أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بلقيس خالد - من يملك حق الكلام














المزيد.....

من يملك حق الكلام


بلقيس خالد

الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 18:48
المحور: الادب والفن
    


الناقد رياض عبد الواحد السعد

تنهض القصيدة على مفارقة تداولية مركزية: المتكلم لا يستعيد الماضي بوصفه زمناً منقضياً بل يستدعيه بوصفه خطاباً ما يزال يمارس سلطته على الحاضر.
لذلك فإن (المفتاح الصدئ) في النصيص ليس مجرد صورة شعرية، إنه علامة على جيل ورث أبواباً مغلقة، وورث معها معرفة الخوف قبل معرفة الدخول.
من منظور تداولي، يلفت الانتباه ضمير الجمع (نحن) الذي يتكرر بوصفه استراتيجية لبناء جماعة خطابية: (نحن الجيل)، (نحن الذين عبرنا)، (نحن جيل بين بابين).
إن الشاعرة لا تتحدث عن ذات فردية إنما تصنع ذاتاً جمعية تتكلم من موقع الشاهد والناجي في الوقت نفسه وهذا ما يمنح الخطاب قوة إنجازية، فقول (نحن) لا يصف الجماعة فحسب
بل يؤسس وجودها الخطابي في مواجهة (هم) الذين يواصلون التشاجر عند (باب الزمن القديم).
وتتأسس القصيدة على ثنائية خطابية حادة: نحن/هم، الحاضر/الماضي، الأحياء/الموتى، الصمت/الضجيج،
العبور/العتبة. غير أن الشاعرة لا تجعل هذه الثنائيات مستقرة، إذ سرعان ما تتداخل الحدود بينها. فالموتى يعودون للكلام،
والأوراق (تتنحنح قبل أن تتكلم)، ثم (تبدأ في التقليب بنفسها)، والزمن الميت يُجر إلى الساحة.
هنا تتحول الأشياء الجامدة إلى ذوات متكلمة بينما يفقد الإنسان قدرته على الإصغاء. وهذه المفارقة تمنح القصيدة بعداً تداولياً عميقاً:
المشكلة ليست غياب الكلام بل فائض الكلام وانهيار الإصغاء.
ولعل أكثر المقاطع كثافة من هذه الزاوية:
(هذا كان لنا.
ـ بل لنا).
فالخطاب هنا يختزل صراعاً تاريخياً كاملاً في فعل امتلاك. كلمة (لنا) لا تؤدي وظيفة الإخبار إنما تؤدي فعلاً إنجازياً: الاستحواذ على الماضي وإعادة امتلاكه رمزياً
ولذلك لا يعود الماضي ذاكرة مشتركة بل يتحول إلى ملكية متنازع عليها. حتى الموتى لا يملكون حق الصمت؛ إذ يُستدعون إلى المعركة كي يصبحوا شهوداً في صراع الأحياء.
وتبلغ المفارقة ذروتها في قول الموتى:
(اتركونا..
اتركونا نموت مرةً واحدةً)..
هذه الجملة تتجاوز معناها المباشر، إنها فعل احتجاج تداولي ضد الذين يعيدون تشغيل الموت سياسياً ورمزياً. فالموت هنا لم يعد نهاية
إنما صار مادةً قابلة لإعادة التوظيف في الخطاب. ولذلك تأتي العبارة اللاحقة شديدة الذكاء:
(فالطنين أعلى من صوت التراب).
فالطنين ليس مجرد ضجيج، إنه استعارة لخطاب جماعي فاقد للإنصات، خطاب يعيد إنتاج نفسه باستمرار حتى يطمس الحقيقة ذاتها.
أما عبارة:
(لقد كنتم جميعاً تبتسمون للصورة).
فهي من أخطر الجمل تداولياً لأنها تكسر الخطاب التبريري اللاحق. فالصورة هنا تتحول إلى (شاهد صامت) على التواطؤ أو المشاركة أو الصمت ،
لذلك تتنحنح الأوراق قبل أن تتكلم، وكأن الوثيقة المؤرشفة تستعيد فجأة قوتها الشهادية في مواجهة الذاكرة الانتقائية.
وفي خاتمة القصيدة يتكثف المأزق كله في صورة (العتبة):
(نحنُ..
جيلٌ بين بابين)
فالعتبة ليست مكاناً هندسياً بل موقع تداولي وجودي، الجيل عالق بين خطابين: ماضٍ لم يُغلق، ومستقبل لم يُفتح. ولهذا تأتي الصورة الختامية:
(كأننا خطأٌ مطبعيٌّ في كتاب الزمن).
وهي صورة موفقة جداً لأنها تنقل الجيل من كونه (فاعلاً في التاريخ) إلى كونه علامةً قلقة داخل نص تاريخي مختل.
الخطأ المطبعي يمكن أن يكون صغيراً، لكنه يكشف خللاً في الكتاب كله، وهكذا يصبح الجيل شاهداً على اضطراب التاريخ الذي ورثه.
تداولياً، قوة القصيدة تكمن في أنها لا تقدم خطاباً سياسياً مباشراً إنما تجعل اللغة نفسها مسرحاً للصراع على الذاكرة.
فالقصيدة لا تسأل فقط: من فعل؟ ومن أخطأ؟ وإنما تسأل سؤالاً أعمق: من يملك حق تسمية الماضي، ومن يملك حق الكلام باسمه؟
ولهذا فإن (طعم المفتاح الصدئ) يظل عالقاً في الفم حتى النهاية: مفتاحٌ موروث، وبابٌ لم يُفتح،
وماضٍ لم يمت، وجيلٌ يقف على العتبة لا لأنه عاجز عن الدخول بل لأنه لم يجد بعد اللغة التي تتيح له أن يفتح المستقبل من دون أن يصدر من الباب صوت الماضي.

