أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب السعد - حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية : أرشيف المقام العربي واستعادة تاريخ الصوت ... ج/2















المزيد.....



حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية : أرشيف المقام العربي واستعادة تاريخ الصوت ... ج/2


محمد نجيب السعد

الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 12:04
المحور: الادب والفن
    


عندما لا تكون قاعدة البيانات محايدة: من يملك حق تعريف الموسيقى العربية؟
عرض لمشروع أرشيف المقام العربي الرقمي

قد تبدو قاعدة البيانات، للوهلة الأولى، أكثر الأشياء حيادًا في العالم. صفوف وأعمدة، أسماء وأرقام، حقول وعلاقات، ومدخلات تستدعيها الخوارزمية عندما تحتاج إليها. لكن هذا الحياد الظاهر يختفي بمجرد أن نسأل سؤالًا بسيطًا: من الذي قرر أصلًا ما الذي يستحق أن يكون حقلًا في قاعدة البيانات؟
في الموسيقى يصبح السؤال أكثر حساسية. فإذا بنينا برنامجًا لتحليل الموسيقى انطلاقًا من مفاهيم السلم الكبير والسلم الصغير والتآلف والتناغم الوظيفي، فإن البرنامج لن يكون أداة محايدة تنتظر الموسيقى التي نقدمها له؛ سيكون قد حمل معه، قبل أن يسمع النغمة الأولى، تصورًا معينًا لماهية الموسيقى وللعلاقات التي تستحق القياس فيها. وعندما نقدم إليه تقليدًا موسيقيًا نشأ داخل منظومة معرفية مختلفة، قد يستطيع قياس أشياء كثيرة، لكنه قد يعجز عن رؤية الأشياء التي لم تسمح بنيته أصلًا بأن تكون مرئية.
من هنا ينبغي فهم العبارة التي يستخدمها القائمون على أرشيف المقام العربي الرقمي حين يتحدثون عن الحوسبة المناهضة للاستعمار أو الحوسبة المنطلقة من خصوصية الثقافة. فالمقصود، وفق الوثائق المنهجية للمشروع، ليس حذف المعرفة الموسيقية الأوروبية ولا رفض أدوات الرياضيات والحوسبة الحديثة، وإنما مساءلة الافتراض الذي يجعل التصنيفات الأنجلو-أوروبية نقطة البداية الطبيعية لكل تمثيل رقمي للموسيقى. ويستند المشروع في ذلك إلى أدبيات أوسع في الحوسبة وما بعد الاستعمار ترى أن الافتراضات الثقافية قد تدخل في صميم العمارة التقنية للنظام، لا في واجهته الظاهرة فقط.
وهذه نقطة ينبغي التعامل معها بدقة. فالأرقام نفسها ليست غربية أو عربية، ووحدة السنت مثلًا أداة قياس نافعة للغاية، وكذلك تقنيات واجهة الأرقام الآلية للآلات الموسيقية والتحليل الطيفي والبرمجة. القضية ليست أصل الأداة بقدر ما هي المنظومة المفهومية التي نطلب من الأداة أن تخدمها. يمكن استخدام أكثر التقنيات المعاصرة تقدمًا لفرض نموذج موسيقي واحد على جميع الثقافات، كما يمكن استخدام التقنية نفسها لكي تكشف الاختلاف بينها وتحافظ عليه.
ولهذا يبدأ أرشيف المقام العربي الرقمي من قرار يبدو صغيرًا لكنه شديد الدلالة: أسماء النغمات الأساسية في بنيته ليست دو، ري، مي ولا الحروف اللاتينية C وD وE، وإنما منظومة الأسماء الفارسية–العربية–العثمانية التاريخية: راست، دوكاه، سيكاه، جهاركاه، نوى.... وهذه الأسماء لا تظهر بوصفها ترجمة تجميلية على الشاشة؛ توضح وثائق المشروع أنها تعمل بوصفها معرّفات أساسية للطبقات النغمية داخل نموذج البيانات نفسه.
والفرق بين الأمرين جوهري. ففي الحالة الأولى نبني النظام بلغة مفهومية أجنبية ثم نضع فوقها أسماء عربية لكي يشعر المستخدم المحلي بالألفة. أما في الثانية فإن المفاهيم التاريخية نفسها تدخل إلى هندسة البرنامج.
والأمر ذاته يحدث مع البنية الكبرى للمعرفة. فالأرشيف منظم حول التناغم، والأجناس، والمقامات، والسيور، والانتقالات؛ وعمليات مثل التصوير والانتقال المقامي تُبنى حاسوبيًا انطلاقًا من هذه العلاقات. وبذلك لا يكون الجنس مجرد شرح يقرأه المستخدم في هامش الموقع، بل عنصرًا تستطيع الخوارزمية التعامل معه؛ ولا يكون السير كلمة تراثية جميلة، بل جزءًا من محاولة تمثيل كيفية تطور المقام لحنيًا.
وهنا تتغير المسألة كلها. لم نعد نسأل: كيف نترجم كلمة maqām إلى لغة الكمبيوتر؟ بل: هل يمكن أن نجعل الكمبيوتر يتعلم العلاقات التي تجعل المقام مقامًا؟
وهذا أصعب بكثير.
فالمقام، كما رأينا، ليس مخزونًا من النغمات. وتصفه وثائق أرشيف المقام العربي الرقمي بأنه إطار مقامي كامل قد يتضمن تسلسلًا صاعدًا وتسلسلًا هابطًا مختلفًا عنه، وأجناسًا موضوعة على درجات محددة، ومسارات للتطور اللحني، فضلًا عن خصائص نظرية وجمالية خاصة. ومن ثم فإن تمثيله حاسوبيًا لا يعني وضع سبع نغمات في مصفوفة رقمية فحسب، وإنما بناء شبكة من العلاقات. وكلما اقتربت الخوارزمية من العلاقات، اقتربت من الموسيقى.
