أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب السعد - أنطونيو ميتشادو و حقول قشتالة : حين تتحول الأرض إلى سؤال عن الإنسان















المزيد.....



أنطونيو ميتشادو و حقول قشتالة : حين تتحول الأرض إلى سؤال عن الإنسان


محمد نجيب السعد

الحوار المتمدن-العدد: 8837 - 2026 / 9 / 23 - 17:06
المحور: الادب والفن
    


الطريق والزمن والذاكرة والموت في شعر أحد أعظم أصوات إسبانيا الحديثة
أنطونيو ميتشادو و«حقول قشتالة»: قراءة في الطريق والزمن والذاكرة والموت، حين تتحول الأرض الإسبانية إلى سؤال عن الإنسان.
ثمة شعراء يصفون المكان، وثمة شعراء يجعلون المكان يفكر. وبين الاثنين مسافة هي، في الحقيقة، المسافة التي تفصل المنظر الطبيعي عن التجربة الوجودية. قد يقف الشاعر أمام نهر فيرى الماء والشجر والضفة والسماء، وقد يقف أمام النهر نفسه فيرى شيئًا آخر: الزمن الذي لا يتوقف، والإنسان الذي لا يستطيع أن يدخل اللحظة نفسها مرتين، والعالم الذي يبقى فيما نحن نعبره ونغيب. عندئذ لا يعود النهر جزءًا من الطبيعة، بل يصبح صورة خفية للمصير.
إلى هذا النوع الثاني من الشعراء ينتمي الإسباني أنطونيو ميتشادو (1875–1939) . ففي ديوانه الأشهر حقول قشتالة لا تبدو الأرض مجرد موضوع للشعر، ولا قشتالة مجرد إقليم إسباني يمتد أمام عين مسافر مأخوذ بجمال الطبيعة. إنها تتحول بالتدريج إلى مرآة يرى فيها الشاعر الإنسان وإسبانيا ونفسه، ويرى فيها، قبل كل شيء، ذلك الشيء الغامض الذي لا نستطيع الإمساك به مع أننا نعيش داخله منذ ولادتنا حتى موتنا: الزمن.
ولهذا ربما يكون السؤال الأفضل للدخول إلى عالم ميتشادو ليس: ماذا رأى الشاعر في قشتالة؟ بل: ماذا جعلته قشتالة يرى في الإنسان؟
ذلك السؤال هو الذي يجعل حقول قشتالة أكثر من ديوان عن الطبيعة الإسبانية. فالجبال والأنهار والدروب والأشجار والقرى والسهول والفصول التي تمتلئ بها قصائده ليست أشياء صامتة موضوعة أمام الذات؛ إنها تدخل في حوار معها. وحين ينظر ميتشادو إلى الأرض، يبدو كأنه يبحث فيها عن شيء ضاع من الإنسان: عن الزمن الذي مضى، وعن الوطن الذي لم يكتمل، وعن الحبيب الذي غاب، وعن الطفولة التي لا يمكن استعادتها، وعن المستقبل الذي لا نعرف إن كان وعدًا أم امتدادًا آخر للخسارة.
وهكذا تصبح الجغرافيا عنده طريقة للتفكير في الوجود.
من إشبيلية إلى قشتالة: شاعر يتعلم قراءة الأرض
طفولتي ذكرياتُ فناءٍ في إشبيلية،
وبستانٍ مضيء تنضج فيه شجرة الليمون؛
وشبابي عشرون عامًا في أرض قشتالة.
وُلد أنطونيو ميتشادو في إشبيلية سنة 1875، ونشأ في بيئة ثقافية وفكرية قبل انتقال أسرته إلى مدريد. لكن التجربة التي ستغير شعره بصورة حاسمة بدأت عندما انتقل سنة 1907 إلى مدينة شوريه ليعمل مدرسًا للغة الفرنسية. هناك دخل المشهد القشتالي حياته، وهناك أيضًا التقى ليونور إزكييردو التي ستصبح زوجته، ثم تتحول بعد موتها المبكر إلى أحد أكثر الغائبين حضورًا في شعره.
ولم يكن انتقاله إلى قشتالة انتقالًا جغرافيًا فحسب. فقد جاء شعره في لحظة كانت إسبانيا نفسها تسأل فيها عن معناها وعن تاريخها وعن مستقبلها. ومن هنا ارتبط اسمه بما يسمى جيل 1898، ذلك الجيل من الكتاب والمفكرين الذين واجهوا أزمة إسبانيا التاريخية والثقافية لا بالشعارات وحدها، بل بإعادة النظر في صورة البلاد وفي علاقتها بماضيها.
غير أن ميتشادو يختلف عن الكاتب الذي يجعل الأرض ذريعة لإلقاء خطاب سياسي عليها. إنه يمشي فيها أولًا، يراقب لون التراب وانحناءة الطريق ومجرى نهر الدويرو والأشجار العارية والقرى البعيدة وضوء المساء. وبعد ذلك، وبهدوء يكاد يكون خادعًا، تبدأ الأشياء في اكتساب معنى يتجاوزها.
في قصيدة على ضفاف الدويرو يصعد الشاعر وحيدًا خلال ظهيرة من شهر يوليو عبر الأرض القاسية المحيطة بشوريه . الرحلة بسيطة في ظاهرها: رجل يمشي، يصعد مرتفعًا، يتأمل النهر والأرض. لكن هذا المشي سرعان ما يتحول إلى قراءة للتاريخ. إن قشتالة التي يراها ليست فقط الأرض التي أمامه، بل قشتالة التي كانت، وإسبانيا التي صارت، والمسافة المؤلمة بين مجد تتناقله الذاكرة وواقع يثير القلق.
هنا يظهر أحد أسرار حقول قشتالة: المنظر الطبيعي يحمل زمنين في وقت واحد. ثمة حاضر تراه العين، وماضٍ تستحضره الذاكرة. وما نسمّيه المكان ليس في الحقيقة سوى الموضع الذي يلتقي فيه الزمنان.
