|
|
حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية أرشيف المقام العربي واستعادة تاريخ الصوت ج /1
محمد نجيب السعد
الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 11:23
المحور:
الادب والفن
هل يمكن أن نؤرشف ما يختفي لحظة وجوده؟ عرض لمشروع أرشيف المقام العربي الرقمي ثمة مفارقة قديمة تسكن الموسيقى منذ أن اكتشف الإنسان قدرته على تنظيم الصوت: إنها الفن الذي لا يستطيع الاحتفاظ بمادته. فالرسام يترك اللوحة وراءه، والنحات يترك الحجر، والكاتب يترك الكلمات مستقرة على الصفحة، أما الموسيقي فلا يملك، في اللحظة الأصلية للفن، سوى شيء يولد لكي يزول. تُضرَب النغمة على وتر العود، فتوجد لحظة ثم تنطفئ؛ يمتد صوت الناي في الهواء ثم يتلاشى؛ ويصعد صوت المغني حتى يبلغ موضعًا لا يعود بعده موجودًا إلا في ذاكرة الذين سمعوه. الموسيقى، بهذا المعنى، ليست فن الصوت وحده، بل فن اختفاء الصوت أيضًا. ولعل هذا هو السبب الذي جعل تاريخ الموسيقى تاريخًا لمحاولات متصلة لمقاومة هذا الاختفاء. فمنذ أن حاول الإنسان تسمية النغمات، وقياس المسافات بينها، ورسم العلاقات التي تجمعها، كان يفعل أكثر من بناء نظرية موسيقية؛ كان يحاول أن يمنح العابر شكلًا يمكن للذاكرة أن تحتفظ به. وحين وضع علماء الموسيقى والفلاسفة العرب والمسلمون القدماء تصوراتهم للنغم والإيقاع والأبعاد، وحين قاسوا الأوتار وقسموها وربطوا ما تسمعه الأذن بما يستطيع العقل أن يصفه بالعدد والنسبة، كانوا يواجهون في الحقيقة السؤال نفسه الذي تواجهه التكنولوجيا الموسيقية اليوم: كيف نحول الصوت، الذي لا يبقى، إلى معرفة تستطيع البقاء؟ بعد أكثر من ألف عام، يعود هذا السؤال في صورة لم يكن في وسع أولئك المنظّرين تخيلها. لم يعد الكتاب والمخطوط والجدول والرسم وحدها أوعية المعرفة الموسيقية؛ أصبحت قاعدة البيانات والخوارزمية والواجهة الرقمية وملف الصوت وواجهة البرمجة أدوات جديدة تستطيع أن تحمل المعرفة الموسيقية، وأن تقارن بين أنظمتها، بل وأن تجعل بعض عناصرها قابلة للقراءة بواسطة الإنسان والحاسوب معًا. ومن هذه النقطة تحديدًا تنبع أهمية أرشيف المقام العربي الرقمي Digital Arabic Maqām Archive (DiArMaqAr ، الذي بحثه وصممه وطوره الموسيقي والباحث العراقي خيام اللامي بالتعاون مع اللبناني إبراهيم الخنسا في مختبر الذكاء الموسيقي، التابع لمركز العلوم الرياضية المتقدمة في الجامعة الأميركية في بيروت. ويعرّف المشروع نفسه بوصفه منصة مفتوحة المصدر ومتعددة اللغات، وفي الوقت نفسه رصيدًا معرفيًا قابلًا للقراءة الحاسوبية لنظرية المقام العربي عبر أكثر من ألف عام من التوثيق. لكن أهمية المشروع لا تكمن، في تقديري، في ضخامة ما يجمعه من معلومات فحسب، ولا في قدرته على جعل المقامات والأجناس وأنظمة التنغيم قابلة للاستماع والمقارنة. الأهم هو السؤال المعرفي الذي يكمن خلف بنيته كلها: كيف يمكن إدخال معرفة موسيقية عربية قديمة ومعقدة إلى العالم الرقمي من دون أن تفقد منطقها الخاص؟ ذلك سؤال أشد تعقيدًا مما يبدو. فكل أرشفة هي، بطريقة ما، عملية اختيار. وحين نحول ظاهرة ثقافية إلى بيانات، نكون مضطرين إلى أن نقرر ما الذي يشكل وحدة في تلك الظاهرة، وما الذي يمكن قياسه، وما العلاقة بين عنصر وآخر، وأي الأسماء ينبغي اعتمادها، وأي التصنيفات تستطيع تمثيل المعرفة التي نحاول حفظها. والحاسوب، خلافًا للأذن البشرية، لا يعرف المقام قبل أن نخبره ما المقام، ولا يعرف الجنس أو القرار أو الغماز أو السير أو الانتقال إلا إذا تحولت هذه المفاهيم إلى بنية يستطيع التعامل معها. لهذا فإن المسألة هنا ليست نقل