من يترجم من؟ سؤال صغير يكشف مشكلة كبيرة
ثمة طريقة أخرى لرؤية القضية. نحن معتادون على التفكير في الرقمنة بوصفها عملية ترجمة: لدينا معرفة موسيقية عربية، ونريد ترجمتها إلى لغة تستطيع الآلة فهمها. لكن ماذا لو قلبنا السؤال؟
لماذا ينبغي أن تكون الموسيقى دائمًا هي الطرف الذي يترجم نفسه إلى لغة الحاسوب؟ لماذا لا نصمم الحاسوب بحيث يتعلم شيئًا من لغة الموسيقى؟
ربما يكون هذا أحد أكثر المعاني إثارة في المشروع كله.
فالهدف ليس جعل الراست يبدو شبيهًا بسلم غربي كي تستطيع البرمجية التعامل معه، وإنما جعل البرمجية قادرة على تمثيل الراست وهو يحتفظ بعلاقاته الخاصة. وليس المطلوب إلغاء الاختلاف بين أنظمة الفارابي وابن سينا والأرموي ومشاقة لكي تحصل قاعدة البيانات على قيمة واحدة نظيفة، بل تصميمها بحيث تستطيع الاحتفاظ بهذه الاختلافات في الوقت نفسه.
وهنا تظهر المفارقة: ما يبدو من منظور البرمجة تعقيدًا قد يكون من منظور الثقافة ذاكرة. إذا حذفنا الاختلاف، تصبح قاعدة البيانات أبسط.
لكن التاريخ يصبح أفقر. وإذا وحدنا جميع النغمات تحت معيار واحد، تصبح العمليات الحسابية أكثر سهولة.لكننا قد نكون قد حذفنا السؤال الذي جعل تلك الأنظمة التاريخية جديرة بالدراسة أصلًا.
ولهذا يصر المشروع على الاحتفاظ بالقيم الواردة في المصادر بوحداتها الأصلية، سواء كانت نسبًا كسرية أو قيم سنت أو أطوال أوتار أو تقسيمات للدساتين، ثم يحول بينها حسابيًا عند الحاجة. كما يربط البيانات بمصادرها وصفحاتها بحيث يستطيع الباحث، من حيث المبدأ، الرجوع من الرقم الظاهر أمامه إلى الأصل الذي استُخرج منه.
وهذه النقطة الأخيرة بالغة الأهمية؛ لأن أخطر ما يمكن أن تفعله قاعدة البيانات التاريخية هو أن تقطع الرقم عن تاريخه.
فالرقم بلا مصدر يبدو حقيقة مطلقة.
أما الرقم الذي نعرف من اقترحه، ومتى، وفي أي كتاب، وبأي وحدة قياس، وفي أي سياق نظري، فيعود إلى طبيعته الحقيقية: يصبح قولًا داخل تاريخ المعرفة.
وهكذا يتحول التوثيق من إجراء أكاديمي هامشي إلى جزء من فلسفة المشروع نفسها.
سامي الشوا: عندما تحاول الخوارزمية أن تتعلم فن الانتقال
إذا كان تاريخ أنظمة التنغيم يمثل الوجه الأكثر رياضية للمشروع، فإن سامي الشوا يقودنا إلى وجه آخر ربما يكون أكثر إثارة: كيف يمكن تحويل معرفة تتعلق بحركة المقام إلى عملية حاسوبية؟
كان سامي الشوا، المولود في أواخر القرن التاسع عشر والمتوفى سنة 1965، واحدًا من أشهر عازفي الكمان في الموسيقى العربية في النصف الأول من القرن العشرين. لكن الذي يعنينا هنا ليس مكانته الأدائية وحدها، وإنما كتابه الصادر في القاهرة سنة 1946، القواعد الفنية في الموسيقى الشرقية والغربية، وهو المصدر الذي يعتمد عليه أرشيف المقام العربي الرقمي في بناء ما يصفه بأنه أول تطبيق حاسوبي لإرشادات الشوا الخاصة بالانتقالات المقامية. وتثبت ببليوغرافيا المشروع بيانات الكتاب، فيما تضع وثائقه خوارزمية الانتقال المستندة إليه ضمن السمات المركزية للمنصة.
وهنا يحدث شيء مختلف جذريًا عما رأيناه مع قياس الفواصل.
حين نضع نسبة 3/2 داخل برنامج، فنحن نتعامل مع علاقة رياضية محددة. لكن عندما نقول إن الموسيقي يستطيع الانتقال من مقام إلى آخر عبر علاقات معينة، فإننا ندخل عالمًا جديدًا. لم تعد المسألة: أين تقع النغمة؟ بل أصبحت: إلى أين يمكن أن تذهب الموسيقى؟
والفرق بين السؤالين هو الفرق بين الخريطة والرحلة.
الانتقال المقامي، أو الانتقال، ليس مجرد تبديل ميكانيكي من مجموعة نغمات إلى مجموعة أخرى. ففي الأداء الحي يمكن للعازف أن يمهّد للانتقال، وأن يستثمر نغمة مشتركة، أو جنسًا مشتركًا، أو نقطة استقرار جديدة، بحيث يشعر المستمع بأن الأرض الموسيقية تغيرت تحت قدميه من دون أن تنقطع الجملة. وقد يكون الانتقال قريبًا ومألوفًا، وقد يكون أبعد وأكثر مفاجأة؛ وقد يستخدمه الموسيقي للحركة ثم يعود، أو لكي يعيد توجيه المسار كله.
