|
|
لماذا ما زلنا نحتاج إلى الثقافة؟
محمد نجيب السعد
الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 20:49
المحور:
الادب والفن
ثمة مفارقة غريبة تحيط بالإنسان المعاصر: لم يعرف البشر في تاريخهم زمنًا امتلكوا فيه هذا القدر الهائل من المعلومات، وربما لم يعرفوا زمنًا شعروا فيه بهذا القدر من الحيرة أمام معنى ما يعرفون. نستيقظ فنجد العالم كله تقريبًا في هواتفنا: حربًا بدأت في مكان بعيد واكتشافًا علميًا وصورة التقطت قبل دقائق من الفضاء وكتابًا صدر في دولة بعيدة جداً وكارثة طبيعية وقعت في بلد آخر وفضيحة سياسية في بلد ثالث وموت شاعر معروف وغيرها أشياء كثيرة . تصل الأشياء إلينا بسرعة مذهلة، لكنها تمر أمامنا بالسرعة نفسها. نعرف كثيرًا، ونحتفظ بقليل. نرى كثيرًا، وربما نتأمل أقل. ولهذا قد يكون السؤال الذي يبدو للوهلة الأولى بسيطًا واحدًا من أكثر أسئلة عصرنا إلحاحًا: لماذا ما زلنا نحتاج إلى الثقافة؟ ربما لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بالمعلومات وحدها. المعلومة تخبرنا بما حدث، أما الثقافة فتساعدنا على أن نسأل: ماذا يعني ما حدث؟ الخبر يستطيع أن يخبرنا بأن آلاف البشر غادروا مدنهم بسبب الحرب، لكن رواية مثل الطريق لكورماك مكارثي تجعل الخراب شيئًا آخر تمامًا: عالمًا فقد مؤسساته وقوانينه وضماناته، ولم يبق فيه سوى أب وطفل يحملان بينهما آخر الأسئلة الأخلاقية: هل يستطيع الإنسان أن يظل إنسانًا حين ينهار كل شيء حوله؟ هنا لا تقدم الرواية لنا معلومة عن الكارثة؛ إنها تضعنا داخل التجربة التي لا تستطيع الأرقام أن تنقلها. وهذا هو الفرق الجوهري بين المعرفة بوصفها تراكمًا للوقائع والثقافة بوصفها توسيعًا لقدرة الإنسان على الإحساس والفهم والتخيّل. نستطيع أن نقرأ آلاف الصفحات عن العبودية في الولايات المتحدة، لكن رواية محبوبة لتوني موريسون تفعل شيئًا لا يستطيع الجدول الإحصائي أن يفعله. إنها تجعل الماضي الذي انتهى قانونيًا يواصل الحياة في الجسد والذاكرة واللغة. العبودية فيها ليست حدثًا وقع ثم أصبح جزءًا من التاريخ؛ إنها جرح يستطيع الماضي من خلاله أن يسكن الحاضر. وحين نغلق الرواية لا نكون قد عرفنا عن العبودية أكثر فحسب، بل أصبحنا أقل قدرة على النظر إليها بوصفها رقمًا أو فقرة في كتاب تاريخ. والأدب يفعل ذلك لأنه يمنحنا، على نحو يكاد يكون مستحيلًا في الحياة اليومية، فرصة أن نعيش أكثر من حياة واحدة. عمر الإنسان قصير وتجربته محدودة بالمكان والجسد والزمن والطبقة واللغة التي ولد فيها. لكن قارئ رواية الأشياء تتداعى لتشينوا أتشيبي يستطيع أن يدخل عالم قرية إيغبو في نيجيريا عشية الاصطدام بالاستعمار الأوروبي، لا من الخارج كما تظهر في تقرير استعماري، بل من داخل نظامها الرمزي وعلاقاتها ومخاوفها وطقوسها. وقارئ موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح يتحرك في الاتجاه المعاكس تقريبًا، بين السودان وأوروبا، ليرى كيف يستمر الاستعمار حتى بعد أن تتغير الخرائط والأعلام، وكيف يصبح اللقاء بين الشرق والغرب لقاءً بين ذاكرات ورغبات وصور صنع كل طرف بعضها عن بعض. وهكذا تمنحنا الثقافة ما يمكن تسميته الحق في الخروج المؤقت من أنفسنا. لا لكي نصبح شخصًا آخر، بل لكي ندرك أن طريقتنا في رؤية العالم