أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بلقيس خالد - تاريخ المعنى في حياة الإنسان















المزيد.....

تاريخ المعنى في حياة الإنسان


بلقيس خالد

الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 23:36
المحور: الادب والفن
    


الناقد: رياض عبد الواحد السعد

يقوم النص على تحويل الطريق من فضاء جغرافي إلى بنية وجودية تتبدّل دلالتها بتبدّل الوعي والعمر والتجربة. لذلك فالقيمة الأساسية فيه ليست في وصف الطريق
إنما في مساءلة الإنسان عبر الطريق: ماذا يتغير حين نمشي؟ الطريق نفسه، أم العين التي تنظر إليه؟
أبرز ما يلفت النظر أن الشاعرة تبني القصيدة على تحولات دلالية متدرجة: فالطريق في الطفولة (حصاناً يركض بنا نحو اللعب) ، أي إنه طاقة وحركة وانفتاح،
ثم يتحول في مرحلة العشق إلى (حبل من نور) تتعلق به الذات، فيصبح الطريق رابطاً بين كائنين؛
ومع النضج يصير (دعاءً طويلاً) لاستعادة الغائبين، ثم يتحول أخيراً إلى (سؤالٍ ممتد) لا يقود بالضرورة إلى جواب.
وهنا تتراجع وظيفة الطريق من كونه وسيلة للوصول إلى كونه تجسيداً للقلق الإنساني نفسه.
واللافت أن القصيدة لا تقول إن الطريق يتغير، بل تضع المسألة في صيغة سؤال: (أيتغير الطريق؟ أم أن أعيننا هي التي تتغير؟)
وهذا السؤال هو المركز الفلسفي للنص لأنه ينقل التجربة من الخارج إلى الداخل.
فالطريق لا يمتلك معنى ثابتاً في ذاته إنما يستمد معناه من الوعي الذي يقطعه. الطريق الذي كان في الطفولة مساحة للعب يصبح في الكبر مساحة للانتظار والفقد والمصير.
بذلك لا يكون الزمن مجرد خلفية للقصيدة بل قوة تعيد إنتاج الأشياء نفسها دلالياً.
ومن هنا تأتي أهمية الانتقال من (الطريق) إلى (العتبة) في البداية. ليست العتبة مكاناً محايداً؛ إنها الحد الفاصل بين ما نعرفه وما لم ندخله بعد.
ولذلك تقول: (تربكني الخطوة الأولى). ليس الارتباك خوفاً من المشي، بل خوف من أن تكون الخطوة الأولى نفسها فعلاً يغيّر علاقتنا بما بعدها.
إن القصيدة تضع الذات أمام مشكلة الاختيار والمصير: بمجرد أن تبدأ الحركة، يصبح الرجوع مختلفاً عما كان عليه قبل الحركة.
أما الصور الشعرية، فهي لا تأتي للزينة وإنما تؤدي وظيفة في بناء المعنى. (الطريق حصاناً) يجعل الحركة طفولية وحرة؛ و(حبلاً من نور) يجمع بين الاتصال والهشاشة؛
أما (دعاءً طويلاً) فينقل الطريق إلى منطقة الانتظار والرجاء؛ ثم يأتي (السؤال الممتد) ليجرّد الطريق من يقينه ويجعله مساراً معرفياً ووجودياً لا نعرف نهايته.
بهذا التدرج تصبح الاستعارة نفسها سجلاً لتحولات الإنسان.
ويدخل الجاري العجوز في اللحظة التي تبدأ فيها القصيدة بالانتقال من التجربة الفردية إلى الخبرة الإنسانية العامة. فهو ليس شخصية سردية مكتملة بقدر ما هو صوت الحكمة المتأخرة؛
ولذلك فإن قوله: (لكل امرئ طريق) يبدو بسيطاً في ظاهره لكنه يعيد توزيع معنى الطريق على اختلاف المصائر.
فالعامل لا يرى الطريق كما يراه الميت، ولا يرى العاشق الطريق كما يراه الطفل. وتأتي العبارة: (فهو للعامل: رغيفٌ يركض خلفه) لتكشف البعد الاجتماعي للطريق؛
فالطريق هنا ليس بحثاً فلسفياً مجرداً، بل كدح يومي من أجل البقاء.
ثم تبلغ القصيدة ذروة كثافتها في قولها: (وللميت: آخر خيطٍ من الضوء). هنا يحدث انقلاب دلالي حاد: الطريق الذي كان في بدايته اندفاعاً نحو الحياة ينتهي عند تخوم الموت.
ولم يعد الطريق مسافة بين نقطتين إنما صار المسافة الأخيرة بين الوجود والانطفاء. لذلك يبدو النصيص (قبل أن تنطفئ جهة الوصول) أكثر من مجرد نصيص شعري؛
إنه يعيد تعريف الوصول نفسه. فالوصول قد لا يعني بلوغ المكان بل بلوغ النهاية.
والأعمق أن النص لا يمنحنا (الوصول) بوصفه خاتمة مطمئنة. إن (جهة الوصول) قابلة للانطفاء، أي أن الغاية نفسها قد تفقد نورها قبل أن نبلغها.
وهنا يتأسس البعد الوجودي الحقيقي للقصيدة: الإنسان يمضي لكنه لا يمتلك ضمانة أن تكون النهاية جواباً عن السؤال الذي بدأ به. لذلك تتجاور في النص مفردات الطريق،
المسافة، العتبة، الغياب، السؤال، الضوء، الوصول، الانطفاء لتشكّل حقلاً دلالياً واحداً هو حقل المصير.
ومن الناحية الزمنية، تقوم القصيدة على هندسة واضحة: طفولة ـ عشق ـ نضج ـ شيخوخة ـ موت. غير أن هذه المراحل لا تُذكر بوصفها سيرة شخصية بل بوصفها تحولات في معنى العالم.
ولهذا فإن أجمل ما في النص أن الشاعرة لا تقول لنا إن الإنسان يكبر إنما تجعلنا نكتشف ذلك من خلال تغير معنى (الطريق) نفسه.
ان قوة النص تكمن في أنه ينجح حين يجعل الصورة الشعرية حاملةً لفكرة فلسفية، لا حين يكتفي بتجميل الفكرة. وأقوى مناطقه هي السؤال المركزي،
والتحولات المتتابعة لمعنى الطريق، والخاتمة التي تجعل الضوء نفسه مهدداً بالانطفاء. أما بعض الصور، مثل (حقيبة تعبّى) و(يرمي على التراب سنواته)،
فهي أقرب إلى المباشرة التصويرية مقارنة بالكثافة الموجودة في بقية النص لأن معنى التخلص من ثقل العمر مفهوم قبل الصورة،
في حين أن صور (الحصان) و(حبل النور) و(الدعاء) و(خيط الضوء) أكثر انفتاحاً وتأويلاً.
وفي المحصلة، هذه ليست قصيدة عن الطريق بقدر ما هي قصيدة عن تاريخ المعنى في حياة الإنسان: كيف يبدأ العالم لعباً، ثم يصبح حباً،
ثم انتظاراً، ثم سؤالاً، ثم طريقاً أخيراً نحو الضوء الذي قد ينطفئ قبل الوصول. وهذه هي المفارقة التي تمنح النص ثقله: نحن لا نمشي لكي نصل فقط ، نحن نمشي لأن الطريق نفسه هو الطريقة التي نكتشف بها من نكون.