إنه، بهذا المعنى، فن الاحتمال.
وهنا تكمن جرأة تحويل إرشادات الشوا إلى خوارزمية. فالبرنامج لا يكتفي هذه المرة بتخزين شيء كان موجودًا في كتاب، وإنما يحاول استخدام القواعد الموثقة لتوليد شبكة من العلاقات الممكنة بين المقامات. وتوضح وثائق أرشيف المقام العربي الرقمي أن خوارزمية الشوا تتيح استكشاف شبكات الانتقال بصورة منهجية، ضمن نظام يظل حساسًا لنظام التنغيم المستخدم.
وهذه نقطة حاسمة. فالانتقال الذي يبدو ممكنًا إذا نظرنا إلى أسماء النغمات بصورة مجردة قد يواجه مشكلة إذا لم تكن الطبقات اللازمة موجودة في نظام التنغيم المحدد. وهكذا تلتقي طبقات المشروع التي بدت في البداية منفصلة: التنغيم يحدد المجال، والجنس يبني الوحدة، والمقام ينظمها، والسير يمنحها اتجاهًا، والانتقال يفتح أمامها إمكان مغادرة مركزها إلى مركز آخر.
عند هذه النقطة تبدأ قاعدة البيانات في الاقتراب من شيء يشبه نحو الموسيقى.
ليس نحوًا بالمعنى الذي يجعل كل أداء جملة يمكن إنتاجها آليًا من قواعد ثابتة، وإنما بالمعنى الأضعف والأكثر إثارة: هناك علاقات تجعل بعض الحركات ممكنة وبعضها أكثر بعدًا، وهناك طرائق تاريخية لوصف تلك العلاقات، ويمكن للآلة أن تتعلم جزءًا من بنيتها.
لكن كلمة جزء هنا ضرورية.
فالخوارزمية تستطيع أن تقول لنا إن انتقالًا ما ممكن وفق القواعد التي جرى تمثيلها. لكنها لا تستطيع، بمجرد ذلك، أن تقول لنا متى ينبغي للموسيقي أن يقوم به.
وهنا تظهر الحدود.
بين الإمكان والضرورة: ما الذي لا تقوله الخوارزمية؟
لنفترض أن الأرشيف أخبرنا بأن هناك عدة مسارات ممكنة للانتقال من مقام إلى آخر. لدينا الآن معرفة لم تكن متاحة بهذه الصورة من قبل: نستطيع رؤية شبكة من الإمكانات، وربما سماع بعض العلاقات وتجريبها ومقارنتها.
لكن الموسيقي الذي يجلس أمام جمهوره لا يسأل فقط: ما الذي يمكن فعله؟
إنه يسأل، حتى إن لم يصغ السؤال بالكلمات: ما الذي ينبغي أن يحدث الآن؟
وهذه الآن هي المنطقة التي يصعب على الأرشيف الإمساك بها.
لأنها تتضمن ما حدث قبلها، وطول الجملة، وطبيعة القطعة، وحالة الأداء، وذاكرة المستمع، وقرار العازف، وربما المزاج الذي تشكل في القاعة خلال الدقائق السابقة. يمكن للقاعدة أن تسجل أن بابًا موجود؛ لكنها لا تستطيع بمجرد وجوده أن تعرف لماذا يختار الموسيقي فتحه في هذه اللحظة بالذات.
وهنا يظهر الفرق بين القانون والخبرة.
يمكن كتابة قواعد الشطرنج كاملة في صفحات قليلة، لكن معرفة القواعد لا تجعل القارئ لاعبًا عظيمًا. وبالمثل، فإن معرفة العلاقات الممكنة بين المقامات لا تنتج وحدها موسيقيًا قادرًا على بناء انتقال مقنع. ما يفصل المعرفة النظرية عن الأداء هو شيء يتكون من السماع الطويل، والتقليد، والذاكرة الجسدية، والحدس، والخبرة، والقدرة على قراءة الزمن الموسيقي وهو يتشكل.
ولهذا لا ينبغي أن نفهم تحويل قواعد الشوا إلى خوارزمية بوصفه محاولة لاستبدال الموسيقي. قيمته الحقيقية قد تكون في الاتجاه المعاكس تمامًا: أن يجعل جزءًا من المعرفة التي يستخدمها الموسيقي مرئيًا وقابلًا للاستكشاف، لكي ندرك مقدار ما يبقى بعد ذلك خارج الخوارزمية.
فكلما أصبحت القاعدة أوضح، أصبح الاستثناء أكثر إثارة.
وكلما عرفنا ما يمكن حسابه، بدأنا نفهم بصورة أفضل ما لا يُختزل في الحساب.
الأرشيف والذكاء الاصطناعي: من سيعلّم الآلة كيف تسمع المقام؟
وهنا نصل إلى أحد أكثر الآفاق المعاصرة أهمية. يذكر المشروع صراحة أن بياناته مصممة للاستخدام في البحث، والبرمجيات، وتصميم الآلات، والتعليم، وكذلك تطبيقات التعلم الآلي، ويوفر لهذا الغرض بيانات منظمة وواجهة برمجية عامة وإمكانات تصدير بصيغ مختلفة.