الموسيقى العربية إلى شاشة الكمبيوتر. إنها، في مستوى أعمق، ترجمة نظام معرفي كامل إلى بنية رقمية. وهنا تكمن إحدى أكثر أفكار الأرشيف إثارة للاهتمام. فهو لا يبدأ من افتراض أن النظرية الموسيقية الأوروبية هي اللغة الكونية التي ينبغي ترجمة الموسيقى العربية إليها، بل يعلن أن بنيته تقوم على المفاهيم التي تكونت داخل تاريخ نظرية المقام نفسها. ولذلك تُبنى قاعدة البيانات حول التناغم والأجناس والمقامات والسيور والانتقالات، وتُستخدم منظومة أسماء النغمات الفارسية–العربية–العثمانية مثل راست ودوكاه وسيكاه وجهاركاه ونوى بوصفها جزءًا من البنية الأساسية للبيانات، لا بوصفها مجرد أسماء تراثية تضاف إلى واجهة حديثة. وهذا التحول بالغ الدلالة. ففي المعتاد تبدو الرقمنة كأنها فعل محايد: لدينا معرفة قديمة، فننقلها ببساطة إلى وسيط جديد. غير أن الوسيط الرقمي ليس محايدًا تمامًا؛ فالطريقة التي تُبنى بها قاعدة البيانات تستطيع أن تغير الطريقة التي نرى بها الشيء الذي تحتويه. فإذا أُدخل المقام إلى نظام حاسوبي صُمم أصلًا على افتراضات موسيقية مختلفة، فقد ينجح البرنامج تقنيًا بينما يفشل معرفيًا: يحتفظ بالأرقام ويضيّع العلاقات، يسجل النغمات ويفقد المنطق الذي يجعل منها مقامًا. من هنا يمكن النظر إلى أرشيف المقام العربي الرقمي بوصفه أكثر من مستودع للمعلومات. إنه تجربة في السؤال عن إمكانية أن تمتلك الثقافة أدواتها الرقمية الخاصة لقراءة نفسها. المقام: لماذا لا تكفي كلمة سُلَّم؟ قبل الدخول إلى الأرشيف نفسه، ينبغي أن نتوقف عند الكلمة التي يقوم عليها المشروع كله: المقام. قد يبدو الأمر بسيطًا للقارئ غير المتخصص. فهناك مقام راست، وبيات، وحجاز، وصبا، ونهاوند، وعجم، وغيرها؛ وقد يميل المرء إلى تصور المقام باعتباره مجموعة من النغمات المرتبة بالطريقة نفسها التي نفهم بها السلم الموسيقي. غير أن هذا التبسيط يخفي وراءه جزءًا كبيرًا من طبيعة الموسيقى المقامية. فالمقام لا يصبح مقامًا لمجرد أننا عرفنا النغمات التي يتكون منها، مثلما لا تصبح اللغة لغة بمجرد أن نعرف الحروف التي تستخدمها. وهذه المقارنة باللغة ليست عرضية. فالحروف تحدد الإمكانات الصوتية للغة، لكنها لا تخبرنا كيف تتشكل الجملة، ولا أين يقع التشديد، ولا كيف تتغير الدلالة بالسياق، ولا كيف يستخدم المتكلم الصمت والنبرة والإيقاع. وعلى نحو قريب من ذلك، تستطيع قائمة النغمات أن تخبرنا بشيء عن المادة الصوتية للمقام، لكنها لا تستطيع وحدها أن تخبرنا كيف يعيش المقام في الزمن. ولهذا يتعامل أرشيف المقام العربي الرقمي مع المقام بوصفه جزءًا من شبكة أوسع تضم أنظمة التنغيم والأجناس والمقامات والسيور اللحنية والانتقالات المقامية. وتصف وثائق المشروع المقامات بأنها أطر لحنية كاملة، بينما تمثل السيور مسارات التطور اللحني في الأداء، وتمثل الانتقالات العلاقات التي تسمح بالحركة من مقام إلى آخر. وهذا التمييز مهم للغاية؛ لأنه يعيدنا من المكان إلى الزمن. السلم، حين نكتبه على الورق، يمكن أن يبدو كأنه شيء مكاني: نغمات موضوعة فوق بعضها في ترتيب معين. أما المقام في الأداء فهو حركة. هناك نقطة يبدأ منها، ونغمات تكتسب ثقلاً أكبر من غيرها، ومناطق يستقر فيها اللحن، وأخرى يمر بها، وتوقعات يبنيها العازف في أذن المستمع ثم يحقق بعضها ويؤجل بعضها الآخر. ولذلك فإن معرفة نغمات مقام ما لا تعني بالضرورة معرفة كيفية أداء ذلك المقام. يمكن تشبيه الأمر بخريطة مدينة. قد تعطينا الخريطة جميع الشوارع، لكنها لا تعطينا المدينة كما يعيشها ساكنها. لا تخبرنا أي الطرق يسلكها الناس عادة، وأي الساحات تتحول في المساء إلى