|
|
قراءة وتأويل لقصيدة ( فم أصفر ) للشاعرة بلقيس خالد
بلقيس خالد
الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 18:47
المحور:
الادب والفن
حين يفقد المفتاحُ جهةَ البيت
الناقد رياض عبد الواحد
المقدمة: تدخل قصيدة (فمٌ أصفر...) إلى منطقة شعرية لا تكتفي بتصوير الحرب أو الخراب، ولا تتعامل مع البيت بوصفه مكاناً مادياً قابلاً للهدم فحسب لكن لتنقل المتلقي إلى ما يمكن تسميته بمنطقة ما بعد الشبكية؛ أي المنطقة التي تبدأ حين تعجز العين عن استيعاب ما تراه، وحين يتحول المشهد المرئي إلى جرح معرفي ووجداني يستمر في الوعي بعد زوال الصورة. فالقصيدة لا تقول لنا ببساطة إن جرافة هدمت بيتاً إنما تعيد تشكيل فعل الهدم بواسطة تحويل الآلة إلى كائن أسطوري ذي فم، وتحويل البيت إلى جسد، والنافذة إلى كائن مذعور، والسرير إلى حامل لذاكرة الأطفال، والمفتاح إلى قلب تائه يبحث عن جهة لم تعد موجودة. من هنا فإن القصيدة تتحرك من العين إلى ما وراء العين، ومن المشاهدة إلى الصدمة، ومن الشيء إلى أثره، ومن المكان إلى فقدان المكان. إننا لا نرى الخراب فقط بل نرى ما يفعله الخراب بالرؤية نفسها. وهذه النقطة هي التي تمنح النص كثافته الشعرية ، إذ إن الشاعرة لا تقف أمام المأساة لتصفها إنما تجعل الأشياء نفسها تشارك في إنتاج المأساة، إذ يصبح البيت والباب والنافذة والسرير والمفتاح والصورة العائلية علاماتٍ حيةً على عالم فقد انتظامه. النصيص (فمٌ أصفر...) وانقلاب الدلالة: النصيص بالغ الأهمية لأنه يختصر الآلية العميقة التي ستبني عليها القصيدة عالمها كله: (فمٌ أصفر...) لا تقول الشاعرة: جرافة صفراء، ولا شفل أصفر، وإنما تختار الفم. والفم عضوٌ مرتبط بالأكل والافتراس والكلام والصراخ. وبذلك تنتقل الآلة من حيّزها التقني إلى حيّز الكائن الحي. إن الشفل لا يهدم البيت بآليته الميكانيكية فقط بل يأكله. وهنا تتأسس الاستعارة المركزية في القصيدة: (فم أصفر يبحث عن بيت ليأكله) فاللون الأصفر ليس لوناً محايداً، إنه لون الآلة بيد انه في السياق الشعري يتحول إلى لون للوحش. وحين يصبح للشفل فم، يصبح البيت شيئاً قابلاً للالتهام، ويصبح الهدم فعلاً افتراسياً. أما النقاط الثلاث في النصيص (...) فتفتحه على ما لم يُقَل. إنها ليست مجرد علامة ترقيم بل مساحة صمت. وكأن (الفم) نفسه يتوقف عند حافة الكلام، أو أن ما فعله هذا الفم أكبر من أن تستكمله اللغة. وهكذا يظل النصيص مفتوحاً على سؤال: ماذا يستطيع فمٌ أصفر أن يلتهم بعد البيت؟ الجواب الذي ستقدمه القصيدة تدريجياً هو: الذاكرة، والأمان، والطفولة، والأم، ومعنى البيت نفسه. الشفل من آلة إلى كائن أسطوري: تبدأ القصيدة من ذاكرة الطفولة: (كنت أظن أن الشفل حيوان أصفر ضل طريقه من الأساطير) هذه البداية شديدة الذكاء لأنها تؤسس منظور الطفل قبل أن تنتقل القصيدة إلى منظور الراشد. فالطفل لا يمتلك المعجم التقني الذي يجعل الشفل مجرد آلة حفر لذلك يمنحه طبيعة حيوانية أسطورية. إنه حيوان أصفر. لكن الشاعرة لا تكتفي باستعادة خيال الطفولة بل تفعل شيئاً أكثر عمقاً: إنها تكتشف أن الخيال الطفولي لم يكن مخطئاً تماماً. فالشفل الذي بدا في الطفولة حيواناً أسطورياً يصبح في الواقع أكثر وحشية عندما تكبر الذات: (كبرت.. وكبر الشفل..) الجملة قصيرة، لكنها تحمل انقلاباً دلالياً هائلاً. لقد كبرت الذات، لكن كبر معها الوحش. وكأن الزمن لم يبدد الخوف القديم وإنما أعطاه جسداً أكبر وفماً أوسع. وهنا تنتقل القصيدة من أسطورة الطفل إلى واقعية الكارثة. من (إعصار في الشارع) إلى (فم يأكل البيت) في الطفولة كان صوت الشفل: (إعصار يدور في قلب الشارع) لكن الخوف آنذاك كان ينتهي عند حدود البيت: (أدخل البيت أغلق الباب وأواصل الركض حتى أصل إلى أمي.) فالبيت كان آنذاك ملاذاً. والأم كانت النهاية الآمنة للخوف. لكن البنية الدرامية للقصيدة تقوم على تدمير هذه المعادلة: الخوف ← البيت ← الأم في الحاضر تصبح: الخوف ← هدم البيت ← غياب الأم وهذا هو التحول الأكثر مأساوية في النص. في الطفولة، كانت الأم تطفئ الخوف: (كأنها تطفئ مصباحاً صغيراً اشتعل من الخوف.) أما في الحاضر فلا توجد أم يمكن الوصول إليها. إن الشاعرة لا تكتفي بتدمير البيت بل تدمر فكرة البيت بوصفه ملجأً. الأم بوصفها (بيتاً): من أجمل التحولات الدلالية في القصيدة أن الأم لا تقدم بوصفها شخصية عاطفية فحسب، وإنما بوصفها مكاناً. في البداية: (أواصل الركض حتى أصل إلى أمي) أي أن الوصول إلى الأم يعادل الوصول إلى البيت. وفي النهاية تقول: (عن كف تصلح أن تكون بيتاً، فلا أجد.) هنا تبلغ القصيدة واحدة من أعلى ذرواتها. لقد تحولت كف الأم إلى معادل للبيت. الكف ليست عضواً جسدياً فقط, إنها الحماية والطمأنينة والاحتواء ولهذا تصبح عبارة: (كف تصلح أن تكون بيتاً) أعمق من أي وصف مباشر لغياب الأم. فالبيت الحقيقي في القصيدة ليس الجدران إنما اليد التي تمنح الطفل شعوراً بأنه في مأمن. وعندما تختفي هذه اليد، يصبح الخراب مضاعفاً: خراب المكان. وخراب الحماية. ما بعد الشبكية: حين تصبح الأشياء هي التي ترى: من منظور ما بعد شبكي، لا تنتمي القصيدة إلى نظام الوصف البصري المباشرعلى الرغم من أنها مكتظة بالمشاهد. فالقصيدة تبدأ بالرؤية: (رأيته هذا الصباح يعض بيتاً) لكنها سرعان ما تجعل الأشياء تتحول إلى ذواتٍ ترى وتخاف وتبحث. (خرجت من فمه نافذة مذعورة) ليست النافذة شيئاً يُرى بل شيء يشعر بالخوف. ثم: (وسرير يحمل نوم أربعة أطفال) السرير لا يحمل الأطفال فقط إنما يحمل النوم. وهذا انزياح بالغ الدقة؛ لأن النوم يتحول إلى شيء مادي يمكن حمله وانتزاعه من مكانه. ثم: (وقدور تدحرجت..