لكن القيمة الحقيقية لهذه الإمكانية لا تكمن في العبارة الجذابة الذكاء الاصطناعي والموسيقى العربية. فالسؤال الأهم يسبق الذكاء الاصطناعي نفسه:
على أي موسيقى عربية سيتعلم؟ وبأي نظرية؟
النموذج الحاسوبي لا يصل إلى العالم خاليًا من الافتراضات. فإذا دُرِّب على تسجيلات كثيرة من دون إطار نظري كافٍ، فقد يستطيع اكتشاف أنماط إحصائية مدهشة، لكنه لا يعرف بالضرورة ما إذا كانت الأنماط التي اكتشفها تتطابق مع المفاهيم التي يستخدمها الموسيقيون أنفسهم. وإذا أُعطي نظرية مبسطة تختزل المقام في سُلّم، فقد يتعلم السلم ويظن أنه تعلم المقام.
وهنا يمكن أن تكون أهمية مشروع مثل أرشيف المقام العربي الرقمي كبيرة. فهو يوفر طبقة معرفية منظمة يستطيع الباحث الحاسوبي أن يبدأ منها: ليست مجرد ملفات صوتية تحمل أسماء المقامات، وإنما علاقات موثقة بين أنظمة تنغيم وأجناس ومقامات وسيور وانتقالات، مع إحالات إلى مصادرها. والمنصة نفسها تصف هدفها بأنه توفير بيانات مرجعية موثقة للتعلم الآلي والموسيقولوجيا الحاسوبية وغيرها من التطبيقات.
غير أن هذا يفتح بابًا فلسفيًا جديدًا.
فإذا نجحنا يومًا في بناء نموذج يستطيع التعرف إلى الراست، وتمييز أجناسه، وتتبع سيره، واقتراح انتقالاته، فهل يكون قد فهم المقام؟
أم يكون قد أصبح بارعًا جدًا في التنبؤ بعلاقاته؟
السؤال ليس جديدًا في فلسفة الذكاء الاصطناعي، لكنه يكتسب في الموسيقى المقامية صورة خاصة. لأن المقام لا يوجد في العلاقات الصوتية وحدها؛ إنه يعيش أيضًا في ثقافة الاستماع التي تجعل تلك العلاقات ذات معنى. والنغمة التي يحددها الحاسوب بتردد دقيق قد تحمل بالنسبة إلى المستمع المتمرّس توترًا أو حنينًا أو وعدًا بالعودة إلى القرار، وهي معانٍ لا توجد في التردد بوصفه رقمًا.
وهكذا نصل إلى الحد الذي ظل المقال يتحرك نحوه منذ بدايته.
استطعنا أن نحفظ النسبة.
واستطعنا أن نحفظ الاسم.
واستطعنا أن نمثل الجنس.
وأن نبني المقام.
وأن نسجل السير.
وأن نحسب الانتقال.
بل أصبح في إمكاننا أن نجعل الآلة تستخدم بعض هذه العلاقات.
لكن يبقى شيء آخر.
حين يمسك عازف العود آلته، أو يرفع عازف الكمان قوسه، أو يأخذ المغني نفسًا قبل الجملة، لا تحدث الموسيقى في قاعدة البيانات.
إنها تحدث بين المعرفة والجسد والزمن والمستمع.
وهنا نصل إلى السؤال الأصعب في المقال كله:
هل تستطيع الخوارزمية أن تسمع الطرب؟
قد يكون الطرب أكثر الكلمات مقاومة للترجمة الرقمية. ليس لأنه غامض أو سحري، وإنما لأنه لا يقيم في عنصر واحد يمكن عزله. ليس الطرب مقامًا بعينه، ولا فاصلة بعينها، ولا زخرفة، ولا سرعة، ولا صوتًا جميلًا منفردًا. إنه علاقة تحدث حين تتضافر أشياء كثيرة: بناء الجملة، والتكرار مع الاختلاف، والتوقع، والتأخير، والاستجابة، والذاكرة، والصوت، والجسد، والجمهور.
وبهذا المعنى، ربما يكون السؤال عن رقمنة المقام قد قادنا أخيرًا إلى سؤال أكبر بكثير من التكنولوجيا:
ما الذي يوجد في الموسيقى بعد أن ننتهي من وصف كل ما نستطيع وصفه؟
وهذا بالضبط ما ينبغي أن نسأله قبل أن نقرر إن كان الأرشيف الرقمي قد حفظ الموسيقى، أم أنه فعل شيئًا مختلفًا وأكثر تواضعًا وربما أكثر أهمية: حفظ المعرفة التي تسمح للموسيقى بأن تظل قابلة لأن تولد من جديد.
هل تستطيع الخوارزمية أن تسمع الطرب؟
ربما كان من السهل نسبيًا أن نسأل إن كان الحاسوب يستطيع التعرّف إلى مقام الراست أو الحجاز، أو أن يحسب المسافة بين نغمتين، أو أن يقارن نظامًا للتنغيم عند الفارابي بنظام آخر عند مشاقة. فهذه أسئلة يمكن تحويل جانب كبير منها إلى علاقات قابلة للقياس. لكن السؤال يصبح أكثر اضطرابًا حين ننتقل من المقام إلى الطرب. هنا لا نعود أمام بنية موسيقية يمكن وصف عناصرها فحسب، وإنما أمام تجربة تحدث بين الصوت والإنسان والزمن.
فالطرب ليس نغمة يمكن تحديد ترددها، ولا مقامًا يمكن تدوين درجاته، ولا جنسًا يمكن تعريف حدوده، ولا حتى انتقالًا نستطيع رسم طريقه من مقام إلى آخر. إنه يحدث حين تدخل هذه العناصر جميعًا في علاقة لا يمكن فصلها بسهولة: المغني الذي يكرر العبارة ولكنه لا يعيدها بالطريقة نفسها؛ العازف الذي يطيل الوقوف عند نغمة لأن اللحظة تقتضي ذلك؛ المستمع الذي يتوقع نهاية الجملة ثم يفاجأ بأن النهاية تأخرت؛ الجمهور الذي لا يبقى خارج الموسيقى وإنما يرد عليها ويؤثر في مسارها.