مراكز للحياة، وأي الأزقة تختصر المسافة، وأين يتباطأ السير وأين يتسارع. السلم أقرب إلى الخريطة؛ أما المقام فهو أيضًا طرائق السير داخلها. ولهذا تحتل فكرة السَّير موقعًا بالغ الأهمية في فهم الموسيقى المقامية. فالمقام ليس مخزونًا ساكنًا من الدرجات، وإنما طريقة في تنظيم الحركة بينها. وقد يبدو مقامات عدة متقاربة إذا نظرنا إليها بوصفها مجموعات مجردة من النغمات، لكن اختلاف مراكز الجذب ومسارات التطور اللحني وطريقة تركيب الأجناس والانتقال بينها يمكن أن يمنح كل مقام شخصيته التي تتعرف إليها الأذن المتمرّسة حتى قبل أن تستطيع اللغة النظرية تفسيرها. وهنا نصل إلى المشكلة التي سيواجهها أي مشروع رقمي للمقام: كيف يمكن للحاسوب أن يمثل الحركة؟ تمثيل النغمات رقميًا أمر ممكن نسبيًا. يمكن تحديد التردد وقياس المسافة والتعبير عنها بنسبة رياضية أو بالسنت، ووضعها داخل قاعدة بيانات. ويمكن كذلك وصف الجنس وتحديد نغماته وعلاقاته. لكن الانتقال من هذه العناصر إلى السير يعني الانتقال من وصف الأشياء إلى وصف العلاقات والزمن والاحتمال. وهنا تبدأ المعرفة الموسيقية في مقاومة الاختزال. ومع ذلك، فإن إحدى خصائص أرشيف المقام العربي الرقم المهمة هي أنه لا يكتفي بتخزين أسماء المقامات. فهو يجمع أنظمة تنغيم تاريخية وحديثة، وأجناسًا ومقامات وسيورًا وانتقالات، ويتيح تشغيلها ومقارنتها، كما يسمح بتصدير البيانات بصيغ حاسوبية مختلفة والوصول إليها برمجيًا. وتقول وثائق المشروع إن هذه المادة تمتد من أنظمة موثقة منذ القرن التاسع وصولًا إلى المقاربات المعاصرة، مع إسناد ببليوغرافي للمعلومات التي تدخل قاعدة البيانات. وهنا تبدأ القصة التاريخية الحقيقية للمشروع. فما يظهر اليوم على الشاشة في صورة نغمة يمكن تشغيلها بضغطة مفتاح أو نسبة رياضية يمكن مقارنتها بنسبة أخرى، يحمل خلفه تاريخًا طويلًا من التفكير في الصوت. وراء الأرقام مخطوطات وكتب وجدالات؛ ووراء أسماء النغمات قرون من التحول؛ ووراء الاختلاف بين نظام تنغيم وآخر سؤال ظل يتكرر بصور مختلفة: ما الذي تسمعه الأذن حين تقول إن هذه النغمة في موضعها الصحيح؟ ولذلك، إذا أردنا فهم القيمة الحقيقية لأرشيف المقام العربي الرقمي، فعلينا أن نغادر الشاشة مؤقتًا، وأن نعود أكثر من ألف عام إلى الوراء؛ إلى اللحظة التي لم يكن فيها الحاسوب موجودًا، لكن العلاقة بين الصوت والعدد والعقل كانت قد أصبحت بالفعل واحدًا من الأسئلة الكبرى في التفكير الموسيقي. من الكندي والفارابي إلى الأرموي: حين كان قياس الوتر طريقة لفهم العالم قد يبدو الانتقال من شاشة رقمية حديثة إلى عالم الكندي والفارابي وابن سينا وصفي الدين الأرموي قفزة هائلة إلى الوراء، لكن المسافة بين العالمين أقل مما نتخيل. فما يفعله أرشيف المقام العربي الرقمي اليوم، حين يحوّل النغمات إلى نسب وقيم رياضية ومسافات قابلة للمقارنة، له جذور بعيدة في تاريخ التفكير الموسيقي نفسه. الاختلاف بالطبع هائل في الوسيلة: هناك كان الوتر والعود والقلم والمخطوط، وهنا توجد قاعدة البيانات والخوارزمية وواجهة البرمجة؛ غير أن السؤال العميق ظل قائمًا: كيف يمكن وصف ما تسمعه الأذن بلغة يستطيع العقل أن يقيسها ويتداولها؟ تبدأ المصادر التي يجمعها الأرشيف من القرن التاسع، ويظهر أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي بوصفه إحدى المحطات المبكرة في هذا التاريخ. وتعرض قاعدة أرشيف المقام العربي الرقم نظامًا منسوبًا إليه يتكون من اثنتي عشرة طبقة نغمية، مستندة في توثيقها إلى دراسات جورج فارمر وكريستر فورستر. والمثير هنا، من منظور تاريخ المقام، أن هذا النظام المبكر لا يحتوي بعض الطبقات التي ستغدو شديدة الأهمية في مراحل لاحقة من النظرية والممارسة المقامية العربية، ومنها الدرجات المرتبطة بما تسميه الأدبيات الحديثة أحيانًا بالفواصل الزلزلية. ولذلك لا يستطيع النظام، كما توضّح وثائق الأرشيف، تمثيل جميع الأجناس والمقامات التي أصبحت ممكنة في أنظمة لاحقة. هذه الملاحظة الصغيرة مهمة جدًا، لأنها تمنعنا منذ البداية من الوقوع في وهم شائع: أن هناك نظامًا عربيًا واحدًا وُلد مكتملًا ثم ظل يتكرر عبر القرون. ما تكشفه المادة التي يجمعها الأرشيف هو العكس تقريبًا. تاريخ النظرية الموسيقية العربية هو تاريخ تحولات في كيفية تقسيم المجال النغمي ووصفه وقياسه. وما نعدّه اليوم جزءًا بديهيًا من هوية مقام ما لم يكن بالضرورة حاضرًا بالطريقة نفسها في كل مرحلة من مراحل هذا التاريخ. ومن هنا تصبح المسألة أكبر من مجرد معرفة عدد النغمات التي استخدمها منظّر قديم. فالعدد نفسه يخبرنا عن الطريقة التي كان بها العالم الموسيقي يُتصور. عندما يضع المنظّر علامات على وتر العود، أو يقسم طول وتر، أو يحسب نسبة بين صوتين، فهو لا يصف شيئًا موجودًا خارج النظرية فحسب؛ إنه يبني نموذجًا يستطيع من خلاله تنظيم التجربة السمعية. المسافة الموسيقية تصبح نسبة، والنسبة تصبح معرفة قابلة للنقل، وما كان يحدث في الأذن واليد يصبح قابلًا لأن ينتقل من عازف إلى قارئ ومن جيل إلى جيل. وهنا يبرز أبو نصر الفارابي بوصفه محطة لا يمكن المرور بها سريعًا. فالأرشيف لا يسجل له نظامًا واحدًا فحسب، وإنما يتعامل مع تعدد الأنظمة التي ناقشها، تبعًا للآلة والإطار النظري المستخدم. وتذكر وثائق المشروع، اعتمادًا على المصادر والدراسات التي أعادت بناء هذه الأنظمة، صورًا تتضمن 27 و35 و22 طبقة نغمية. كما يعرض الأرشيف أحد أنظمة الفارابي المرتبطة بالعود في صورة نظام من 27 طبقة، ويشير إلى أهميته في توثيق الفاصل المنسوب إلى وسطى زلزل (نغمة خاصة على زند العود ابتكرها الموسيقي العباسي الشهير منصور زلزل توفي حوالي 176 هـ وأدخل عليها إصلاحات دقيقة ) بنسبة 27/22، وهو من العناصر التي تتيح تمثيل مجموعة أوسع من الأجناس والمقامات والانتقالات. لكن الرقم 27 لا ينبغي أن يُقرأ كما نقرأ اليوم عدد المفاتيح أو الخانات في آلة ثابتة. إنه جزء من تصور نظري أوسع للمجال النغمي. وهذا ما يجعل الفارابي مهمًا بالنسبة إلى مشروع رقمي معاصر: فالتاريخ الذي يضعه الأرشيف أمامنا لا يسير في خط مستقيم من نظام ناقص إلى نظام مكتمل، بل يكشف أن المنظّرين كانوا يبنون نماذج مختلفة للصوت تبعًا للأداة التي يقيسون بها، والمشكلة التي يريدون تفسيرها، والفضاء الموسيقي الذي يحاولون وصفه. وتصبح هذه النقطة أوضح حين نلاحظ أن أنظمة العود القديمة في الأرشيف تبدأ من العُشيران، ارتباطًا بطريقة تصور دوزنة العود وعلاقاته الرباعية، في حين تبدأ أنظمة أخرى مرتبطة بالطنبور أو المونوكورد أو القياس النظري من اليكاه أو الراست. وليست نقطة البداية تفصيلًا شكليًا؛ فاختيارها يؤثر في العلاقات التي تظهر داخل النظام وفي إمكان نقل الأجناس والمقامات وفي مسارات الانتقال المتاحة. وتوضح وثائق أرشيف المقام العربي الرقمي أن الفارابي نفسه يظهر في أكثر من سياق من هذه السياقات لأنه وصف أنظمة مشتقة من آلات مختلفة. هنا نستطيع أن نرى شيئًا بالغ الأهمية: الآلة ليست مجرد أداة لتنفيذ النظرية؛ إنها قد تكون إحدى الأدوات التي تنتج بها النظرية نفسها. فالعود، في هذا السياق، ليس صندوقًا يصدر أصواتًا بعد أن يكون العقل قد انتهى من التفكير فيها. طول الوتر، ومواضع الأصابع، ونسب التقسيم، وطريقة الدوزنة