وهذه الفكرة تفسر لماذا يصعب فصل المكان عن الزمن في شعر ميتشادو. فالنبات والشجر والأرض القاحلة لا تؤدي وظيفة وصفية فقط، وإنما تكشف هشاشة الوجود وفناءه. وبذلك يمكن القول إن الطبيعة عند ميتشادو ليست ما يقع خارج الإنسان، بل هي إحدى اللغات التي يدرك الإنسان من خلالها أنه كائن زائل.
الأرض التي تنظر إلينا
نحن معتادون على القول إن الإنسان يتأمل الطبيعة. لكن شعر ميتشادو يسمح بقلب هذه العلاقة: ماذا لو كانت الطبيعة، في اللحظة التي ننظر إليها، تعيد إلينا صورتنا؟
إن السهل القاحل لا يقول شيئًا في ذاته. والشجرة اليابسة لا تعرف الموت. والنهر لا يعرف أنه رمز للزمن. الإنسان هو الذي يحمل إلى هذه الأشياء وعيه بالفناء، ثم يكتشف، بصورة غريبة، أن العالم الذي أسقط عليه معانيه أصبح قادرًا على إعادتها إليه.
ولهذا تتكرر في حقول قشتالة تجربة السير. فالإنسان الماشي ليس ساكنًا أمام منظر ثابت؛ إنه يتحرك داخله، وكل خطوة تغير زاوية الرؤية. الطريق هنا ليس مجرد خط يصل مكانًا بمكان. إنه صورة لحياة لا يستطيع صاحبها أن يراها كاملة إلا بعد أن يكون قد قطع جزءًا منها.
وسوف يصوغ ميتشادو هذه الرؤية في أبياته الشهيرة من أمثال وأناشيد في حقول قشتالة:
أيها المسافر، آثار خطاك
هي الطريق، ولا شيء سواها؛
أيها المسافر، لا طريق هناك،
فالطريق يصنعه المسير.
تكاد هذه الأبيات تختصر فلسفة كاملة للوجود. فالطريق، في التصور المعتاد، موجود قبل المسافر: نختار طريقًا ثم نسلكه. أما ميتشادو فيقلب المعادلة. ليس هناك طريق سابق على الخطوات؛ الخطوات هي التي تصنع الطريق.
وهذا يعني، إذا دفعنا الصورة إلى مداها الفلسفي، أن الإنسان لا يعثر بالضرورة على معنى جاهز لحياته ثم يعيشه. إنه يصنع شيئًا من ذلك المعنى عبر الاختيارات التي يقوم بها، والطرق التي يسلكها، والأبواب التي يفتحها أو يتركها مغلقة. وحين يلتفت إلى الوراء يستطيع أن يرى طريقًا، لكن ذلك الطريق لم يكن موجودًا بهذه الصورة عندما بدأ السير.
ثم تأتي الصورة الأشد قسوة وجمالًا: الطريق الذي صنعناه لا يمكن العودة إليه بالطريقة نفسها. ما نراه خلفنا هو أثر الحياة، لا الحياة ذاتها.
ومن هنا تنشأ إحدى المفارقات الكبرى في شعر ميتشادو: لا نفهم الطريق إلا بعد أن نقطعه، ولكن حين نفهمه يكون الجزء الذي فهمناه قد أصبح ماضيًا.
إنها مأساة الوعي الإنساني في صورة مسافر.
حقول قشتالة: حين يصبح المكان ذاكرة
ظهرت الطبعة الأولى من حقول قشتالة سنة 1912، لكن الكتاب لم يبق مغلقًا عند تلك اللحظة. فقد أضاف ميتشادو في السنوات التالية قصائد أصبحت جزءًا من الصيغة الموسعة المعروفة بـ حقول قشتالة 1907–1917. وهذه الإشارة ضرورية لأن عددًا من النصوص التي ترتبط اليوم بقوة بعالم الديوان، ولا سيما قصائد ليونور والفقد، تنتمي إلى هذه المرحلة الممتدة من تشكل الكتاب.
وهكذا يحمل الديوان داخله زمن تأليفه أيضًا: إنه كتاب نما مع صاحبه، وتغيرت دلالاته مع تغير حياته.
وفي هذا الانتقال تكمن نقطة شديدة الأهمية. ففي شعره السابق، ولا سيما وحدات، أروقة وقصائد أخرى، كان ميتشادو أكثر ميلًا إلى العالم الداخلي والحلم والذاكرة والرمز. أما في حقول قشتالة فإن العالم الخارجي يتقدم بقوة: الأرض، القرية، الفلاح، النهر، الشجرة، الطريق، التاريخ الإسباني. ومع ذلك سيكون من الخطأ القول إن الشاعر ترك الذات واتجه إلى الخارج. ما حدث أكثر تعقيدًا: لقد وجد الذات في الخارج.
لم يعد يحتاج دائمًا إلى أن يقول أنا حزين لكي يجعلنا نشعر بالحزن. تكفي أحيانًا شجرة وحيدة، أو مساء خريفي، أو طريق يمتد نحو مكان لا نراه. لقد انتقلت العاطفة من التصريح إلى الأشياء.
وهنا تبلغ علاقة الشعر بالفلسفة مستوى أكثر عمقًا. فنحن لا نسكن العالم بوصفه مجموعة من الأشياء المحايدة. البيت الذي عشنا فيه طفولتنا ليس مساويًا لأي بيت آخر له المساحة نفسها. والشارع الذي شهد لقاءً حاسمًا في حياتنا ليس مجرد إسفلت وحجارة. والأرض التي دُفن فيها شخص أحببناه ليست مجرد مساحة جغرافية.
الذاكرة تغير معنى المكان ووجوده بالنسبة إلينا.
إنها تجعل المكان أكثر مما هو عليه ماديًا.
وهذا بالضبط ما سيحدث لقشتالة عند ميتشادو.
ليونور: عندما يدخل الموت إلى المشهد الطبيعي
لا يمكن فهم التحول العاطفي العميق في حقول قشتالة من دون ليونور إزكييردو، زوجة ميتشادو الشابة. فقد ارتبطت سنوات شوريه في حياة الشاعر بالحب وباكتشاف المشهد القشتالي، ثم بالمأساة. مرضت ليونور بالسل، وتوفيت سنة 1912 وهي ما تزال في الثامنة عشرة من عمرها.
