أحمد غانم عبد الجليل
الحوار المتمدن-العدد: 8643 - 2026 / 3 / 11 - 00:21
المحور:
الادب والفن
سنتان وأنا مغروس طيلة ساعات أمام الدبابة، وسط ميدان سُمي باسمها. أعلق الرشاشة إلى كتفي وأحدق في وجوه المارة، خاصة السياح الأجانب الذين يرغبون في التقاط الصور التذكارية، لكن دون أن أظهر فيها للأسف، بعد أن نبهني رؤسائي إلى ضرورة ألا أكون جزءًا من الصورة، لأن الدبابة لا تخص جيلًا ولا ثورة بعينها، بل تختصر الكثير من الأحداث التي شهدتها البلاد، منذ أن ركبها قائد أول ثورة ليجتاز بوابة قصر الحكم، ثم ركنها ولم يعد يعبأ بها، بلا أن يفطن إلى أنها سوف تصير بمثابة أيقونة مباركة لكل مغامرات الاقتحام، منها ما نجح ومنها آل إلى محاولات انقلاب فاشلة استحق منفذوها أحكام الإعدام، في ذات الميدان الذي صار من ضمن معالم المدينة التاريخية، بالإضافة إلى أنه صار ساحة احتفالات لذكرى آخر الثورات، قبل أن يأتوا بالدبابة العاجزة عن الحركة تمامًا، نال الصدأ أغلب أجزائها، ولم يتخذ أي قرار بإصلاحها، ولو من الخارج، رغم أن العيون تبقى مصوبة نحوها، وكأن أصحابها يتأملون حدوث معجزة تحرك الجماد.
أبادلهم النظرات، وكأني أخبرهم أنها في عهدتي حتى انتهاء فترة مناوبتي، وأني لن أسمح أن يلمسها أحد، ولو وقعت حرب أخرى وبقيت قذيفة واحدة لا ندري في أي جهة يجب أن نصوبها، أو ثورةً تنتظر إعلان أول بياناتها، وتبحث عن ظل من الماضي لتحتمي به، رغم أن أوان ذلك الزمن مضى قبل أن أولد بسنوات، ولولا حكايات العجائز ربما ما عرفت مدى أهمية وقوفي الطويل لحراسة ما لا يفكر أحد في سرقته، إلا من أجل بيعها في سوق الخردة، أو ربما لأنها تعد أثرًا لا نعرف قيمته، وبالتالي لا نستحق امتلاكه.
انتهت مدة خدمتي، وخلعت البزة العسكرية. ألقيت السلاح، دون إطلاق رصاصة واحدة، وقبل مغادرتي البلاد وقفت أمامها لألقي عليها تحية الوداع.
كان ذلك قبل أن تباع الدبابة في مزاد علني حضره أثرياء من مختلف الجنسيات، عسى أن يساعد ذلك في النجاة من خطر الإفلاس المحدق بالبلاد.
3. 3. 2026
#أحمد_غانم_عبد_الجليل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