وهنا تظهر حدود الاستعارة التي تجعل الموسيقى لغة بالمعنى الحرفي. فللموسيقى قواعد، لكن القاعدة لا تنتج وحدها أثرها. يستطيع المرء أن يعرف نحو لغة كاملة، وأن يظل عاجزًا عن كتابة قصيدة. وبالطريقة نفسها، يمكن للحاسوب أن يمتلك توصيفًا دقيقًا للمقام من دون أن يمتلك الخبرة التي تجعل الموسيقي يعرف متى ينبغي أن يبقى فيه، ومتى ينبغي أن يغادره، ومتى تكون العودة إلى القرار متوقعة إلى درجة أن تأخيرها لحظة واحدة يستطيع أن يضاعف أثرها.
الزمن هنا ليس وعاءً تقع فيه الموسيقى؛ الزمن جزء من معناها.
ولهذا فإن محاولة أرشفة الموسيقى تضعنا أمام مفارقة لا يمكن حلها بمجرد زيادة كمية البيانات. نستطيع أن نضيف تسجيلات أكثر، وأن نقيس الفواصل بدقة أكبر، وأن نصف السير وصفًا أدق، وأن نرسم شبكات انتقال أكثر تعقيدًا، لكن كل ذلك لا يلغي الفارق بين وصف شروط التجربة وامتلاك التجربة نفسها.
وهذا لا يمثل نقصًا في أرشيف المقام العربي الرقمي بقدر ما يحدد طبيعة المهمة التي يستطيع الأرشيف القيام بها. فالمشروع لا يحتاج إلى أن يحفظ الطرب لكي يكون مهمًا، مثلما لا تحتاج مكتبة المخطوطات إلى أن تعيد الحياة الاجتماعية التي كُتبت فيها الكتب لكي تكون ذات قيمة. ما تستطيع فعله هو حفظ قدر من المعرفة التي تجعل إعادة بناء التاريخ، ودراسته، وتعليمه، وربطه بالممارسة المعاصرة ممكنًا.
بل ربما تكون قيمة الأرشيف الحقيقية أوضح حين نعترف بهذه الحدود.
فالأرشيف الذي يدّعي أنه احتوى الموسيقى كلها سيحول الموسيقى إلى ما استطاع قياسه منها. أما الأرشيف الذي يعرف أن هناك دائمًا فائضًا على القياس، فإنه يستطيع أن يحفظ المعرفة من دون أن يدّعي امتلاك التجربة.
ما بين النغمة المكتوبة والنغمة المسموعة
هناك فرق دقيق بين أن نعرف أين ينبغي أن تقع النغمة وأن نسمع كيف تقع النغمة فعلًا.
في الأداء المقامي، قد تكون الفروق الدقيقة في موضع النغمة جزءًا من أسلوب مدرسة أو موسيقي أو سياق أدائي، وقد تتفاعل مع اتجاه الجملة ووظيفتها داخل المقام. وهذا أحد الأسباب التي تجعل تاريخ أنظمة التنغيم الذي يجمعه أرشيف المقام العربي الرقمي مهمًا: فهو يمنعنا من تصور أن هناك شبكة واحدة جامدة تستطيع تفسير جميع الممارسات التي حملتها الموسيقى العربية عبر تاريخها. ويؤكد الإطار الثقافي للمشروع ضرورة الحفاظ على تعدد أنظمة التنغيم التاريخية وعدم إخضاعها بأثر رجعي لمعيار واحد حديث. (digitalarabicmaqamarchive.net)
لكن الأداء يضيف شيئًا آخر إلى هذا التعدد النظري: الجسد.
فالعازف لا ينتج النغمة بوصفها رقمًا. أصابعه تتحرك على الوتر، وقوس الكمان يغير ضغطه وسرعته، والنَّفَس يدخل في تكوين صوت الناي، والحنجرة لا تنتج التردد وحده وإنما اللون والاهتزاز وطريقة الدخول إلى النغمة والخروج منها. وبين نغمتين يمكن أن تحدث أشياء كثيرة لا تظهر إذا اختزلناهما في نقطتين على محور التردد.
وهنا يمكن أن نرى بوضوح لماذا لا تتعارض الأرشفة الرقمية مع ضرورة العودة إلى التسجيل والأداء الحي. الاثنان لا يتنافسان على تمثيل الشيء نفسه؛ إنهما يحفظان طبقات مختلفة من المعرفة.
قاعدة البيانات تستطيع أن تقول لنا كيف وصف مصدر تاريخي نظامًا للتنغيم.
والتسجيل يستطيع أن يجعلنا نسمع كيف أدى موسيقي معين جملة في لحظة معينة.
والتحليل يستطيع أن يربط الاثنين.
أما التجربة التي عاشها المستمع في تلك اللحظة، فلا توجد كاملة في أي واحد منها.
إنها حدث انتهى.
لكن آثاره بقيت.
من الأرشيف الذي يحفظ الأشياء إلى الأرشيف الذي يكشف العلاقات
حين نسمع كلمة أرشيف نتخيل عادة مكانًا ساكنًا: رفوفًا وصناديق وملفات، مهمتها حماية الأشياء من الضياع. الأرشيف، في هذا التصور، هو المكان الذي يذهب إليه الماضي بعد أن ينتهي.
لكن الأرشيف الرقمي يغير هذه الصورة.