ومنذ ذلك الحين لم تعد الأرض الأرض نفسها.
هذه العبارة البسيطة تقودنا إلى قلب التجربة الميتشادية. فالإنسان قد يعود إلى المكان ذاته بعد فقد شخص كان يحبه، فيجد أن الجبال ما تزال في مواقعها، وأن النهر ما يزال يجري، وأن الأشجار تنبت في الربيع كما كانت تنبت من قبل، ومع ذلك يشعر بأن العالم كله قد تغير.
من الذي تغير إذن: العالم أم الإنسان؟
عند ميتشادو يكاد السؤال يفقد معناه، لأن العالم الذي نعيشه ليس منفصلًا تمامًا عن الوعي الذي يعيشه. بعد ليونور تصبح قشتالة مستودعًا للحضور والغياب معًا. المكان يحتفظ بما فقده الزمن، ولكنه يحتفظ به بطريقة مؤلمة: يذكّرنا به من دون أن يعيده إلينا.
وفي واحدة من أشد قصائده اختزالًا للفاجعة يخاطب الشاعر الرب بعد موتها:
يا رب، لقد انتزعتَ مني
ما كنت أحب أكثر من كل شيء.
ثم تمضي القصيدة القصيرة إلى قبول موجع لإرادة لا توافق إرادته، وتنتهي إلى صورة الوحدة التي لا يبقى فيها سوى القلب والبحر.
لا يحتاج الحزن هنا إلى بلاغة كثيفة. قوته تأتي تحديدًا من العري. أمام الموت تتراجع الزينة اللغوية، ويبقى الإنسان أمام حقيقة لا يستطيع إصلاحها بالكلمات.
لكن الغريب أن الموت لا يقود ميتشادو إلى العدم وحده. ففي المكان نفسه تقريبًا الذي يتعلم فيه الفقد، يبدأ في البحث عن العلامة الصغيرة التي تقول إن الحياة لم تنته تمامًا.
وهنا تظهر شجرة الدردار.
إلى شجرة دردار يابسة: الورقة الخضراء في جسد الموت
من أجمل قصائد ميتشادو وأكثرها قابلية للقراءة الفلسفية قصيدة إلى شجرة دردار يابسة. أمام الشاعر شجرة قديمة ضربها البرق وتعفن جزء منها. كل شيء فيها تقريبًا يشير إلى النهاية. إنها ليست شجرة الربيع المزدهرة التي اعتاد الشعراء اتخاذها رمزًا للحياة، بل جسد نباتي أصابه الخراب.
ومع ذلك يحدث شيء صغير.
مع أمطار أبريل وشمس مايو تظهر على الأغصان اليابسة بعض الأوراق الخضراء.
إنها صورة متواضعة إلى حد بعيد: ليست قيامة كبرى، ولا انتصارًا صاخبًا للحياة، وإنما أوراق قليلة في شجرة يحيط بها الموت. لكن ميتشادو يبني على هذه العلامة الصغيرة واحدة من أجمل تأملاته في الأمل.
فهو يعرف المصير الذي ينتظر الشجرة. قد يقطعها الحطاب، وقد يحولها النجار إلى خشب، وقد تسقط بفعل الريح، وقد تنتهي في النار. الشاعر لا ينكر الموت لكي يؤسس الأمل. وعلى العكس تمامًا، إنه يرى الموت بوضوح، ثم يبحث داخل هذا الوضوح عن إمكانية الحياة.
وفي نهاية القصيدة يقول:
قلبي ينتظر أيضًا،
نحو النور ونحو الحياة،
معجزة أخرى من الربيع.
هنا تتجاوز الشجرة ذاتها. فالقلب الذي ينتظر معجزة أخرى من الربيع هو قلب رجل يعرف أن زوجته مريضة، وأن الأمل هش، وربما يعرف في أعماقه أن الطبيعة لا تعقد صفقات مع رغبات البشر.
وهذا ما يمنح القصيدة عظمتها.
فالأمل السهل ليس مشكلة فلسفية. نأمل حين تكون أسباب النجاح كثيرة، وهذا أمر طبيعي. لكن ماذا يعني أن يأمل الإنسان عندما يعرف أن الأشياء قد لا تسير كما يتمنى؟
عند ميتشادو لا يصبح الأمل نقيض المعرفة بالموت؛ إنه يولد داخلها.
الورقة الخضراء ليست مهمة لمجرد أنها ورقة جديدة. إنها مهمة لأنها ظهرت على خشب يحتضر.
وهكذا يقول ميتشادو، من غير أن يحول الشعر إلى موعظة، إن قيمة الحياة قد لا تأتي من قدرتها على هزيمة الموت، بل من قدرتها على أن تنبت، ولو للحظة، في حضوره.
وهنا تحديدًا يبدأ حقول قشتالة في تجاوز حدود المكان الإسباني. فقشتالة التي بدأت أرضًا ونهرًا وقرى وطرقات تصبح شيئًا آخر: مختبرًا شعريًا للسؤال الإنساني القديم: كيف نعيش ونحن نعرف أن كل ما نحبه قابل للفقد؟
قشتالة وإسبانيا: حين تصبح الجغرافيا سؤالًا تاريخيًا
إذا كانت شجرة الدردار اليابسة قد كشفت لميتشادو هشاشة الفرد أمام المرض والموت، فإن قشتالة تكشف له هشاشة أكبر: هشاشة أمة أمام تاريخها. وهنا يتسع حقول قشتالة من التجربة الشخصية إلى التأمل في إسبانيا نفسها. فالأرض التي يسير فيها الشاعر ليست طبيعة بريئة من التاريخ؛ إنها أرض مرّت فوقها الجيوش، وعاش عليها الفلاحون، وقامت فيها الممالك، ثم بقيت تحمل على سطحها آثار القوة والفقر والمجد والانحطاط.