، تبحث عن مطبخ.) إن القدور لا تبحث عن مكان لوضعها فقط، إنها تبحث عن المعنى الذي كانت تؤديه. وهكذا تتحول الأشياء إلى كائنات فقدت وظائفها. النافذة فقدت الجدار. السرير فقد الغرفة. القدور فقدت المطبخ. والبيت كله فقد ذاته. هذه هي الرؤية ما بعد الشبكية: أن ترى الشيء بعد أن يفقد المكان الذي يمنحه معناه. (يا لغربة الباب حين يفقد بيته) : هذه الجملة تستحق أن تكون مركزاً تأويلياً للقصيدة: إنها من أكثر الجمل كثافة في النص. فالعادة أن نقول: الإنسان يغترب حين يفقد بيته. لكن الشاعرة تقلب العلاقة: الباب نفسه يغترب حين يفقد البيت. وهنا يصبح الباب كائناً مكانياً لا يستطيع أن يعيش خارج سياقه. البيت ليس جدراناً متجاورة،وإنما شبكة من العلاقات التي تمنح الأشياء وظائفها وهوياتها. وحين يسقط البيت: يصبح الباب غريباً. يصبح السرير غريباً. تصبح القدور غريبة. يصبح المفتاح غريباً. بل إن الإنسان نفسه يصبح غريباً عن المكان الذي كان يعرفه. الصورة العائلية وسقوط الوجوه: تصل القصيدة إلى لحظة شديدة الذكاء: (صورة عائلية تتساقط من إطارها.. ركضت الوجوه إلى الجهات كلها إلا وجه الأم.. ظل مكانه) هنا يحدث انتقال من الجسد إلى الصورة. البيت ينهار لكن الصورة تحمل محاولة أخيرة للمحافظة على العائلة. غير أن الوجوه: (ركضت... إلى الجهات كلها) وكأن الانهيار لم يصب المكان وحده إنما أصاب وحدة الأسرة. أما وجه الأم فيبقى. وهذا البقاء ليس طمأنينة، بل مأساة: (كأنه يعرف أن بعض الصور لا تستطيع النجاة.) الصورة هنا لا تحفظ الذاكرة؛ إنها تكشف عجز الذاكرة عن الإنقاذ. وهذه نقطة أساسية في القراءة ما بعد الشبكية: الصورة لا تعيد ما فقدناه وإنما تجعل فقدانه أكثر حضوراً. انقلاب جغرافية البيت: تقول الشاعرة: (صار السقف سماء والغرفة شارعاً والمطبخ رائحة معلقة في الهواء.) هذه الثلاثية تمثل انهيار الحدود المكانية. السقف الذي كان يفصل الداخل عن الخارج أصبح سماء. الغرفة التي كانت تحمي الخصوصية أصبحت شارعاً. المطبخ الذي كان مكاناً للطعام يتحول إلى مجرد رائحة. إذن الخراب لا يهدم الأشياء فقط بل يلغي الفواصل التي كانت تجعل البيت بيتاً. يمكن صياغة هذه الحركة هكذا: السقف → السماء الغرفة → الشارع المطبخ → الرائحة إنها عملية تفكك تدريجي للمادة حتى لا يبقى منها سوى الأثر. وهذا هو جوهر ما بعد الشبكية: أن تتحول الأشياء المرئية إلى آثار غير مرئية إلا بالذاكرة. المفتاح... مركز القصيدة الرمزي: إذا كان الشفل هو القوة الهدامة، فإن المفتاح هو العلامة الأكثر اختصاراً لفكرة البيت. (انزلق مفتاح.. مفتاح فضي صغير يلمع) المفتاح لا قيمة له منفرداً. وظيفته مرتبطة بالباب. والباب مرتبط بالبيت. والبيت مرتبط بالعائلة. وحين ينهار البيت، يفقد المفتاح وظيفته. ولهذا: (اقترب من جدار.. لا جدار اقترب من نافذة.. لا نافذة) هذه من أكثر لحظات القصيدة قوة. المفتاح يتحرك لكنه لا يجد ما يفتح. ثم: (ظل يدور حول نفسه كقلب فقد جهة البيت.) هنا