. كانت تهمس للأرض برؤوس أصابعها، فتنبجس من حولها أنهارٌ تتلاطم أمواجها على وقع خطواتها المترنحة. تدنو منه حينًا حتى تكاد تحتويه وتغيبه بين ثناياها، ثم تصدُّه في غنجٍ رقيق حينًا آخر، كأنها توشك أن تتلاشى.
كانت ذراعاها تلوحان في الهواء، ترسمان صورًا مرتجفة تتراكض بين السقف والجدران، وتنعكس على سطح المرآة المتصدعة المثقلة بالغبار، متسابقةً مع ارتعاش بطنها وردفيها المتماسكين.
تفصّد العرق عن جبينه، واحتدم في داخله صراع الموت والحياة في نشوةٍ مجنونة كادت تذهب بوعيه. انتفض في مكانه، واصطلى بلهيب تأوهاتها وهي تواصل رقصها الغجري المحلّق في فضاء المكان. راحت تعبث بثيابه المهترئة المركونة في الخزانة منذ زمن، وتطل من بين كتبه التي كان يقرؤها في حياةٍ أخرى، تمزج عناوينها، وتبعثر صفحاتها الصفراء، وتسحق أسطرها، وتفكك جملها، وتذيب حروف كلماتها.
كانت تدوس بباطني قدميها صوره المتناثرة مع حبيبةٍ قديمة، أو ربما زوجةٍ دفأت لياليه الطويلة بأحضانها، ومع رفاق لم يعد يتذكر منهم أحدًا. وتبدد ما تبقى له من ذكريات مخضبة بالدماء وعفونة الموت في جحورٍ خفية تحت الأرض، فتنزلق سريعًا من فجوات عقله إلى غياهب العدم، كما يتسرب الماء من قربةٍ مثقوبة في قلب الصحراء.
يئن السرير تحت دلال امرأةٍ أمضت العمر كله في انتظار هذه الليلة، لتعلن تمردها. مدت إليه يديها تدعوه إلى الاستلقاء بجوارها ومعانقة شفتيها المتعطشتين. كانت أنفاسهما المضطرمة تفزع سكون الليل، فيما ينساب وهج عينيها المتقد، كنصل سكينٍ حاد، يشق عتمة المكان ويتراقص في صعوده نحو عنان السماء.
#أحمد_غانم_عبد_الجليل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