كان سؤال إسبانيا مؤلمًا بصورة خاصة في أعقاب أزمة 1898، حين فقدت البلاد آخر مستعمراتها الكبرى فيما وراء البحار، وأصبحت الهزيمة العسكرية والسياسية مناسبة لمساءلة أعمق تتعلق بالتاريخ والثقافة والتعليم والمجتمع ومعنى الهوية الإسبانية ذاتها. غير أن ميتشادو لا يكتب برنامجًا للإصلاح السياسي، ولا يحول القصيدة إلى بيان. إنه يفعل شيئًا أكثر ملاءمة للشعر: يجعلنا نرى الأزمة في هيئة منظر طبيعي.
في على ضفاف الدويرو تظهر قشتالة قاسية، جافة، صخرية، ولكنها في الوقت نفسه مهيبة. وتنبثق من المشهد مفارقة تاريخية شديدة الدلالة: هذه الأرض الفقيرة هي نفسها الأرض التي خرجت منها قوة امتدت يومًا بعيدًا وراء حدودها. ولذلك يستحضر الشاعر قشتالة التي كانت في الماضي قوية ومقاتلة، ثم يقابلها بقشتالة الحاضر.
هنا يمكن سماع سؤال خلف صور القصيدة كلها: ماذا يبقى من المجد حين يصبح تاريخًا؟
إنها مسألة تتجاوز إسبانيا. فالأمم، مثل الأفراد، تستطيع أن تعيش داخل صورها القديمة عن نفسها. وقد يصبح الماضي الذي كان مصدرًا للثقة عائقًا أمام رؤية الحاضر. ومن هنا يكتسب مشهد قشتالة معنى فلسفيًا: الأرض لا تكذب بالطريقة التي تستطيع بها الخطابات أن تفعل. الإمبراطوريات تستطيع أن تكتب تاريخها بلغة البطولة، ولكن الحقول الجافة والقرى الفقيرة والوجوه المتعبة تقدم تاريخًا آخر، مكتوبًا لا في الكتب وإنما في الأشياء.
إن الشاعر لا يقف أمام الأطلال ليبكي المجد الضائع فحسب، بل ليضع الماضي في مواجهة الحاضر. فليس السؤال: كيف نستعيد إسبانيا القديمة؟ بل، بصورة أعمق: هل تستطيع أمة أن تصنع مستقبلها إذا ظلت ترى نفسها في مرآة ماضيها؟
بهذا المعنى يصبح حقول قشتالة ديوانًا عن الذاكرة وخطر الذاكرة في آن واحد. فالذاكرة ضرورية للهوية، ولكنها قد تتحول إلى سجن حين يصبح الماضي أكثر حقيقة من الحاضر.
أرض ألفارغونثالث : حين يسكن الشر الحقول
غير أن قشتالة ليست عند ميتشادو ضحية التاريخ فقط، وليست أرضًا بريئة أفسدتها السياسة. ففي واحدة من أطول قصائد الديوان وأكثرها إثارة، أرض ألفارغونثالث، ينتقل الشاعر من التأمل في تاريخ الأمة إلى منطقة أكثر ظلمة: الشر الكامن في الإنسان نفسه.
الحكاية، في ظاهرها، بسيطة وقاسية. أب يملك الأرض، وأبناء يتحول الطمع في الميراث داخلهم إلى جريمة، فيقتلون أباهم من أجل امتلاك ما يملك. لكن ميتشادو يحول الحكاية الشعبية إلى مأساة تتجاوز الجريمة الفردية. فالأرض التي أراد الأبناء امتلاكها تصبح شاهدة عليهم، وكأن الطبيعة ترفض أن تتحول إلى مكافأة على الدم.
هنا تظهر مفارقة فلسفية شديدة الأهمية: الإنسان يريد امتلاك الأرض، لكنه ينتهي إلى أن يصبح هو نفسه جزءًا منها.
نقول: هذه أرضي، كأن الملكية تمنح الإنسان سلطة وجودية على المكان. نرسم الحدود، ونكتب العقود، ونورث الحقول، ونختلف عليها، وربما نقتل من أجلها. لكن الزمن يقلب العبارة في النهاية: لسنا نحن الذين نمتلك الأرض إلى الأبد؛ الأرض هي التي تستقبل أجسادنا.
ولهذا فإن جريمة الأبناء ليست مجرد جريمة عائلية. إنها تكشف وهمًا أعمق في الرغبة البشرية: أن الإنسان يستطيع تحويل العالم إلى ملكية دائمة. لقد قتل الأبناء الأب لكي يحصلوا على الأرض، لكنهم لم يفهموا أن الشيء الذي يريدون امتلاكه يمتد في زمن أطول كثيرًا من أعمارهم.
في أرض ألفارغونثالث تكتسب الطبيعة تقريبًا وظيفة أخلاقية. لا بمعنى أن الأشجار والحقول تحاكم البشر حرفيًا، بل لأن العالم يستمر بعد الجريمة، في حين يكشف الزمن عبث الجشع الذي أدى إليها. إن الحقل الذي قتل الإنسان من أجله سيشهد موته هو أيضًا.
وهكذا تتحول قشتالة مرة أخرى من جغرافيا إلى فلسفة.
النهر: صورة الزمن الذي لا يعود
إذا كان الطريق أحد الرموز الكبرى في شعر ميتشادو، فإن النهر هو الوجه الآخر للفكرة نفسها. الطريق يمثل الزمن الذي نمشي فيه، والنهر يمثل الزمن الذي يجري من دوننا.
يظهر نهر الدويرو مرارًا في حقول قشتالة، وليس حضوره مصادفة. فالنهر واحد من أقدم الصور التي استعان بها الإنسان للتفكير في الزمن. الماء الذي أمامنا موجود، لكنه لا يبقى؛ وما إن نشير إليه حتى يكون قد مضى. ولهذا يبدو النهر تجسيدًا حسيًا لذلك الشيء الغريب الذي نسميه الآن: اللحظة موجودة، ولكن وجودها نفسه هو اختفاؤها.
عند ميتشادو، لا يحتاج النهر إلى أن يقول: الزمن يمر. جريانه هو العبارة.