****
طعمُ مفتاحٍ صدئٍ

بلقيس خالد

نحنُ الجيلُ
الذي ولدَ وفي فمهِ
طعمُ مفتاحٍ صدئٍ..
كبرنا ونحنُ نتعلمُ كيف
نفتحُ الباب دون أن يصدر صوتاً.
نحنُ الذين عبرنا
من ليلٍ طويلٍ
إلى صبحٍ لا ندري ماذا نسميه
تركنا خلفنا أحذيتنا..
كي لا يسمع الخوف خطواتنا.
لكنهم..
ما زالوا يتشاجرون
عند باب الزمن القديم
هذا يرفعُ ورقةً..
وذاك يرفعُ قصيدةً..
تخرجُ من الأدراج أوراقٌ صفرٌ،
تتنحنحُ قبل أن تتكلم،
وتقول: رويدكم..
رويدكم،
لقد كنتم جميعاً تبتسمون للصورة.
تصمتُ الأوراق قليلاً،
ثم تبدأ في التقليب بنفسها..
صفحةً وراء صفحةٍ،
كأن الماضي يحاول
أن يجد شاهداً على براءتهِ.
ننظرُ إليهم...
فنرى زمناً ميتاً
يُجرُّ من قدميهِ إلى منتصف الساحة،
ليقتتل عليهِ أبناءُ الذين نجوا منهُ.
حتى الموتى..
فتحوا قبورهم،
أخرجوا منها أسئلةً قديمةً
ثم تشاجروا:
هذا كان لنا.
- بل لنا.
خرج الموتى من قبورهم مضجورين:
اتركونا..
اتركونا نموت مرةً واحدةً..
لكنهم لم يسمعوا..
فالطنين أعلى من صوت التراب.
طنينٌ هنا..
طنينٌ هناك..
واتهاماتٌ تطير كذبابٍ
يحاولُ عضَّ وجه الزمن.
نحنُ..
جيلٌ بين بابين:
خلفنا غرفةٌ أكل العنكبوت ستائرها
وأمامنا غرفةٌ لم تصلها الشمس بعد..
لا ندخلُ هذه،
ولا نجرؤُ على فتح تلك،
نقفُ في العتبةِ..
كأننا خطأٌ مطبعيٌّ في كتاب الزمن>



#بلقيس_خالد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل أصبح الاستفزاز طريقاً أسرع إلى الشهرة؟
- طعمُ مفتاحٍ صدئٍ
- قراءة نقدية
- ماذا تنتظرين؟
- تحليل نقدي
- (رسالة عاجلة إلى الشمس) بين علي الإمارة وياس الركابي: من احت ...
- رسالةٌ عاجلةٌ إلى الشمس… ثلاثُ قراءاتٍ
- قراءة نقدية.. بلقيس تراسل الشمس
- بلاغٌ عاجلٌ إلى الشمس
- أكل الصغير آخر فاصلةٍ..
- جلسةٌ نقديةٌ باهرة في اتحاد أدباء وكتاب البصرة تحتفي بالمنجز ...
- حين يكتملُ الشغف
- شكوكُ الملح
- أعلى من الجهاتِ.. هايكو عراقي
- أرشيفُ الرحيل
- بمعيةِ فكرةٍ..
- خطأٌ زمني
- الهايكو العراقي قراءة نقدية
- ما لم تكنسهُ النساء.. قراءة الناقد د. عبد الكريم الحلو
- تنتظركَ في هيئة عيد


المزيد.....




- -فقدنا ملاكاً على الأرض-.. العالم الفني يودّع دوللي بارتون ب ...
- من شنغهاي إلى موسكو.. تشاو لي هونغ والأدب الصيني في معرض موس ...
- -جاسوس ومتمرد-.. القصة الغامضة وراء إعدام الشاعر الروسي نيقو ...
- تركيا.. نجم مسلسل -الأوراق المتساقطة- يعمل سائق شاحنة في أمر ...
- ماجدة موريس تكتب :الموسيقي والناس.. والقلعة 
- -حوار طال انتظاره-.. الإعلان عن برنامج مهرجان -متحف الإعلام- ...
- كيف ابتكر البلاشفة الصحافة المسموعة؟
- وفاة أيقونة موسيقى الريف -الكانتري- الأمريكية دوللي بارتون ع ...
- بعد وفاتها.. استذكار نكتة دوللي بارتون -المبتذلة- التي توقعت ...
- حتى لا يضيع الوهم: كاظم الساهر في سيدني


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بلقيس خالد - من يملك حق الكلام