فالقيمة الأساسية لقاعدة بيانات مترابطة ليست فقط أنها تحتوي عددًا كبيرًا من العناصر، وإنما أنها تسمح لنا بأن نرى العلاقات بينها. وهذا ما يظهر بوضوح في تصميم أرشيف المقام العربي الرقمي فالمصدر الببليوغرافي يرتبط بنظام التنغيم، ونظام التنغيم يحدد الطبقات المتاحة، والأجناس تُبنى داخل هذه الطبقات، والمقامات تستعمل الأجناس، والسيور تصف مساراتها، والانتقالات تكشف إمكان الحركة بينها. ومن ثم فإن المعرفة لا تظهر بوصفها مجموعة بطاقات مستقلة، وإنما بوصفها شبكة. (digitalarabicmaqamarchive.net)
وهذا يغيّر وظيفة الباحث نفسه.
في الأرشيف التقليدي يذهب الباحث عادة بحثًا عن شيء يعرف، بدرجة ما، أنه يريد العثور عليه: كتاب، مخطوط، اسم، تاريخ، وثيقة. أما قاعدة البيانات العلائقية فتسمح بنمط آخر من المعرفة: يستطيع الباحث أن يطرح سؤالًا عن العلاقة ثم يرى ما يظهر.
أي المقامات يمكن أن يمثلها نظام تاريخي بعينه؟
أي الأجناس لا يستطيع نظام آخر تمثيلها؟
كيف يتغير موضع طبقة نغمية بين منظّرين عاشوا في قرون مختلفة؟
ما المقامات التي تلتقي في جنس معين؟
وما الطرق الممكنة للانتقال من مقام إلى آخر وفق مجموعة معينة من القواعد؟
بهذه الطريقة لا يعود الأرشيف مكانًا نحفظ فيه الإجابات فحسب، بل يصبح آلة لإنتاج أسئلة جديدة.
وربما كانت هذه إحدى السمات التي تجعل المشروع مهمًا للإنسانيات الرقمية بصورة أوسع. فالرقمنة الجيدة لا تعني تحويل الصفحة الورقية إلى صورة على الشاشة. تلك خطوة مفيدة، لكنها تظل في جوهرها نقلًا للوعاء. التحول الأكثر عمقًا يحدث عندما تصبح المعرفة قابلة لإعادة التنظيم والمقارنة والاستعلام بطرق لم تكن ممكنة بسهولة في وسيطها السابق.
ومن هنا يمكن أن نعود إلى الكندي والفارابي وابن سينا والأرموي الذين بدأنا بهم. لقد ظل كل واحد منهم قرونًا داخل كتابه وسياقه ونظامه. أما الآن فيمكن، من حيث المبدأ، أن تدخل الأنظمة المنسوبة إليهم في مساحة مقارنة واحدة.
الحاسوب هنا لا يصحح التاريخ.
إنه يجعل اختلاف التاريخ قابلًا للرؤية.
من المستفيد من هذا الأرشيف؟
قد يبدو السؤال عمليًا بعد كل هذه الأسئلة الفلسفية، لكنه ضروري. فما قيمة مشروع بالغ التعقيد إذا بقي داخل دائرة صغيرة من المتخصصين؟
الإجابة تكشف أن المشروع يمكن أن يؤدي وظائف مختلفة بحسب من يستخدمه. فبالنسبة إلى الباحث في تاريخ الموسيقى، تتيح المنصة جمع أنظمة كانت موزعة بين مصادر ودراسات متعددة، مع الحفاظ على الإحالات الببليوغرافية وإمكان المقارنة بينها. وبالنسبة إلى الباحث في الموسيقى الحاسوبية، تصبح البيانات المنظمة مادة قابلة للمعالجة بدل الاضطرار إلى بناء corpus من الصفر. وبالنسبة إلى المبرمج ومصمم الأدوات الرقمية، يمكن أن توفر واجهة البرمجة والبيانات المصدرة أساسًا لبناء تطبيقات تتعامل مع المقام بمنطق أكثر ملاءمة لطبيعته. ويذكر المشروع ضمن تطبيقاته المحتملة البحث والتعليم، والموسيقولوجيا الحاسوبية، والتعلم الآلي، وتصميم البرمجيات والآلات الموسيقية. (digitalarabicmaqamarchive.net)
لكن ربما يكون الطالب أحد أكثر المستفيدين إثارة للاهتمام.
فتعليم المقام يواجه دائمًا مشكلة العلاقة بين المجرد والمسموع. يستطيع الكتاب أن يقدم جدولًا للفواصل، لكن الطالب يحتاج إلى سماعها. ويستطيع الأستاذ أن يشرح جنسًا معينًا، لكن فهم اختلافه داخل أنظمة تنغيم متعددة أصعب كثيرًا إذا ظل الاختلاف أرقامًا على الورق. وحين تصبح المقارنة قابلة للاستماع والتصور البصري والحساب في الوقت نفسه، يمكن أن تتغير طريقة تعلم النظرية نفسها.
والأمر أكثر أهمية بالنسبة إلى أبناء الثقافة العربية الذين يدخلون الموسيقى من باب البرمجيات. فكثير من الأدوات الموسيقية الرقمية الشائعة بُنيت تاريخيًا حول افتراضات نابعة من نظام الاثني عشر نصف صوت المتساوي. وحين يحاول موسيقي العمل خارج ذلك النظام، يبدأ غالبًا من تعديل أداة لم تُصمم أصلًا من أجله. أما وجود بيانات وأدوات تنطلق من نظرية المقام فيفتح إمكانية مختلفة: أن تُصمم الأداة منذ البداية وهي تعرف أن العالم الموسيقي لا يتوقف عند اثني عشر مفتاحًا متساويًا.
وهذا تحول ثقافي قبل أن يكون تقنيًا.