ليست الطريقة الوحيدة الممكنة. حين نقرأ رجال في الشمس لغسان كنفاني، على سبيل المثال، لا تعود الهجرة كلمة سياسية مجردة. تتحول الصحراء والخزان والحرارة والصمت إلى تجربة إنسانية تكاد تضيق بها أنفاس القارئ. وحين نقرأ الخبز الحافي لمحمد شكري لا يبقى الفقر مفهومًا اقتصاديًا؛ يصبح جوعًا وجسدًا وشارعًا وعنفًا ومحاولة شرسة للبقاء. وحين ندخل عالم مدن الملح لعبد الرحمن منيف لا نرى اكتشاف النفط مجرد واقعة اقتصادية غيّرت المنطقة، بل نشاهد عالمًا كاملًا وهو يفقد إيقاعه القديم، وكيف تستطيع الآلة والمال والسلطة أن تغير علاقة الإنسان بالمكان وبالزمن وبنفسه. لهذا تبدو الثقافة أحيانًا وكأنها المكان الذي تستعيد فيه الكلمات التي استهلكها العالم معناها. نقول: حرب، منفى، فقر، حب، موت، وطن، أمومة، شيخوخة. نكرر هذه الكلمات حتى تصبح مألوفة، ثم يأتي عمل فني ويعيد إليها ثقلها. في رواية الباب للطيفة الزيات، مثلًا، لا تصبح حرية المرأة شعارًا منفصلًا عن الحياة، بل تتشابك مع الجسد والأسرة والحب والسياسة والتحول الاجتماعي. وفي امرأة عند نقطة الصفر لنوال السعداوي تتحول السيرة الفردية إلى سؤال قاسٍ عن المجتمع والسلطة والجسد والقيمة التي يمنحها الإنسان لنفسه حين يسلبه الآخرون حق تعريف ذاته. أما حجر الضحك لهدى بركات فتجعل الحرب الأهلية اللبنانية شيئًا أبعد من المعارك والجبهات؛ تجعلها اضطرابًا يصيب اللغة والعلاقات والبيت والحياة اليومية نفسها. ولا تقتصر هذه القدرة على الرواية. الشعر، ربما أكثر من أي فن آخر، يذكرنا بأن اللغة ليست مجرد أداة لإيصال المعلومات. عندما يكتب محمود درويش عن الوطن، لا يعود الوطن حدودًا مرسومة على خريطة؛ يصبح خبزًا وأمًا ورائحة وقهوة وغيابًا وذاكرة. وحين نقرأ فدوى طوقان نرى كيف تستطيع التجربة الشخصية أن تتصل بتاريخ جمعي من دون أن تفقد هشاشتها الفردية. وعند نازك الملائكة يصبح القلق أمام الموت والزمن والمدينة إيقاعًا قبل أن يصبح فكرة. أما أدونيس، في أفضل لحظاته الشعرية، فيجعل اللغة نفسها موضع سؤال: هل نصف العالم بالكلمات، أم أن الكلمات تشارك في صنع العالم الذي نراه؟ وهذه إحدى أعظم هدايا الثقافة: إنها تجعل الأشياء المألوفة غريبة مرة أخرى. نحن نمر كل يوم بالبيوت والشوارع والأشجار والوجوه، لكن الفن يستطيع أن يعيد إلينا قدرتنا على رؤيتها. الرسام إدوارد هوبر لم يكن بحاجة إلى تصوير كارثة كي يتحدث عن الوحدة؛ تكفيه غرفة أو نافذة أو مقهى مضاء في الليل، وبعض الأشخاص الذين يجلسون قريبين بعضهم من بعض وتفصل بينهم مسافات لا تقاس بالأمتار. وفي لوحات فريدا كالو يتحول الجسد المصاب من موضوع طبي إلى ساحة تتقاطع فيها الهوية والألم والرغبة والذاكرة. وعند الفنان العراقي جواد سليم لا يصبح التراث استعادة زخرفية للماضي، بل مادة يمكن للفنان أن يعيد تركيبها لكي يسأل عن الإنسان العراقي الحديث وعن علاقته بتاريخه. الموسيقى تفعل شيئًا أكثر غرابة. إنها تستطيع أن تمنحنا تجربة كاملة من دون أن تخبرنا قصة محددة. لماذا يستطيع مقطع موسيقي أن يوقظ حزنًا لم نكن نفكر فيه قبل لحظات؟ لماذا تستطيع أغنية قديمة أن تعيد إلينا غرفة لم تعد موجودة أو شخصًا مات أو مدينة غادرناها منذ عقود؟ عندما نستمع إلى أم كلثوم لا نستمع إلى الكلمات واللحن منفصلين؛ نستمع أيضًا إلى زمن اجتماعي كامل: الإذاعة والانتظار والسهرات وصوت يتسلل من البيوت والمقاهي. وحين نستمع إلى محمد القبانجي أو يوسف عمر في المقام العراقي، لا نسمع أداءً موسيقيًا فحسب، بل طبقات من بغداد ولهجاتها وذاكرتها وأشكال الحزن والوجد التي حفظها الصوت بعدما تغيرت المدينة. الثقافة، بهذا المعنى، هي أحد الأشكال التي تقاوم بها المجتمعات الموت الثاني للأشياء. فهناك موت يحدث عندما يختفي الإنسان أو المكان، وموت آخر يحدث عندما لا يعود أحد يتذكر أنه كان موجودًا. لهذا تكتسب الكتب القديمة والصور والأغاني والحكايات الشعبية والرسائل واليوميات أهمية تتجاوز قيمتها الجمالية المباشرة. رواية بصرياثا لمحمد خضير، مثلًا، لا تحفظ البصرة بالطريقة التي تحفظها بها الخريطة. إنها تحفظ مدينة أخرى: مدينة الذاكرة والتخييل والأزقة والأصوات والظلال، مدينة قد لا يستطيع المرء أن يجدها كاملة إذا ذهب اليوم يبحث عنها في الشوارع. والأمر نفسه نجده بصورة مختلفة في ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور، حيث يصبح حفظ اللغة والكتب والعادات والأسماء فعل مقاومة أمام سلطة تريد ألا تكتفي بالسيطرة على الأرض، بل تريد أيضًا إعادة كتابة ذاكرة الذين يعيشون عليها. وهنا نصل إلى سبب آخر يجعل الثقافة ضرورية: إنها تحمينا من أن تكون ذاكرتنا هي الذاكرة التي تختارها لنا السلطة أو السوق أو اللحظة الراهنة. كل سلطة ترغب، بدرجات مختلفة، في أن تقول لنا ما الذي ينبغي أن نتذكره وما الذي يمكن نسيانه. وكل سوق يريد أن يقنعنا بأن الجديد أهم من القديم لأنه جديد. لكن الثقافة تعطل هذه الآلية. كتاب كتب قبل مئتي عام يستطيع فجأة أن يدخل حاضرنا ويجادله. لوحة من عصر آخر تستطيع أن تجعل صورتنا المعاصرة للجمال موضع شك. أسطورة قديمة تستطيع أن تكشف شيئًا عن السياسة الحديثة. وأغنية سمعها أجدادنا قد تقول عن الفقد ما تعجز عنه أكثر التقنيات حداثة. ولذلك لا ينبغي أن نفهم الثقافة باعتبارها مستودعًا للأشياء الراقية. ليست الثقافة قائمة كتب ينبغي أن نقرأها لكي نبدو مثقفين، ولا أسماء رسامين نحفظها، ولا حفلات موسيقية نحضرها كي نكتسب وجاهة اجتماعية. إنها قبل ذلك كله طريقة في الانتباه. قد يبدأ الفعل الثقافي من سؤال صغير جدًا: لماذا بقي هذا البيت القديم بينما هُدمت البيوت المحيطة به؟ لماذا يقول جدي هذه الكلمة التي لا يستخدمها جيلي؟ لماذا اختفت مهنة كانت تملأ السوق قبل خمسين عامًا؟ لماذا يخيفنا شكل معين من اللباس؟ لماذا نضحك من لهجة ولا نضحك من أخرى؟ لماذا اعتُبرت لوحة ما قبيحة عندما ظهرت ثم أصبحت بعد عقود تحفة؟ لماذا مُنع كتاب في زمن ثم دُرّس في الجامعات في زمن آخر؟ من هذه الأسئلة الصغيرة يبدأ التفكير الكبير. ولهذا أيضًا تحتاج الثقافة إلى الشك. ليس المثقف من يعرف أجوبة أكثر بالضرورة، بل ربما من أصبح قادرًا على طرح أسئلة أفضل. وقد تكون إحدى مشكلات عصر المعلومات أن محركات البحث أصبحت شديدة الكفاءة في إعطائنا الأجوبة، بينما لا توجد آلة بالسهولة نفسها تعلمنا أي الأسئلة تستحق أن تُطرح. أن الأدب العظيم لا ينهي السؤال. أن موت إيفان إيليتش، مثلًا، لا تقدم نظرية في الموت، بل تجعل القارئ يتساءل عما إذا كان من الممكن أن يقضي الإنسان حياته