تكتمل الاستعارة. المفتاح = القلب. والبيت = الجهة. وفقدان البيت = فقدان الاتجاه الوجودي. المفتاح لا يبحث عن باب فقط، إنه يبحث عن المكان الذي يجعل وجوده ذا معنى. ولهذا يصبح المفتاح أكثر من رمز للمنزل، يصبح رمزاً للإنسان الذي يفقد المكان الذي يعرفه فيظل حاملاً لمفتاح لا يفتح شيئاً. التحول الأخلاقي في شخصية المتكلمة: في بداية القصيدة: (كلما مر.. أخلع قدمي من الأرض وأركض) ثم: (أصل إلى أمي.) أما في النهاية: (لكنني للمرة الأولى.. لم أبحث عن أمي.. بحثت عن أطفال هذه لحظة التحول الكبرى في القصيدة. الطفلة التي كانت تبحث عن أمها أصبحت امرأة تبحث عن الأطفال. أي أن الذات انتقلت من الخوف الشخصي إلى المسؤولية الأخلاقية. لقد تغير مركز الرؤية: أنا الخائفة ← الآخر المنكوب. ولهذا فإن القصيدة لا تنتهي عند استعادة ذاكرة الطفولة بل تتجاوزها إلى وعي أخلاقي جديد. الشاعرة لم تعد ترى الشفل بعيني الطفلة فقط إنما بعين من يعرف أن هناك أطفالاً لم يعد لهم بيت يركضون إليه. الأطفال بوصفهم بقايا البيت: المشهد الأخير للأطفال من أكثر المقاطع تأثيراً: (كل طفل يحمل شيئاً من بيته) ثم تأتي الأشياء: (واحد يحمل وسادة وآخر يحمل حقيبة مدرسية طفل يضم إلى صدره رضاعة وطفلة انتزع الخوف نعلها.) هذه الأشياء الصغيرة تؤدي وظيفة سردية وشعرية هائلة. فالبيت الذي اختفى مادياً يتوزع الآن على أجساد الأطفال. الوسادة تختصر النوم. الحقيبة تختصر المدرسة والمستقبل. الرضاعة تختصر الطفولة والأمومة. أما النعل الذي انتزعه الخوف، فيختصر العجز عن الحركة الآمنة. الأطفال لا يحملون ممتلكاتهم؛ إنهم يحملون شظايا حياتهم السابقة. ولهذا يمكن القول إن البيت بعد انهياره لم يختفِ تماماً لكن تحول إلى أشياء محمولة. السماء التي لا تستقبل المفتاح: تصل القصيدة إلى خاتمتها: (نساء مغبرات يرفعن مفاتيح نحو السماء، والسماء واسعة جداً.. واسعة إلى الحد الذي لا يعرف فيه المفتاح أين يضع خوفه.) هنا تبلغ القصيدة مستوى رمزياً عالياً. المفتاح الذي كان يفترض أن يفتح باباً أصبح مرفوعاً إلى السماء. لكن السماء ليست باباً. ومن ثم يتحول الفعل من فتح البيت إلى طلب النجاة. غير أن السماء واسعة. إنها لا تقدم عنواناً للمفتاح. وهنا يتحول المفتاح إلى علامة على العجز. فالإنسان يمتلك مفتاحاً، لكنه لا يمتلك البيت. ويمتلك ذاكرة، لكنه لا يمتلك المكان. ويمتلك الخوف، لكنه لا يجد موضعاً يضعه فيه. وهذا يجعل الجملة الأخيرة شديدة القسوة: «لا يعرف فيه المفتاح أين يضع خوفه.» فالمفتاح لم يعد يحمل وظيفة مادية؛ صار يحمل الخوف نفسه. ثالث عشر: اللون الأصفر بوصفه ذاكرة بصرية للخراب الأصفر في العنوان وفي وصف الشفل ليس مجرد تفصيل لوني. إنه اللون الذي يظل عالقاً في الذاكرة. في البداية: حيوان أصفر. ثم: الشفل الأصفر. وفي النهاية: «أصفر، هادئاً، كأنه لم يفعل