وهذا يفسر حضور المساء والفصول والربيع والخريف والماء في شعره. إنها ليست زخارف رومانسية، بل أشكال مختلفة لشيء واحد: التحول. كل شيء يصير شيئًا آخر. الورقة الخضراء تصفر، النهار يصير مساء، الماء يبتعد، الطفل يصير رجلًا، والحاضر يصبح ذكرى.
لكن هنا تظهر مفارقة مؤلمة: الطبيعة تتكرر، بينما الإنسان لا يتكرر بالطريقة نفسها. يأتي ربيع جديد، لكنه ليس الربيع الذي عشناه. تزهر الشجرة من جديد، لكن الذين وقفوا تحتها ربما غابوا. يجري النهر كل يوم، ولكن العين التي تنظر إليه اليوم ليست تمامًا العين التي نظرت إليه بالأمس.
لذلك لا تعني عودة الفصول عودة الزمن.
وهذه الفكرة تساعدنا على فهم الألم الذي أحدثه موت ليونور في عالم ميتشادو. فبعد رحيلها يستطيع الربيع أن يعود إلى شوريه، ويمكن لنهر الدويرو أن يستمر في الجريان، ويمكن للأشجار أن تورق؛ لكن الزمن الإنساني الذي جمع شخصين لا يستطيع أن يبدأ من جديد.
الطبيعة تعرف التكرار؛ الإنسان يعرف الذكرى.
والفرق بينهما هو أحد مصادر الحزن.
الطريق الذي لا ينتظرنا
لهذا تكتسب أبيات ميتشادو عن الطريق معناها الكامل داخل عالم حقول قشتالة:
أيها المسافر، لا طريق هناك،
فالطريق يصنعه المسير.
ثم يواصل الصورة ليقول إن الإنسان حين يلتفت إلى الوراء يرى الدرب الذي لن تطأه قدماه مرة أخرى.
هنا تتغير القصيدة تمامًا. في البداية تبدو العبارة احتفالًا بالحرية: لا يوجد طريق مفروض عليك؛ اصنع طريقك. لكن الشطر التالي يكشف الوجه المأساوي لهذه الحرية. صحيح أننا نصنع الطريق، لكننا نصنعه مرة واحدة.
وهذا التفصيل الصغير يحول الحكمة من شعار تحفيزي إلى تأمل فلسفي بالغ العمق.
فالإنسان حر في كثير من اختياراته، لكنه ليس حرًا في إلغاء الزمن الذي وقعت فيه تلك الاختيارات. نستطيع تغيير الاتجاه، لكننا لا نستطيع العودة إلى اللحظة السابقة وقد استعدنا البراءة التي كانت لنا قبل الاختيار. بعد كل قرار نصبح شخصًا يعرف شيئًا لم يكن يعرفه من قبل.
ولهذا فإن الطريق عند ميتشادو ليس صورة للحركة وحدها، بل صورة للاستحالة أيضًا.
نحن نصنع حياتنا، لكننا لا نستطيع أن نقف خارجها لكي نجربها أولًا ثم نقرر إن كانت الحياة التي نريدها. علينا أن نختار ونحن داخل الزمن، وأن نفهم اختياراتنا غالبًا بعد أن تكون قد أصبحت جزءًا من الماضي.
ربما لهذا تبدو أبيات ميتشادو بسيطة إلى هذا الحد. الكلمات مألوفة: مسافر، طريق، خطوات، بحر. لكن وراءها سؤال شديد القسوة: كيف ينبغي أن نعيش حياة لا يمكن تجربتها مرتين؟
البحر: حيث تنتهي الطرق
ولم يكن غريبًا أن تنتهي صورة الطريق عند ميتشادو بصورة أخرى أقدم منها: البحر. ففي الأبيات نفسها تتحول الدروب التي يصنعها المسافر إلى آثار عابرة، أشبه بالمسارات التي ترسمها السفينة فوق الماء ثم تختفي.
وهنا تبلغ فلسفة الطريق ذروتها. فنحن نريد أن نترك أثرًا، لكن كثيرًا من آثارنا يشبه الأثر فوق البحر: موجود للحظة، ثم يمحوه الماء.
هل يعني ذلك أن السير بلا معنى؟
ميتـشادو لا يقول ذلك. ولو كان المعنى متوقفًا على بقاء الأثر إلى الأبد، لكانت معظم حياة البشر بلا معنى. لكن القصيدة تقترح شيئًا أكثر رهافة: ربما لا تأتي قيمة الطريق من بقائه بعدنا، بل من كونه الطريق الذي صنعناه ونحن أحياء.
إن الزوال لا يبطل التجربة.
فاللحظة السعيدة لا تصبح بلا قيمة لأنها انتهت، والحب لا يصبح وهمًا لأن أحد المحبين مات، والطفولة لا تفقد حقيقتها لأنها لا تعود. وربما كانت إحدى أهم أفكار ميتشادو كامنة هنا تحديدًا: أن الأشياء يمكن أن تكون زائلة وحقيقية في الوقت نفسه.
وهذا يقودنا إلى أعمق طبقات حقول قشتالة. فالديوان الذي يبدو للوهلة الأولى كتابًا عن أرض إسبانية يتحول بالتدريج إلى تأمل طويل في السؤال الذي يلاحق الإنسان منذ أن أدرك أنه فانٍ: إذا كان كل شيء يمر، فمن أين تأتي قيمة الأشياء؟
وجواب ميتشادو لا يأتي في صيغة نظرية. يأتي في شجرة أخرجت ورقة خضراء وهي تحتضر، وفي نهر يواصل جريانه، وفي امرأة ماتت وبقي حضورها في الأماكن التي عرفتها، وفي مسافر يصنع الطريق بخطواته مع علمه أنه لن يستطيع السير فيه مرة ثانية.
الحلم والذاكرة: كيف يعود الذين غابوا؟
إذا كان الطريق عند ميتشادو يمثل الحياة التي تمضي إلى الأمام ولا تسمح لنا بالعودة، فإن الحلم يفعل شيئًا معاكسًا تقريبًا: يعيد إلينا، ولو للحظات، ما أخذه الزمن. وهنا تكتسب قصائد ميتشادو التي كتبها بعد موت ليونور أهمية خاصة، لأن الذاكرة فيها لا تعود مجرد قدرة على استحضار الماضي، بل تصبح شكلًا من أشكال مقاومة الفقد.