النص:
قبل أن تنطفئ جهة الوصول

بلقيس خالد

تربكني الخطوة الأولى..
كلما وقفت على العتبة
وقست المسافات بقلبي.
أيتغير الطريق؟
أم أن أعيننا هي التي تتغير؟.
حين كنا أطفالاً..
كان الطريق حصاناً يركض بنا نحو اللعب.
عشقنا..
صار حبلاً من نورٍ
تشده يدٌ غافيةٌ عند النافذة.
كبرنا..
صار الطريق دعاءً طويلاً..
حتى يعود الغائبون.
صرنا نمشي على سؤالٍ ممتد
دون أن نعرف إلى أي جوابٍ يقتادنا.
يتنحنح جاري العجوز..
ذلك الذي يرى الطريق مجرد ظل شجرة
يأوي إلى حافته
وكحقيبة تعبى.. يرمي على التراب سنواته.
يهمس وهو يحك عكازه :
لكل امرئ طريق..
فهو للعامل: رغيفٌ يركض خلفه
وللميت: آخر خيطٍ من الضوء..
قبل أن تنطفئ جهة الوصول.



#بلقيس_خالد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قبل أن تنطفئ جهة الوصول
- أثر الماء
- قراءة وتأويل لقصيدة ( فم أصفر ) للشاعرة بلقيس خالد
- أين ذهب القارئ.. أم أين أذهبناه؟
- ذروة الاغتراب
- فمٌ أصفر
- (جتني الصبح) و(أتت).. حين تكسو الفصحى روح الأغنية الشعبية.
- من يملك حق الكلام
- هل أصبح الاستفزاز طريقاً أسرع إلى الشهرة؟
- طعمُ مفتاحٍ صدئٍ
- قراءة نقدية
- ماذا تنتظرين؟
- تحليل نقدي
- (رسالة عاجلة إلى الشمس) بين علي الإمارة وياس الركابي: من احت ...
- رسالةٌ عاجلةٌ إلى الشمس… ثلاثُ قراءاتٍ
- قراءة نقدية.. بلقيس تراسل الشمس
- بلاغٌ عاجلٌ إلى الشمس
- أكل الصغير آخر فاصلةٍ..
- جلسةٌ نقديةٌ باهرة في اتحاد أدباء وكتاب البصرة تحتفي بالمنجز ...
- حين يكتملُ الشغف


المزيد.....




- هوليوود تنقلب على عمالقة التكنولوجيا في موجة من الأفلام
- في مرادخاني.. كابل القديمة تروي حكايتها من جديد
- تكريم الأديبة أ. د. سناء الشّعلان في منتدى الفريق الإبداعيّ ...
- فيلم -Toy Story 5- مدبلجًا إلى اللهجة السعودية لأول مرة
- من غزة إلى اليمن.. حكايات عربية عن الحرب والبقاء في مهرجان ل ...
- مهرجان -أرابيسك-: ملتقى الموسيقى العربية في فرنسا
- تعيينه أثار جدلا واسعا.. استقالة مستشار إعلامي لنقابة فناني ...
- -المنتقمون: نهاية اللعبة- يستعيد صدارة شباك التذاكر العالمي ...
- أسرار قرن ونصف تكشفها أعمال ترميم -ألفية روسيا- في كرملين نو ...
- سبعة كتّاب عرب بينهم ثلاثة سوريين في بورصة التكهنات بنوبل لل ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بلقيس خالد - تاريخ المعنى في حياة الإنسان