كلها ناجحًا وفق مقاييس المجتمع ثم يكتشف، أمام النهاية، أنه ربما لم يعش حياته التي تخصه. لكن الأدب لا يحتاج دائمًا إلى المآسي الكبرى لكي يفعل ذلك. في قصص أليس مونرو قد تكون زيارة أو زواج أو ذكرى قديمة كافية لفتح هاوية كاملة في حياة عادية. وفي قصص ريموند كارفر قد تكشف محادثة مقتضبة حول مائدة عن مسافة هائلة بين شخصين يعيشان في البيت نفسه. وفي عالم كلاريس ليسبكتور يمكن للحظة عابرة في شارع أو مطبخ أن تهز تصور الشخصية عن ذاتها. وهنا تكمن إحدى وظائف الثقافة التي نزداد حاجة إليها اليوم: إبطاء العالم. أن المنصات الرقمية مصممة في جانب كبير منها لكي نستمر في الحركة: صورة بعد صورة، خبر بعد خبر، مقطع بعد مقطع. الثقافة الجادة تطلب العكس. تطلب منا أن نبقى. أن ننظر إلى اللوحة أكثر من ثوانٍ. أن نعيد قراءة جملة. أن نستمع إلى الجملة الموسيقية حتى نهايتها. أن نتساءل لماذا اختار المخرج الصمت هنا بدل الحوار. إنها تستعيد للإنسان حقه في البطء في عالم يكافئ السرعة. وربما لهذا السبب تظل القراءة فعلًا غريبًا وجميلًا. شخص يجلس وحده أمام علامات سوداء على ورق، وبعد دقائق يصبح في جزيرة اخترعها دانيال ديفو، أو في قرية كولومبية صنعها غابرييل غارسيا ماركيز، أو في القاهرة التي تتغير أمام أعين نجيب محفوظ، أو في الجزائر التي تستعيد جراحها في كتابات آسيا جبار، أو في اليابان التي تتأمل الجمال والفقد عند ياسوناري كواباتا، أو في قرية مصرية مضطربة في الحرام ليوسف إدريس. لا تتحرك أجسادنا، ومع ذلك نقطع قارات وقرونًا وحيوات. لكن القيمة الأعمق لهذا السفر ليست أننا نرى أماكن كثيرة، بل أننا نكتشف أن الإنسان لا يتطابق تمامًا مع الصورة التي رسمناها له مسبقًا. الثقافة الحقيقية تزعج الأحكام السهلة. إنها تضع التفاصيل حيث نميل نحن إلى التعميم. عندما نقول المهاجر تأتي الرواية فتعطينا اسمًا وطفولة وخوفًا وحقيبة وبيتًا تركه وراءه. وعندما نقول الفقير تمنحه القصة رغبات وتناقضات وكبرياء لا تظهر في الإحصاءات. وعندما تختزل الحرب البشر إلى معسكرات متقابلة، يستطيع الأدب أن يعيد إلى الفرد وجهه وصوته وحكايته الخاصة. وحين نقول الماضي، يأتي الفن ليذكرنا بأن الماضي لم ينته بالضرورة، وأن بعض ما نظنه حاضرًا ليس سوى تاريخ قديم يواصل عمله في اللغة والذاكرة والعلاقات. من هنا تصبح الثقافة مسألة أخلاقية أيضًا. ليس لأنها تعطينا دروسًا في الأخلاق، بل لأنها تدرب الخيال على الاعتراف بوجود الآخرين. يمكن أن نفهم لهذا السبب القوة التي تمتلكها رواية مثل لا تدعني أرحل أبدًا لكازوو إيشيغورو. فهي لا تقدم معنى الإنسانية في صورة فكرة مجردة أو أطروحة جاهزة، وإنما تضعنا أمام شخصيات نكتشف تدريجيًا هشاشتها وأحلامها وذكرياتها، ثم تتركنا أمام سؤال مخيف: على أي أساس نقرر أن حياةً ما أقل قيمة من حياة أخرى؟ وفي حكاية الجارية لمارغريت أتوود لا تبدو حرية الجسد فكرة فلسفية بعيدة، بل شيئًا يمكن أن يُنتزع من الإنسان تدريجيًا تحت لغة النظام والقانون والخلاص. لكن الثقافة ليست دائمًا حزينة أو ثقيلة. إنها أيضًا أحد أشكال اللعب الإنساني. البشر يرسمون ويرقصون ويحكون النكات ويخترعون الحكايات لأن الحياة التي تقتصر على الضرورة لا تكفيهم. الطفل الذي يحول صندوقًا كرتونيًا إلى سفينة يمارس، بصورة أولية، الفعل نفسه الذي يقوم عليه الفن: إنه يقول إن الشيء يستطيع أن يكون أكثر مما يبدو عليه. ومن هنا تأتي أهمية الخيال. الحضارات لا تبنى فقط بما عرفه الإنسان، بل كذلك بما استطاع أن يتخيله. قبل أن يتغير العالم ينبغي أحيانًا أن يتخيل أحدهم أنه يمكن أن يكون مختلفًا. أن الأدب الطوباوي والخيال العلمي وأدب الرحلات المتخيلة لم تكن مجرد ألعاب هروب؛ كثيرًا ما كانت مختبرات جرب فيها البشر أفكارًا لم يكن الواقع مستعدًا لها بعد. أعمال أورسولا لو غوين، مثلًا، استخدمت عوالم متخيلة لتعيد طرح أسئلة الملكية والجنس والسلطة والمجتمع. أما أوكتافيا بتلر فقد جعلت المستقبل وسيلة لفحص العرق والهيمنة والخوف من الآخر، لا مجرد مسرح للسفن الفضائية والتكنولوجيا. ولهذا فإن السؤال ما فائدة الأدب؟ قد يكون مبنيًا على تصور ضيق جدًا للفائدة. ما فائدة أن نتعلم التعاطف؟ ما فائدة أن نتخيل حياة لم نعشها؟ ما فائدة أن نرى السلطة حين تختبئ داخل الكلمات؟ ما فائدة أن نحفظ ذاكرة مدينة؟ ما فائدة أن نكتشف أن ما اعتبرناه طبيعيًا ليس سوى عادة تاريخية؟ إذا لم تكن لهذه الأشياء فائدة، فربما ينبغي أن نعيد النظر في معنى كلمة فائدة نفسها. الثقافة لا تطعم الجائع، وهذا صحيح. والقصيدة لا توقف دبابة، واللوحة لا تعالج مريضًا، والسيمفونية لا تبني بيتًا لمن فقد بيته. سيكون من السذاجة أن نزعم غير ذلك. لكن الإنسان الذي نطعمه يحتاج أيضًا إلى أن نعرف لماذا جاع، ومن جعله يجوع، ولماذا قبل المجتمع جوعه، وكيف يمكن تخيل عالم لا يصبح فيه الجوع قدرًا. هنا تبدأ الثقافة في أداء وظيفة أخرى: إنها لا تحل محل السياسة أو الاقتصاد أو العلم، لكنها تمنعنا من اختزال الإنسان إلى موضوع لهذه المجالات. فالإنسان ليس معدة فقط، ولا ناخبًا فقط، ولا عاملًا فقط، ولا مستهلكًا فقط، ولا رقمًا في تعداد السكان. إنه الكائن الذي يسأل عن معنى ما يحدث له. ولهذا ربما كانت أخطر المجتمعات ليست المجتمعات الفقيرة في المعلومات، بل تلك التي تفقد قدرتها على السؤال. عندما يصبح كل شيء بديهيًا، وحين نكف عن التساؤل عن الكلمات التي نستخدمها والصور التي نصدقها والحكايات التي نرويها عن أنفسنا وعن الآخرين، تبدأ الثقافة في الانحسار حتى لو بقيت المكتبات ممتلئة بالكتب. الثقافة ليست كمية ما قرأناه، بل ما فعلته القراءة بطريقة رؤيتنا. قد يقرأ شخص ألف رواية ولا يتغير فيه شيء، وقد يقرأ آخر كتابًا واحدًا فيخرج منه أقل يقينًا وأكثر انتباهًا للعالم. وقد يقف إنسان أمام لوحة خمس دقائق ثم يخرج إلى الشارع فيرى الضوء بطريقة مختلفة. وقد يسمع لحنًا فيكتشف أن الحزن الذي كان يظنه خاصًا به عرفه بشر آخرون قبله. وقد يقرأ قصيدة فيجد للمرة الأولى كلمات لما ظل سنوات يشعر به من دون أن يستطيع تسميته. وربما هنا بالضبط تكمن حاجتنا إلى الثقافة في هذا الزمن. ليست مهمتها أن تزود العالم بمزيد من المحتوى؛ فالعالم يكاد يختنق من كثرة المحتوى. وليست مهمتها أن تزيد عدد الأشياء التي تمر أمام أعيننا. حاجتنا الحقيقية هي إلى ما يجعلنا نتوقف أمام شيء واحد بما يكفي لكي نراه. كتاب يستحق أن نبطئ من أجله. لوحة تجعلنا نعيد النظر. موسيقى تعيد ذاكرة. فيلم يزعزع حكمًا سابقًا. مكان يحمل أثر الذين مروا به. كلمة قديمة تكشف