لكنها مقاومة محكوم عليها بالفشل، وهذا بالتحديد ما يمنحها جمالها وحزنها.
في إحدى قصائده يحلم بليونور وهي تأخذه بيدها عبر درب أبيض وسط الحقول الخضراء، نحو زرقة الجبال. إن عناصر المشهد بسيطة: يد، طريق، حقول، جبال. وهي العناصر نفسها التي عرفناها في حقول قشتالة، لكن معناها تغير تمامًا. الطريق الذي كان رمزًا للحياة يصبح الآن مكانًا يستطيع فيه الميت أن يمشي إلى جوار الحي. وما يستحيل في الواقع يصبح ممكنًا في الحلم.ثم تأتي لحظة الاستيقاظ.
وهنا يقع الانكسار الحقيقي. فالحلم لا يؤلمنا لأنه كاذب تمامًا، وإنما لأنه يمنحنا للحظات إحساسًا بالحضور ثم يسلبه منا مرة أخرى. ولذلك يمكن أن تكون العودة من الحلم نوعًا من الفقد الثاني: نفقد الشخص أولًا في الواقع، ثم نستعيده في الحلم، ثم نفقده مرة أخرى عندما نفتح أعيننا.
ولهذا يصبح الموت أكثر تعقيدًا من مجرد الغياب.
فالإنسان الذي يموت يغيب عن المكان، لكنه قد يستمر في الوجود داخل لغة الآخرين وذاكرتهم وأحلامهم. ومن هذه الزاوية، لا يصبح السؤال: هل ماتت ليونور؟ فالموت حقيقة لا يجادل فيها ميتشادو. السؤال الأصعب هو: بأي معنى يستمر الميت في حياة من بقي؟
تقدم قصائد ميتشادو جوابًا شعريًا بالغ الرهافة: يستمر الميت بوصفه غيابًا حاضرًا.
وهذه العبارة التي تبدو متناقضة تصف تجربة الحداد بدقة. فالذي نفقده لا يكون معنا، ومع ذلك قد يصبح حاضرًا في أشياء لم نكن ننتبه إليها من قبل: طريق سرنا فيه معًا، نافذة، شجرة، فصل من السنة، رائحة، كلمة، أو ضوء معين في ساعة معينة من النهار.
وبذلك يصبح المكان نفسه أرشيفًا للغياب.
حين تصبح قشتالة مكانًا داخليًا
بعد موت ليونور غادر ميتشادو شوريه إلى بايثا في الأندلس. ومن الناحية الجغرافية ابتعد عن قشتالة، لكن قشتالة لم تبتعد عنه. وهذه واحدة من أجمل المفارقات في تجربته: حين كان يعيش في المكان كان يراه؛ وحين غادره بدأ يتذكره.
وهناك فرق هائل بين الرؤية والذكرى.
حين نكون داخل المكان تحاصرنا تفاصيله اليومية، فلا ندرك دائمًا قيمته. لكن المسافة تعيد تشكيله. تختفي أشياء وتبقى أشياء، وتبدأ الذاكرة في ممارسة عملها الصامت: تنتقي، وتحذف، وتضيء، وتربط ما لم يكن مترابطًا لحظة حدوثه.
وهكذا تتحول شوريه في القصائد اللاحقة إلى مكان لم يعد موجودًا في الجغرافيا وحدها. إنها شوريه التي عبرتها ليونور، وشوريه التي عاش فيها الحب والمرض والخوف والأمل، وشوريه التي صار من المستحيل على الشاعر أن يراها بعين محايدة.
وهنا نصل إلى واحدة من أعمق الأفكار التي يمكن أن نستخلصها من حقول قشتالة: الأماكن لا تبقى خارجنا.
نحن نحملها معنا.
وقد نغادر مدينة منذ عشرين عامًا، لكنها تواصل العيش في داخلنا بصورة ربما لم تعد تشبه المدينة الحقيقية. تتغير الشوارع وتهدم البيوت ويموت الناس وتزرع أشجار جديدة؛ لكن المدينة الداخلية تبقى معلقة عند لحظة معينة من حياتنا.
وهكذا يصبح المكان نوعًا من الزمن المتجسد.
ولهذا أيضًا لا يستطيع ميتشادو أن يعود حقًا إلى قشتالة القديمة. يستطيع أن يعود إلى شوريه، لكنه لن يعود إلى شوريه التي كانت فيها ليونور. فالمكان الجغرافي يمكن زيارته، أما المكان الزمني فلا يمكن دخوله مرة ثانية.
وهنا يلتقي الطريق بالنهر بالذاكرة: جميعها تقول الشيء نفسه بصور مختلفة.
لا عودة كاملة إلى ما كان.
من حقول قشتالة إلى حكمة ميتشادو اللاحقة
لم تنته الأسئلة التي ولدت في التجربة القشتالية بانتهاء حقول قشتالة. وسوف يدفعها ميتشادو إلى صيغ أكثر اختزالًا وتجريدًا في شعره اللاحق، ولا سيما في أغانٍ جديدة (1924). ومن الضروري التمييز هنا: الاستشهادات التالية ليست من حقول قشتالة، وإنما نستدعيها لأنها تكشف كيف واصل الشاعر تطوير الأسئلة التي ظهرت في تجربته السابقة.
من تلك الصيغ قوله:
اليوم دائمًا ما يزال.
إنها جملة صغيرة، لكنها تفتح سؤالًا كبيرًا. فالحاضر عند ميتشادو ليس نقطة جامدة بين ماضٍ انتهى ومستقبل لم يبدأ؛ إنه اللحظة الوحيدة التي يستطيع الإنسان أن يفعل فيها شيئًا.
ولهذا لا يكون وعي الفناء دعوة إلى الاستسلام، بل قد يصبح على العكس أساسًا للمسؤولية. إذا كان الطريق لا يُعطى لنا مسبقًا، وإذا كانت الخطوات هي التي تصنعه، فإن الحاضر هو المكان الذي يتشكل فيه ما سنسميه لاحقًا ماضينا.