الأرشيف ليس متحفًا
ربما تكون أكبر إساءة يمكن أن تلحق بمشروع من هذا النوع أن نتعامل معه باعتباره مشروعًا لإنقاذ موسيقى قديمة من النسيان، ثم وضعها خلف زجاج رقمي لكي تتأملها الأجيال القادمة.
فالمقام العربي ليس أثرًا ميتًا.
إنه ممارسة حية.
ما زال الموسيقيون يعزفون المقامات، وما زالت الأصوات تتغير، والمدارس تتقاطع، والآلات تتطور، والتقنيات الجديدة تدخل عملية الإنتاج الموسيقي. ولذلك فإن الأرشيف لا يقف بالضرورة في مواجهة الحاضر؛ يمكن أن يصبح جزءًا من صناعة مستقبل هذا الحاضر.
وهنا تكمن مفارقة جميلة أخرى. فمشروع يبدأ بالكندي والفارابي وابن سينا والأرموي قد ينتهي إلى التأثير في برنامج موسيقي لم يُكتب بعد، أو آلة إلكترونية لم تُصنع بعد، أو نموذج تعلم آلي لم يُدرَّب بعد.
إن الماضي، حين يتحول إلى بيانات بطريقة واعية، لا يبقى وراءنا بالضرورة.
قد يصبح مادة للمستقبل.
لكن هذه الإمكانية تحمل تحذيرًا أيضًا. فحين تتحول المعرفة الثقافية إلى بيانات مفتوحة قابلة للاستخدام الحاسوبي، يمكن استخدامها بطرائق لم يتصورها الذين جمعوها. قد تدخل في مشروع تعليمي ممتاز، أو في آلة موسيقية جديدة، أو في بحث تاريخي دقيق؛ وقد تدخل كذلك في نموذج تجاري يتعلم الأنماط ثم ينتج موسيقى شرقية بصورة آلية ومسطحة.
ولهذا لن يكون السؤال المستقبلي فقط: هل لدينا بيانات كافية عن الموسيقى العربية؟
سيكون أيضًا: كيف نستخدم هذه البيانات، ومن يستخدمها، وما الذي يحدث للمعرفة حين تنفصل عن السياق الذي منحها معناها؟
وهذا سؤال يتجاوز أرشيف المقام العربي الرقمي نفسه. إنه أحد الأسئلة الكبرى التي ستواجه التراث الثقافي كله في عصر الذكاء الاصطناعي.
ماذا لا يستطيع الأرشيف أن يحفظ؟
ربما ينبغي لكل أرشيف عظيم أن يحمل في داخله وعيًا بما لا يستطيع أرشفته.
لا يستطيع أرشيف المقام أن يعيد إلينا مساءً في بيت بغدادي قبل قرن جلس فيه موسيقي يعزف أمام عدد قليل من المستمعين. يستطيع أن يخبرنا عن النظام المقامي الذي كان متاحًا له، وربما نستطيع العثور على تسجيل لعازف قريب من مدرسته، لكن الهواء الذي حمل الصوت انتهى.
ولا يستطيع أن يعيد قاعة القاهرة التي جلس فيها جمهور يسمع سامي الشوا في لحظة بعينها. قد يبقى التسجيل، وقد تبقى الأسطوانة، وقد تبقى القواعد التي كتبها الشوا، لكن اللحظة التي جعلت تلك الجملة ضرورية في ذلك المساء تحديدًا لا يمكن استعادتها.
وليس هذا فشلًا للأرشيف.
إنه تعريف للزمن.
كل ثقافة تخسر شيئًا بمجرد أن تعيشه. فالإنسان لا يستطيع الاحتفاظ بالحاضر؛ يستطيع فقط أن يترك وراءه آثارًا. كتاب، صورة، تسجيل، آلة، ذاكرة، حكاية، والآن: قاعدة بيانات.
ولذلك فإن السؤال الصحيح ربما لم يكن منذ البداية: هل يستطيع الأرشيف أن يمنع الموسيقى من الزوال؟
لا شيء يستطيع ذلك.
السؤال هو: ما الذي نستطيع إنقاذه من الزوال؟
وأرشيف المقام العربي الرقمي يقدم إجابة محددة ومتواضعة في الوقت نفسه: نستطيع أن نحفظ قدرًا من المعرفة التي جعلت الصوت ممكنًا. نستطيع أن نعرف كيف تصور منظّر في القرن العاشر العلاقات بين النغمات، وكيف تغير هذا التصور بعده، وكيف أعاد القرن التاسع عشر تنظيم المجال النغمي، وكيف حاول القرن العشرون توحيده، وكيف يمكن للقرن الحادي والعشرين أن يضع هذه التصورات المختلفة بعضها إلى جوار بعض من دون أن يمحو اختلافها.
وهذا ليس قليلًا.
ما الذي يبقى من النغمة بعد أن تنتهي؟
نعود الآن إلى النغمة التي بدأنا بها.
ضرب العازف الوتر.
اهتز.
انتقل الاهتزاز في الهواء.
وصل إلى الأذن.
ثم سكت.
إذا نظرنا إلى الأمر من منظور الفيزياء وحدها، انتهى كل شيء تقريبًا. لكن الثقافة تبدأ، على نحو غريب، من المكان الذي ينتهي فيه الصوت.
يبقى اسم النغمة.
وتبقى طريقة ضبط الوتر.
وتبقى النسبة التي كتبها عالم قبل ألف عام.
ويبقى المقام الذي تعلمه التلميذ من أستاذه.
وتبقى الجملة التي حاول عازف آخر تقليدها.
ويبقى كتاب الأرموي، ورسالة مشاقة، وقواعد سامي الشوا، والتسجيلات التي حملت أصوات موسيقيين رحلوا.