تاريخًا مخفيًا. حكاية صغيرة تفتح سؤالًا كبيرًا. لهذا ما زلنا نحتاج إلى الثقافة. نحتاج إليها لا لكي نهرب من العالم، بل لكي نعود إليه بعيون أكثر قدرة على رؤيته. نحتاج إليها لأن الحياة تحدث مرة واحدة، بينما تمنحنا الكتب والفنون فرصة أن نطل على حيوات لم نعشها. نحتاج إليها لأن الذاكرة هشة، والسلطة انتقائية، والزمن سريع، والنسيان شديد الصبر. ونحتاج إليها، أخيرًا، لأن الإنسان لا يعيش بما يحدث له وحده، بل بالمعنى الذي يستطيع أن يصنعه مما يحدث. وربما تكون الثقافة في النهاية أشبه بسلة نحملها معنا ونحن نعبر العالم. نضع فيها كتابًا لم ننسه، وصورة أقلقتنا، ولحنًا أعاد إلينا شخصًا غائبًا، ومدينة بقيت في الذاكرة، وسؤالًا لم نجد له جوابًا، وحكاية إنسان لم نلتقِ به قط ولكنه غيّر شيئًا في نظرتنا إلى الحياة. السلة لا تحتوي العالم كله. لكنها تحمل ما أنقذناه منه من النسيان.
#محمد_نجيب_السعد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هل الاقتباس دليل على عجز السينما؟ قراءة في آراء منظري العلاق
...
-
السكن داخل الكلمات: الأدب قبل المنعطف اللغوي
-
الأدب و السينما : من يعتمد على من ؟ /1
-
الأدب و السينما : من يعتمد على من ؟ 2
-
وليم شكسبير مالئ الدنيا وشاغل الناس
-
ما القصة القصيرة الغنائية؟ مشكلة الاسم قبل مشكلة الشكل
-
جيكوريات السياب : حين يصبح المكان ذاكرةً ويصير الشعر مكانًا
-
نحو أنطولوجيا الانكسار: رحلة البطل من قدسية الأسطورة إلى عبث
...
-
أنطونيو ميتشادو و حقول قشتالة : حين تتحول الأرض إلى سؤال عن
...
-
في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في
...
-
في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في
...
-
في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في
...
-
في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في
...
-
حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية : أرشيف المقام العربي واستعادة ت
...
-
حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية أرشيف المقام العربي واستعادة تار
...
-
نظريات القصة القصيرة/ 6* الواقعية والرواة في قصص توبياس وولف
...
-
نادين كورديمر ومضات اليراع
-
نهج معرفي للقصصية
-
تشارلز مَي : نقد القصة القصيرة في الولايات المتحدة الأميركية
-
لويزا ماريا غونزاليس رودريغيز التناص والكولاج في قصص بارثيلم
...
المزيد.....
-
الفنانة منى واصف تكشف جانبا من حكاية والدتها خلال تكريمها في
...
-
مليون بحث عربي.. تقرير «آرسيف» 2026 يكشف خريطة النشر الأكادي
...
-
بعد عرضه في برلين.. -خروج آمن- ينافس في مهرجان الجونة السينم
...
-
دار عم الطيب.. منزل يخفي خلف واجهته عالما من الفن
-
السفارة الروسية لدى عمان تكرم الفائزين في المسابقة الأردنية
...
-
RT في معرض عمّان الدولي للكتاب
-
تركي آل الشيخ يلمح لعودة فضل شاكر إلى المسرح من بوابة الرياض
...
-
الموسيقى ودقات القلب.. تأثيرات تتجاوز تحسين المزاج وتصل إلى
...
-
الرياض محطته الأولى.. فضل شاكر يعود إلى المسرح بعد غياب طويل
...
-
-غاليريتا-.. القطار في السينما المصرية من حلم الوصول إلى كاب
...
المزيد.....
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
المزيد.....
|