نحن، بهذا المعنى، نكتب الآن الذكرى التي سنتذكرها غدًا.
وتصبح فلسفة الطريق أكثر تعقيدًا: فالإنسان هو في الوقت نفسه المسافر وصانع الطريق، صانع الماضي الذي سيعود لاحقًا لينظر إليه، والكائن الذي لا يعرف تمامًا إلى أين تقوده خطواته.
لهذا يبدو شعر ميتشادو قريبًا من الأسئلة الوجودية الكبرى من دون أن يتحول إلى فلسفة منظّمة. إنه لا يقدم نظرية في الحرية أو الزمن، لكنه يضع الإنسان في الوضع الذي تنشأ منه تلك الأسئلة: كائن يسير من دون خريطة كاملة، ويتخذ قرارات لا يستطيع التراجع عن زمنها، ويحمل موتاه في ذاكرته، ويعرف أنه بدوره يسير نحو النهاية.
العين التي تراها ليست عينًا لأنها ترى
وفي أغانٍ جديدة أيضًا تأتي واحدة من أشهر شذرات ميتشادو الفلسفية:
العين التي تراها
ليست عينًا لأنك تراها؛
إنها عين لأنها تراك.
إنها بضعة أسطر، لكنها تقلب العلاقة المعتادة بين الذات والعالم. نحن نفترض عادة أن أنا هي التي تنظر، وأن الأشياء تقع أمامها موضوعات للرؤية. لكن ميتشادو يجعل النظرة متبادلة: ما نراه يعيد إلينا نظرة ما.
وهنا نستطيع العودة إلى السؤال الذي بدأنا به هذه القراءة كلها: هل نحن الذين ننظر إلى المكان، أم أن المكان يجعلنا نرى أنفسنا؟
حين وقف ميتشادو أمام حقول قشتالة لم يكن يرى الأرض فقط. كانت الأرض تكشف له إسبانيا. وحين رأى نهر الدويرو، كشف له النهر الزمن. وحين رأى شجرة الدردار اليابسة، كشفت له هشاشة الأمل. وحين رأى الطريق، كشف له الطريق معنى الاختيار وعدم إمكان العودة. وحين عاد في ذاكرته إلى شوريه بعد موت ليونور، كشف له المكان أن الإنسان يستطيع أن يغادر أرضًا من دون أن تغادره الأرض.
وبهذا المعنى لا يكون المنظر الطبيعي موضوعًا ننظر إليه، بل تجربة تغير الشخص الذي ينظر.
الحكمة التي لا تدّعي امتلاك الحقيقة
ومع تقدم تجربة ميتشادو، تزداد في شعره تلك الصياغات القصيرة التي تبدو للوهلة الأولى أمثالًا، لكنها تختلف عن المثل التقليدي في أمر جوهري. فالمثل عادة يقدم حقيقة مكتملة: افعل هذا، ولا تفعل ذاك، والحياة هكذا. أما حكمة ميتشادو فتحتفظ بالشك.
إنها حكمة المسافر، لا حكمة من وصل.
وهذا الفرق بالغ الأهمية. فميتـشادو لا يقف خارج الحياة ليشرحها لنا؛ إنه يمشي داخلها مثلنا. ولذلك تأتي إحدى أكثر صوره صدقًا من اعتراف ضمني بأن الطريق لا يظهر إلا أثناء السير.
ليس الشاعر حكيمًا لأنه يعرف أين تنتهي الرحلة.
إنه حكيم لأنه يعرف أنه لا يعرف.
ومن هنا نفهم أيضًا بساطة لغته. فالأفكار الكبيرة عنده لا تحتاج إلى مصطلحات كبيرة. الزمن يمكن أن يكون نهرًا. الحياة طريقًا. الأمل ورقة خضراء. الموت بحرًا. الذاكرة حلمًا. الوطن حقلًا قاحلًا يمتد تحت شمس قاسية.
إنه يعيد الفلسفة إلى الأشياء.
ولعل هذا هو السبب في أن شعره يستطيع أن يبدو قريبًا جدًا من القارئ، ثم ينفتح فجأة على هاوية من الأسئلة. نقرأ عن رجل يسير في طريق، فإذا بنا نفكر في حياتنا. نقرأ عن شجرة يابسة، فإذا بنا نفكر في الموت. نقرأ عن نهر إسباني، فإذا بنا نسأل أين ذهبت السنوات.
الرحلة الأخيرة: أن نغادر خفيفي المتاع
وثمة صورة أخرى تساعد على جمع هذه الخيوط كلها. ففي قصيدته صورة التي تفتتح حقول قشتالة، يتحدث ميتشادو عن اليوم الذي تأتي فيه الرحلة الأخيرة، وحين تكون السفينة التي لا تعود مستعدة للمغادرة.
ويتمنى عندها أن يجدوه:
خفيف المتاع،
شبه عارٍ، كأبناء البحر.
ما أجمل أن تأتي هذه الصورة من شاعر أمضى جزءًا كبيرًا من شعره يتحدث عن الطريق.
فبعد كل الطرق هناك سفر أخير.
لكن عبارة خفيف المتاع تمنح الموت معنى مختلفًا. الإنسان يقضي حياته في الجمع: الأشياء، الأسماء، المناصب، البيوت، الذكريات، الانتصارات، الخيبات. ومع ذلك، عندما تصل السفينة التي لا تعود، لا يستطيع أن يأخذ شيئًا تقريبًا.
وهنا يلتقي ميتشادو مرة أخرى مع أرض ألفارغونثالث. الأبناء الذين قتلوا من أجل الأرض كانوا يتصرفون كما لو أن الملكية يمكن أن تهزم الموت. أما الشاعر الذي عرف الفقد فيدرك أن المسافر الأخير يغادر بلا أرض.
ربما لهذا يصبح السؤال الحقيقي ليس: ماذا نملك؟ بل: ماذا فعل بنا ما عشناه؟
فالإنسان لا يحمل الطريق معه، لكنه يصبح الشخص الذي صنعه الطريق.