كلها تمنح المفكر الموسيقي مختبرًا محسوسًا يستطيع أن يختبر فيه العلاقات التي يحاول وصفها. الجسد والآلة والعدد والأذن لا تعمل منفصلة بعضها عن بعض، وإنما تدخل في عملية معرفية واحدة. ولهذا ربما يكون من المضلل أن نقرأ أولئك المنظّرين كما لو كانوا رياضيين يحاولون فرض أرقام مجردة على الموسيقى. كانوا، بدرجات مختلفة، يحاولون بناء جسر بين ما يُسمع وما يمكن وصفه. وهذه العلاقة بين السمع والقياس ستصبح، بعد أكثر من ألف عام، إحدى المسائل المركزية في الأرشيف الرقمي نفسه. ابن سينا: حين يدخل السمع في نظام المعرفة ومع ابن سينا تتخذ المسألة بعدًا إضافيًا. فنحن أمام فيلسوف وطبيب وعالم لم تكن الموسيقى بالنسبة إليه جزيرة منفصلة عن بقية المعرفة. وهذا السياق مهم لأن دراسة الموسيقى داخل التراث الفلسفي القديم والوسيط ارتبطت بالرياضيات والنسب، ولكنها ظلت في الوقت نفسه متصلة بظاهرة حسية لا تتحقق إلا بالصوت والإدراك. يعرض أرشيف أرشيف المقام العربي الرقمي نظامًا منسوبًا إلى ابن سينا يتكون من سبع عشرة طبقة نغمية، مرتبطًا بعود ذي سبعة مواضع للدساتين، ويستخدمه الأرشيف اليوم بوصفه أحد الأنظمة التاريخية التي يمكن من خلالها اختبار الأجناس والمقامات ومقارنتها بأنظمة أخرى. وتشير الببليوغرافيا المصاحبة إلى أن النظام ذي السبع عشرة طبقة موثق في الأدبيات التاريخية التي يعتمد عليها المشروع. لكن أهمية هذه المعلومة بالنسبة إلينا ليست في الرقم وحده. فبعد الفارابي، الذي تستطيع بعض أنظمته أن تقدم عددًا أكبر بكثير من مواضع النغم، نصل إلى نظام من سبع عشرة طبقة عند ابن سينا. لو افترضنا أن تاريخ النظرية الموسيقية يتقدم بالطريقة التي تتقدم بها بعض التقنيات الحديثة، لربما قلنا إن العدد الأقل يمثل تراجعًا. غير أن هذا الاستنتاج سيكون خاطئًا، لأن زيادة عدد الطبقات ليست مقياسًا بسيطًا للتقدم الموسيقي. النظام النظري يُحكم عليه بالأسئلة التي صُمم للإجابة عنها والعلاقات التي يستطيع تمثيلها، لا بعدد عناصره وحده. وهذا بالضبط ما يجعل جمع الأنظمة التاريخية في منصة واحدة عملًا ذا قيمة معرفية. ففي الكتاب التقليدي قد يقرأ الباحث وصف نظام الكندي في فصل، ثم نظام الفارابي بعد عشرات الصفحات، ثم ابن سينا في كتاب آخر. أما في البيئة الرقمية فيمكن لهذه النماذج أن توضع جنبًا إلى جنب، وأن تتحول النسب إلى سنتات وترددات وأطوال أوتار وقيم قابلة للمقارنة. فالمنصة تستطيع تحويل الطبقات النغمية بين عدة صور رياضية، منها نسب التردد وقيم السنت والترددات المطلقة وأطوال الأوتار وقيم واجهة الأرقام الآلية للآلات الموسيقية Musical Instrument Digital Interface وهنا تحدث مفارقة جميلة: الحاسوب لا يلغي الرياضيات القديمة؛ إنه يجعلها مسموعة من جديد. النسبة التي بقيت قرونًا في كتاب أو تحقيق يمكن أن تدخل اليوم في نموذج حاسوبي، وأن تتحول إلى قيمة صوتية، وأن تقارن بنسبة أخرى اقترحها منظّر عاش بعد صاحبها بثلاثة قرون أو عشرة. بذلك لا يعود التاريخ سلسلة أسماء وتواريخ فحسب، بل يصبح فضاءً يمكن أن نتحرك داخله بالأذن أيضًا. الأرموي: حين تصبح العلاقات نظامًا ثم نصل في القرن الثالث عشر إلى صفي الدين عبد المؤمن الأرموي، وإلى واحدة من المحطات الكبرى في تاريخ التنظير الموسيقي في المنطقة. ويضم الأرشيف نظامه ذي السبع عشرة طبقة النغمية، مع الإحالة إلى كتاب الأدوار ومصادر تحقيقه ودراسته. وتضعه وثائق المشروع ضمن السلسلة التاريخية التي تكشف تنوع الأنظمة السابقة على محاولات التوحيد الحديثة. وتكمن أهمية الأرموي في السياق الذي نبنيه هنا في أن التفكير الموسيقي يزداد لديه