شيئاً.» وهذه المفارقة مؤلمة. فالآلة هادئة، بينما الإنسان محطم. الآلة تبدو بريئة بعد فعلها، بينما الأطفال يحملون بقايا بيوتهم. وهنا تمنح الشاعرة اللون وظيفة أخلاقية: الأصفر يصبح لوناً للفاعل الصامت الذي يترك وراءه خراباً هائلاً. البنية الدائرية للقصيدة: تبدأ القصيدة بالطفولة وتنتهي بالأطفال. وهذا ليس مصادفة. في البداية: طفلة تخاف الشفل وتهرب إلى أمها. وفي النهاية: امرأة ترى أطفالاً فقدوا الأم والبيت. إذن القصيدة تتحرك في دائرة زمنية: طفولة → ذاكرة → حاضر → أطفال لكنها لا تعود إلى النقطة الأولى؛ لأن الذات تغيرت. في البداية كانت تبحث عن بيت يحميها. في النهاية تبحث عن كف تكون بيتاً للأطفال. وهنا تتجاوز القصيدة الذاكرة الشخصية لتصبح ذاكرة جماعية. خامة القصيدة: من الآلة إلى الإنسان: يمكن اختزال المسار الدلالي للنص في سلسلة من التحولات: الشفل → الحيوان → الوحش → الفم → الآكل وفي المقابل: البيت → الجدار → الغرفة → الركام → الذكرى ثم: المفتاح → الباب → البيت → القلب → الخوف وأخيراً: الأم → الكف → البيت → الغياب هذه التحولات هي التي تجعل القصيدة تتجاوز المباشرة التسجيلية. إنها لا تقدم لنا مشهد هدم فقط إنما تعيد بناء المأساة داخل شبكة من الاستعارات المتحركة. الخاتمة: حين لا تعود العين قادرة على إنقاذ ما ترى: إن قصيدة (فمٌ أصفر...) لا تكتب الخراب من خارجه بل تدخل إلى طبقاته الداخلية. إنها تبدأ من خوف طفولي بسيط من آلة صفراء، ثم تكشف أن تلك الآلة لم تكن مجرد جزء من المشهد، وإنما تحولت إلى كائن يلتهم المكان والذاكرة والأمان. وتكمن قوة القصيدة في أنها لا تعتمد على مشهد الدم أو الصراخ كي تنتج المأساة بل تجعل الأشياء الصامتة تتكلم: نافذة مذعورة، سرير يحمل النوم، قدور تبحث عن مطبخ، باب فقد بيته، صورة تتساقط، ومفتاح يدور حول نفسه. ومن هنا تأتي شعريتها ما بعد الشبكية: العين ترى الركام لكن القصيدة تجعلنا نرى ما لا يظهر في الركام ، نرى البيت الذي كان، والأم التي كانت، والطفل الذي كان يملك مكاناً يركض إليه، والمفتاح الذي كان يعرف تماماً أي باب يفتح. ولعل أوجع ما في القصيدة أن الشفل لا يبقى في النهاية وحشاً صاخباً بل يصبح: (أصفر، هادئاً، كأنه لم يفعل شيئاً.) بينما يظل الإنسان يحمل آثار ما فعل. وهنا تنجح بلقيس خالد في نقل المأساة من صورة الهدم إلى فلسفة الفقد ، فالمشكلة ليست أن البيت تهدم فقط إنما أن الأشياء التي كانت تمنح الإنسان معنى الأمان فقدت جهاتها. ولهذا يصبح المفتاح في نهاية القصيدة أكثر من قطعة معدن: إنه ذاكرة البيت حين يفقد البيت، وقلب الإنسان حين يفقد جهته، وطفولةٌ لم تعد تعرف إلى أي باب تركض. وفي هذه اللحظة تحديداً، تتوقف العين عن كونها أداة للرؤية، وتصبح شاهداً عاجزاً لتبدأ القصيدة عملها الحقيقي: أن تجعلنا نرى ما لا تستطيع العين وحدها أن تراه.