حين تتحول الأرض إلى سؤال عن الإنسان
عند هذه النقطة نستطيع أن نرى حقول قشتالة بصورة مختلفة تمامًا عما توحي به كلمة حقول. فهذا ليس كتابًا عن الطبيعة بالمعنى البسيط، ولا ألبومًا شعريًا للمناظر الإسبانية، ولا حتى مجرد تأمل في أزمة إسبانيا بعد 1898. إنه كل ذلك، لكنه يتجاوزه إلى سؤال أشمل: كيف يسكن الإنسان عالمًا يعرف أنه سيغادره؟
الإجابة موزعة في الديوان كله.
يسكنه بأن يمشي.
وبأن يتذكر.
وبأن يحب.
وبأن يفقد.
وبأن ينتظر ورقة خضراء على شجرة تحتضر.
وبأن يعرف، في الوقت نفسه، أن النهر لن يتوقف من أجله.
ومن هنا تأتي فرادة ميتشادو. فهو لا يعد الإنسان بالخلود، ولا ينكر قسوة الزمن، ولا يحاول أن يجعل الموت أقل موتًا مما هو عليه. لكنه يكتشف داخل الفناء نفسه سببًا لكي تصبح اللحظة ثمينة.
فالطريق مهم لأنه لن يتكرر.
والحب عزيز لأنه قابل للفقد.
والربيع جميل لأنه لا يبقى.
والذاكرة مؤلمة لأنها تحتفظ بما لا تستطيع إعادته.
والحياة ذات معنى، ربما، لا على الرغم من نهايتها، بل لأن لها نهاية.
خاتمة: نحن أيضًا نصنع الطريق
بعد أكثر من قرن على ظهور حقول قشتالة، ما الذي يمكن أن تقوله لنا تلك الأرض الإسبانية البعيدة؟
ربما تقول شيئًا بسيطًا للغاية.
إن لكل واحد منا قشتالته الخاصة.
مكانًا لم يعد مجرد مكان لأنه اختلط بشيء من حياتنا. بيتًا لم نعد نسكنه. شارعًا تغير. مدينة تركناها. شجرة نتذكرها. نافذة كان يقف عندها شخص غاب. طريقًا سلكناه مرة ولم نعد قادرين على العودة إليه بالشخص نفسه الذي كنا عليه آنذاك.
فنحن لا نعيش في الزمن وحده؛ نترك الزمن يستقر في الأمكنة.
ولهذا نستطيع بعد سنوات طويلة أن نقف أمام باب أو شجرة أو نهر، وفجأة لا نرى الشيء الموجود أمامنا فقط، بل نرى أنفسنا كما كنا.
عندئذ نفهم ميتشادو.
نفهم لماذا يستطيع نهر أن يحمل تاريخ أمة، ولماذا تستطيع شجرة يابسة أن تحمل رجاء رجل خائف على المرأة التي يحبها، ولماذا يستطيع طريق صغير بين الحقول أن يتحول إلى استعارة لحياة كاملة.
وحين يقول:
أيها المسافر، لا طريق هناك،
فالطريق يُصنع بالسير
فإنه لا يقدم لنا وصفة للحياة. إنه يضعنا أمام مسؤوليتها.
لن نعرف الطريق كله مسبقًا.
لن نستطيع العودة إلى بدايته بعد أن نعرف نهايته.
ولن تبقى آثار خطواتنا إلى الأبد.
ومع ذلك علينا أن نمشي.
وربما كان هذا هو المعنى الأكثر هدوءًا والأكثر عمقًا في شعر أنطونيو ميتشادو: أن فناء الطريق لا يعفينا من السير، بل يجعل كل خطوة أكثر أهمية.
لقد بدأ حقول قشتالة بأرض خارج الإنسان، وانتهى بنا إلى أرض داخله. وبين الأرضين يجري نهر الزمن، وتمتد الطرق، وتنبت الأوراق، ويغيب الأحبة، وتتحول الحياة ببطء إلى ذاكرة.
ويبقى المسافر.
يصنع طريقه وهو يسير.



#محمد_نجيب_السعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في ...
- في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في ...
- في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في ...
- في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في ...
- حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية : أرشيف المقام العربي واستعادة ت ...
- حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية أرشيف المقام العربي واستعادة تار ...
- نظريات القصة القصيرة/ 6* الواقعية والرواة في قصص توبياس وولف ...
- نادين كورديمر ومضات اليراع
- نهج معرفي للقصصية
- تشارلز مَي : نقد القصة القصيرة في الولايات المتحدة الأميركية
- لويزا ماريا غونزاليس رودريغيز التناص والكولاج في قصص بارثيلم ...
- فرحات افتخار الدين: سياسة الجسد: الديناميكيات الأنثوية في مج ...
- التقليلية في الشعر : مقدمة تعريفية
- القصة المايكرو
- قصص همنغواي القصيرة /3:
- حروف سوداء فوق صفحات بيض: أدب سكان استراليا الأصليون
- التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-5
- قصص همنغواي القصيرة/2
- قصص همنغواي القصيرة /1
- التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-4


المزيد.....




- كيف يمكن إيصال القصص والموسيقى العربية إلى الجمهور العالمي؟ ...
- ممثل فرنسي ينهي حياته بـ-القتل الرحيم-
- ممثل أمريكي ينجو بأعجوبة من حادث سير مروع ويصارع للعودة إلى ...
- لماذا يعود جمهور الألفية إلى -توايلايت- بعد 18 عاما من عرضه ...
- الثقافة في عصر التكنولوجيا..كيف نحافظ على العمق والهوية؟
- بين الأزمات والحروب.. كيف تحافظ المهرجانات الموسيقية على حضو ...
- تولا تحيي ذكرى معركة كوليكوفو ببرنامج تاريخي واسع
- وجوه فلسطين في عيون السينما.. من حكاية يصوغها الآخر إلى ذاكر ...
- جينيفر لوبيز تعيد أجواء السينما الإيطالية الأنيقة إلى ميلانو ...
- نيكيتا ميخالكوف يتحدث عن جائزة -الفراشة الماسية- في منتدى ال ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب السعد - أنطونيو ميتشادو و حقول قشتالة : حين تتحول الأرض إلى سؤال عن الإنسان