ميلًا إلى التنظيم المنهجي للعلاقات النغمية. فبدل أن ننظر إلى النغمات بوصفها نقاطًا منفصلة، يصبح الأهم هو ما يمكن أن تنتجه العلاقات بينها من بنى وتركيبات. وهذه خطوة ضرورية لفهم التحول اللاحق نحو الأنظمة المقامية؛ لأن المقام في النهاية لا يعيش في النغمة المفردة، وإنما في العلاقة المنظمة بين النغمات وفي الطريقة التي تتحرك بها تلك العلاقات عبر الزمن. ومن الكندي إلى الفارابي وابن سينا والأرموي لا نجد إذن حكاية بسيطة عن اكتشاف تدريجي للسلم العربي. نجد شيئًا أكثر ثراء: محاولات مختلفة للإجابة عن سؤال واحد بطرائق متعددة. كم موضعًا نغميًا نحتاج؟ كيف نقيس المسافة؟ أي آلة تكشفها؟ ما العلاقة بين النسبة التي يحسبها العقل والصوت الذي تقبله الأذن؟ وأي العلاقات يمكن أن تتحول إلى بنية موسيقية قابلة للاستعمال؟ إنها أسئلة قديمة، لكنها تبدو مدهشة الحداثة حين نضعها إلى جوار ما يفعله الأرشيف الرقمي اليوم. من النسبة إلى الذاكرة: لماذا لم يكن هناك نظام واحد؟ هنا نصل إلى نقطة حاسمة في قصة أرشيف المقام العربي الرقمي. فإذا كان الكندي والفارابي وابن سينا والأرموي قد قدموا لنا أنظمة مختلفة، فما الذي ينبغي أن نفعله بهذا الاختلاف؟ هل نبحث بينها عن النظام الصحيح ونعتبر البقية مراحل في الطريق إليه؟ أم نتعامل مع التعدد نفسه بوصفه حقيقة تاريخية تستحق أن تُحفظ؟ يختار أرشيف المقام العربي الرقمي الطريق الثاني. وتعلن وثائقه صراحة أن أحد المبادئ التي يقوم عليها المشروع هو تجنب انحياز التوحيد القياسي. فالمنصة لا تعيد كتابة التاريخ لكي تجعله متوافقًا بأثر رجعي مع نظام حديث واحد، وإنما تحاول الاحتفاظ بالاختلافات التي وثقتها المصادر. ولهذا نجد داخلها أنظمة بعدد مختلف من الطبقات: أنظمة للفارابي بـ27 أو 35 أو 22 طبقة في بعض النماذج الموثقة، ونظام ابن سينا ذي 17 طبقة، ونظام الأرموي ذي 17 طبقة، ثم أنظمة لاحقة وصولًا إلى النماذج الحديثة ذات الأربع والعشرين طبقة وغيرها. وهذه النقطة تغير الطريقة التي ينبغي أن نحكي بها تاريخ المقام العربي. فالسردية المبسطة قد توحي بأن الموسيقى العربية تقوم، منذ زمن بعيد، على تقسيم الأوكتاف إلى أربعة وعشرين ربعًا صوتيًا، وكأن هذا النظام هو حقيقتها الطبيعية التي كانت تنتظر فقط أن يُعثر عليها. لكن الوثائق التاريخية التي يجمعها المشروع تقدم صورة أشد تعقيدًا. وتشير وثائق أرشيف المقام العربي الرقمي إلى أن عمليات التقييس الحديثة، ولا سيما منذ منتصف القرن العشرين، أسهمت في دفع النظرية العربية نحو نموذج الأربع والعشرين طبقة، بينما كانت القرون السابقة تعرف أنظمة متعددة تختلف في عدد الطبقات وفي قيم الفواصل وفي الأسس المستخدمة لبنائها. ولا يعني هذا أن نظام الأربع والعشرين طبقة خاطئ. المسألة أعمق من الحكم بالصواب والخطأ. لقد أدى التوحيد وظائف تعليمية ونظرية وعملية مهمة، وسهّل وصف كثير من العلاقات الموسيقية. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول أداة مفيدة لوصف جانب من الحاضر إلى عدسة وحيدة نعيد من خلالها تفسير الماضي كله. فالخريطة التي تصلح لمدينة اليوم لا تخبرنا بالضرورة كيف كانت المدينة قبل خمسمائة سنة. ومن هنا تكتسب الرقمنة معنى غير متوقع. فالمرء قد يتصور أن الحاسوب، بحكم حاجته إلى القواعد الدقيقة، سيدفعنا حتمًا نحو مزيد من التوحيد. لكن الأرشيف يحاول استخدام القدرة الحاسوبية في الاتجاه المعاكس: للاحتفاظ بالتعدد. فبدل أن تقول قاعدة البيانات إن هناك مسافة واحدة نهائية يجب أن يحملها اسم معين، تستطيع تخزين القيم المختلفة التي ظهرت في أنظمة تاريخية مختلفة، مع نسبها ومصادرها وسياقاتها. وهذا أحد التحولات المهمة التي تقدمها الإنسانيات الرقمية عندما تُبنى بعناية: لم تعد قاعدة البيانات مضطرة إلى أن تكون مقبرة للفروق. يمكن أن تصبح مكانًا تظهر فيه الفروق بوضوح أكبر. لكن هذه الفكرة تضعنا أمام سؤال لا يمكن تأجيله طويلًا. إذا كانت النغمة نفسها تستطيع أن تحتل مواضع مختلفة قليلًا باختلاف نظام التنغيم، فماذا يحدث للمقام الذي تتكون منه هذه النغمات؟ هنا يصبح الراست حالة مثالية للاختبار. فالراست ليس اسمًا هامشيًا في تاريخ الموسيقى العربية، بل واحد من المقامات الأساسية والنموذجية، وتوضح أمثلة الأرشيف أنه يمكن تمثيله ضمن أكثر من نظام تاريخي، من بينها نظام ابن سينا، وأحد أنظمة الفارابي، ونظام ميخائيل مشاقة، والنظام المرتبط بلجنة مؤتمر الموسيقى العربية في القاهرة. والأمر المثير ليس أن نضغط زرًا فنسمع راست عدة مرات. الأهم أن نسأل: إذا ظل الاسم واحدًا بينما تغيرت بعض القيم التي تحدد مواضع نغماته، فأين توجد هوية المقام؟ هل توجد في الرقم؟ هل توجد في النسبة؟ هل توجد في الجنس؟ هل توجد في طريقة السير؟ أم أن هوية المقام تنشأ من علاقة أكثر تعقيدًا بين هذه العناصر جميعًا، بحيث يستطيع أن يحتفظ بشخصيته حتى عندما تتغير بعض المقادير الدقيقة التي تحققها؟ هذا السؤال هو الذي سينقلنا من تاريخ النظرية إلى التجربة الفعلية التي يتيحها الأرشيف. وبدل أن نتحدث عن اختلاف الأنظمة في المجرد، يمكن أن نضع مقام الراست داخل أكثر من ألف عام من التاريخ، ونراقب كيف تتحرك النغمة نفسها بين الرياضيات والأذن والذاكرة. مقام واحد وأكثر من حقيقة صوتية: ماذا يحدث للراست عندما نعبر به القرون؟ مقام واحد وأكثر من حقيقة صوتية: ماذا يحدث للراست عندما نعبر به القرون؟ إذا أردنا أن نفهم ما يفعله أرشيف المقام العربي الرقمي بصورة تتجاوز المصطلحات التقنية، فربما لا توجد طريقة أفضل من أن نختار مقامًا واحدًا ونتركه يسافر بنا عبر التاريخ. وليس اختيار مقام الراست اعتباطيًا. فالراست واحد من أكثر المقامات حضورًا في النظرية والممارسة الموسيقية العربية، كما أن اسمه نفسه ينتمي إلى شبكة قديمة من أسماء النغمات والمقامات التي عبرت ثقافات ولغات وقرونًا طويلة. لكن أهميته بالنسبة إلينا هنا تأتي من شيء آخر: إنه يتيح لنا أن نرى بوضوح أن العبارة البسيطة هذا مقام راست تخفي وراءها تاريخًا أكثر تعقيدًا بكثير مما توحي به. حين يستمع موسيقي متمرّس إلى الراست لا يحتاج، في العادة، إلى إجراء حساب رياضي لكي يعرفه. ثمة شخصية سمعية تتشكل في أذنه؛ علاقات بين النغمات، ومواضع للاستقرار، واتجاهات للحركة، وطريقة مخصوصة في بناء الجملة الموسيقية. غير أن الأمر يتغير عندما نطلب من النظرية أن تجيب عن سؤال يبدو بسيطًا: أين تقع كل نغمة بالضبط؟ هنا تدخل الرياضيات. وتظهر إحدى فضائل أرشيف المقام العربي الرقمي في أنه يسمح للباحث بأن يضع أنظمة تاريخية مختلفة إلى جوار بعضها بدل أن يخفي الاختلاف بينها تحت معيار واحد. وتورد أمثلة المشروع التمثيلية مقام الراست ضمن أنظمة متعددة، منها نظام ابن سينا التاريخي ذي السبع عشرة طبقة، وأحد أنظمة الفارابي، ونظام ميخائيل مشاقة في القرن التاسع عشر، ثم النظام المرتبط بلجنة مؤتمر الموسيقى العربية في القاهرة سنة 1932. أي إن الاسم يبقى قابلًا للتتبع، لكن البنية العددية التي تُستخدم في تمثيله لا تبقى بالضرورة مطابقة من عصر إلى آخر. وهذه وحدها نتيجة تستحق التأمل. فالطريقة الشائعة في تعليم الموسيقى العربية الحديثة تجعل من السهل أن يتكون لدى الطالب تصور مفاده أن المقامات تقيم داخل شبكة ثابتة من أربع وعشرين