واليوم تبقى أيضًا البيانات.
لكن البيانات لا ينبغي أن تكون قبرًا جديدًا للنغمة.
قيمتها الحقيقية أنها تستطيع أن تعيد فتح الطريق إليها.
وهنا تحديدًا يمكن فهم أهمية أرشيف المقام العربي الرقمي. إنه لا يعيد إلينا الأصوات التي اختفت، ولا يستطيع أن يخزن الطرب في خادم، ولا أن يحول خبرة العازف إلى مجموعة نهائية من القواعد. لكنه يفعل شيئًا ربما يكون أكثر واقعية وأعمق أثرًا: يجمع آثار التفكير في الصوت، ويربط بينها، ويحافظ على اختلافها، ثم يجعلها متاحة لعقل جديد لم يكن موجودًا حين كُتبت تلك المصادر: العقل الحاسوبي.
ومع ذلك، فإن الإنسان يبقى في طرفي العملية.
إنسان قاس الوتر أول مرة.
وإنسان كتب النسبة.
وإنسان سمّى النغمة.
وإنسان علّم مقامًا لإنسان آخر.
وإنسان حوّل تلك المعرفة اليوم إلى بيانات.
وإنسان آخر سيجلس أمام الشاشة، يضغط على نغمة، ويسمع.
وبين الأول والأخير أكثر من ألف عام.
لعل هذا هو المعنى الأعمق للأرشيف.
ليس أن يجعل الماضي حاضرًا؛ فالماضي لا يعود.
بل أن يمنع الحاضر من الاعتقاد بأنه بدأ من نفسه.
وعندما نضع الكندي والفارابي وابن سينا والأرموي ومشاقة وسامي الشوا داخل فضاء رقمي واحد، لا نكون قد حللنا لغز الموسيقى العربية، ولا اختزلنا تاريخها في جدول. على العكس، ربما نكون قد استعدنا شيئًا من تعقيدها الذي أخفته محاولات الاختصار والتوحيد.
فالموسيقى العربية لم تكن صوتًا واحدًا عبر ألف عام.
ولم يكن المقام رقمًا واحدًا.
ولم تكن النغمة نقطة لا تتحرك.
كانت المعرفة نفسها في حركة.
ولهذا تبدو الرقمنة، في أفضل صورها، أقل شبهًا بعملية تحنيط الماضي وأكثر شبهًا بفتح حوار معه.
يبقى السؤال الأخير، مع ذلك، بلا إجابة نهائية.
حين يسمع الحاسوب ترددًا، يستطيع قياسه.
وحين يرى مقامًا، يستطيع تحليل علاقاته.
وحين نمنحه قواعد الانتقال، يستطيع حساب الطرق الممكنة بين مقام وآخر.
لكن عندما تتأخر نغمة لحظة أطول مما كنا نتوقع، ثم تهبط أخيرًا إلى القرار، ويشعر المستمع بأن شيئًا لا يستطيع تسميته قد حدث داخله، تكون الموسيقى قد عبرت الحد الذي تفصل عنده المعلومة عن التجربة.
هناك ينتهي الأرشيف.
وهناك تبدأ الموسيقى من جديد.



#محمد_نجيب_السعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية أرشيف المقام العربي واستعادة تار ...
- نظريات القصة القصيرة/ 6* الواقعية والرواة في قصص توبياس وولف ...
- نادين كورديمر ومضات اليراع
- نهج معرفي للقصصية
- تشارلز مَي : نقد القصة القصيرة في الولايات المتحدة الأميركية
- لويزا ماريا غونزاليس رودريغيز التناص والكولاج في قصص بارثيلم ...
- فرحات افتخار الدين: سياسة الجسد: الديناميكيات الأنثوية في مج ...
- التقليلية في الشعر : مقدمة تعريفية
- القصة المايكرو
- قصص همنغواي القصيرة /3:
- حروف سوداء فوق صفحات بيض: أدب سكان استراليا الأصليون
- التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-5
- قصص همنغواي القصيرة/2
- قصص همنغواي القصيرة /1
- التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-4
- التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-3
- وداعاً للسلاح وعناقيد الغضب : تقليلية همنغواي وتكثيرية شتاين ...
- التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-1
- هل الأكثر يعني أكثر أم الأقل يعني الأكثر : بين التقليلية و ا ...
- رسائل إليوت الى إميلي هيل تكشف عن لوعة حب كبيرة


المزيد.....




- جمعت الكتب من تحت الركام.. نيفين الغرابلي تؤسس مكتبة الخيمة ...
- الإقبال الشديد يدفع متحف برلين إلى تمديد عرض بورتريه أنغيلا ...
- سينما -كينوبورت- تستقطب 18 ألف مشاهد في المحطة النهرية الشما ...
- أقدم مسجد في فرنسا.. حفريات جزيرة -مايوت- تعيد كتابة تاريخ د ...
- -نازا- في سان سيباستيان.. مهرجان السينما يجدد موقفه من حرب غ ...
- فيلم -نازا- الوثائقي في قلب عاصفة سياسية في إسرائيل
- تراث متجذر في حياة السودانيين.. زراعة الحناء تصارع الجفاف وت ...
- وفاة صاحب أغنية -Barely Breathing- الشهيرة عن عمر ناهز 56 عا ...
- جدران مدن الأردن.. من كتل صامتة إلى صفحات مفتوحة للذاكرة
- رغم الغضب الإسرائيلي.. فيلم -نازا- يصل إلى دور العرض الأمريك ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب السعد - حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية : أرشيف المقام العربي واستعادة تاريخ الصوت ... ج/2