النص الاصلي
فمٌ أصفر... كنت أظن أن الشفل حيوان أصفر ضل طريقه من الأساطير وأن صوته، إعصار يدور في قلب الشارع. كلما مر.. أخلع قدمي من الأرض وأركض.. أدخل البيت أغلق الباب وأواصل الركض حتى أصل إلى أمي.. تبتسم.. تضع كفها على رأسي كأنها تطفئ مصباحاً صغيراً اشتعل من الخوف. أحكي لها عن فم أصفر يبحث عن بيت ليأكله. كبرت.. وكبر الشفل.. صار له فم أوسع من البيوت وأكثر معرفة بالجدران رأيته هذا الصباح يعض بيتاً خرجت من فمه نافذة مذعورة وسرير يحمل نوم أربعة أطفال وقدور تدحرجت..، تبحث عن مطبخ. تهاوى الباب.. يا لغربة الباب حين يفقد بيته. على بقايا الجدار.. صورة عائلية تتساقط من إطارها.. ركضت الوجوه إلى الجهات كلها إلا وجه الأم.. ظل مكانه كأنه يعرف أن بعض الصور لا تستطيع النجاة. الشفل الأصفر ينقل المكان من البيت. صار السقف سماء والغرفة شارعاً والمطبخ رائحة معلقة في الهواء. من تحت الركام.. انزلق مفتاح.. مفتاح فضي صغير يلمع قلبته الأرجل مرة.. مرتين اقترب من جدار.. لا جدار اقترب من نافذة.. لا نافذة ظل يدور حول نفسه كقلب فقد جهة البيت. في المساء.. الشفل واقفاً بعيداً.. أصفر، هادئاً، كأنه لم يفعل شيئاً. لكنني للمرة الأولى.. لم أبحث عن أمي.. بحثت عن أطفال. كانوا واقفين.. كل طفل يحمل شيئاً من بيته: واحد يحمل وسادة وآخر يحمل حقيبة مدرسية طفل يضم إلى صدره رضاعة وطفلة انتزع الخوف نعلها. أطفال خائفون.. ولم يبق بيت يركضون إليه. أبحث بعيني عن أم ما.. عن كف تصلح أن تكون بيتاً، فلا أجد. فقط.. نساء مغبرات يرفعن مفاتيح نحو السماء، والسماء واسعة جداً.. واسعة إلى الحد الذي لا يعرف فيه المفتاح أين يضع خوفه.
#بلقيس_خالد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أين ذهب القارئ.. أم أين أذهبناه؟
-
ذروة الاغتراب
-
فمٌ أصفر
-
(جتني الصبح) و(أتت).. حين تكسو الفصحى روح الأغنية الشعبية.
-
من يملك حق الكلام
-
هل أصبح الاستفزاز طريقاً أسرع إلى الشهرة؟
-
طعمُ مفتاحٍ صدئٍ
-
قراءة نقدية
-
ماذا تنتظرين؟
-
تحليل نقدي
-
(رسالة عاجلة إلى الشمس) بين علي الإمارة وياس الركابي: من احت
...
-
رسالةٌ عاجلةٌ إلى الشمس… ثلاثُ قراءاتٍ
-
قراءة نقدية.. بلقيس تراسل الشمس
-
بلاغٌ عاجلٌ إلى الشمس
-
أكل الصغير آخر فاصلةٍ..
-
جلسةٌ نقديةٌ باهرة في اتحاد أدباء وكتاب البصرة تحتفي بالمنجز
...
-
حين يكتملُ الشغف
-
شكوكُ الملح
-
أعلى من الجهاتِ.. هايكو عراقي
-
أرشيفُ الرحيل
المزيد.....
-
-روّحي على بيت أبوكي-.. انطلاق عروض فيلم -ريد فلاج-
-
بعد توحيد المناهج.. مطالب باستمرار تدريس اللغة التركية في سو
...
-
بن شيلتون يسقط ألكاراز في ماراثون تاريخي.. واحتفال كوميدي بع
...
-
من السجن إلى الذاكرة.. هل تصبح حكايات الأقبية أساسا لسوريا ا
...
-
فنان مصري شهير يصاب بالتسمم أثناء تواجده في لبنان
-
الخارجية الأمريكية مولت بودكاست باللغة الروسية للترويج لمجتم
...
-
-ثقافة التنوع في السرديات العراقية- في المعهد الثقافي الفرنس
...
-
سوريا.. من ريف إدلب إلى المتحف الوطني تروى حكاية 513 قطعة أ
...
-
من -غلادياتور- إلى -الأوديسة-.. لماذا تحول المغرب إلى وجهة ل
...
-
أكاديمية غزة للسينما.. مشروع جديد للتدريب وإنتاج الأفلام بال
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|