درجة متساوية في الأوكتاف، وأن ربع الصوت وحدة طبيعية قديمة كامنة في الموسيقى العربية منذ بداياتها. غير أن التاريخ الذي تكشفه الأنظمة المجمعة في الأرشيف لا يسمح بهذه البساطة. فالتنظير القديم والحديث عرف أنظمة مختلفة في عدد طبقاتها وفي النسب التي تحدد بعض المسافات، كما أن توحيد الوصف في أربعة وعشرين قسمًا متساويًا ينتمي إلى تاريخ حديث نسبيًا من محاولات التنظيم والتقييس. وتضع وثائق المشروع هذه المسألة في قلب منهجه، محذرة من إسقاط نموذج معياري حديث إلى الوراء على تاريخ لم يكن موحدًا بهذه الصورة. ولكي نفهم خطورة المسألة، ينبغي أن نميز بين شيئين كثيرًا ما يختلطان: الاسم والقيمة. يمكن أن يبقى اسم النغمة حاضرًا عبر أنظمة مختلفة، بينما تتغير القيمة الدقيقة التي يحدد بها أحد المنظّرين موضعها. وبذلك لا يكون الاسم صندوقًا يحتوي ترددًا واحدًا ثابتًا إلى الأبد، وإنما علامة داخل تقليد موسيقي طويل تتغير بعض شروط تحقيقه من سياق إلى آخر. وهذا قريب، على نحو ما، من الكلمات في اللغة: تستطيع الكلمة أن تعيش قرونًا، لكن نطقها وظلال معناها وسياقات استعمالها قد تتغير بينما نظل نشعر بأننا أمام الكلمة نفسها. وهنا يقدم الراست درسًا أبعد من الراست نفسه. إنه يعلمنا أن الهوية الموسيقية ليست دائمًا هوية رقمية. فإذا اختلف موضع إحدى الدرجات قليلًا بين نظام وآخر، لا يعني ذلك بالضرورة أننا أصبحنا أمام مقام آخر. وما يحفظ هوية المقام قد يكون شبكة من العلاقات أكثر تعقيدًا: الجنس الأساسي، مواضع الاستقرار والجذب، النغمات المحورية، طريقة تركيب الأجناس، مسار الجملة، إمكانات الانتقال، ثم الذاكرة السمعية التي يحملها الموسيقي والمستمع معًا. وهذا ما يجعل اختزال المقام في سُلّم مشكلة معرفية، لا مجرد خطأ اصطلاحي. السلم يمكن تمثيله في جدول. أما المقام فلا يكتمل إلا حين يبدأ في التحرك. مشاقة: حين يصبح تقسيم الأوكتاف مشروعًا للتنظيم وفي القرن التاسع عشر نصل إلى محطة أساسية في هذه القصة مع ميخائيل مشاقة وكتابه الشهير الرسالة الشهابية في الصناعة الموسيقية. وتكمن أهمية مشاقة في أنه يقدم صياغة واضحة لنظام يقسم الأوكتاف إلى أربعة وعشرين قسمًا متساويًا، وهو النظام الذي سيكون له أثر بالغ في النظرية العربية الحديثة. غير أن قراءة مشاقة من منظور الأرشيف الرقمي تسمح لنا بتجنب خطأين متعاكسين. الأول أن نعامل نظامه كما لو كان مجرد تفصيل تاريخي قليل الأهمية؛ والثاني أن نعامله كما لو أنه كشف الحقيقة الأزلية الوحيدة للموسيقى العربية. فما يقدمه تاريخ الأنظمة المختلفة هو أن الأربعة والعشرين قسمًا تمثل حلًا نظريًا بالغ القوة والبساطة والتنظيم، لكنها ليست الوصف الوحيد الذي عرفته الموسيقى المقامية عبر تاريخها. وحين يضع أرشيف المقام العربي الرقمي نظام مشاقة بجانب أنظمة الفارابي وابن سينا والأرموي وغيرها، فإنه يعيد النظام إلى التاريخ بدل أن يجعل التاريخ كله مقدمة له. وهنا يمكن أن نفهم لماذا كانت فكرة الأربعة والعشرين قسمًا جذابة إلى هذا الحد. إنها تمنح المنظّر شبكة منتظمة. فإذا قُسم الأوكتاف إلى أربعة وعشرين جزءًا متساويًا، أصبح كل جزء خمسين سنتًا في القياس اللوغاريتمي الحديث، وصارت لدينا لغة عددية مريحة نسبيًا لوصف مواقع كثيرة تستخدمها النظرية المقامية. لكن الموسيقى لا تسأل دائمًا عما هو مريح للنظرية. فالمغني أو عازف العود أو القانون لا يتعامل بالضرورة مع النغمة باعتبارها نقطة هندسية لا تتحرك. والتقاليد الأدائية تستطيع أن تعرف فروقًا دقيقة بين مدرسة وأخرى، وبين مقام وآخر، بل وبين سياق لحني وآخر داخل المقام نفسه. ولهذا فإن عبارة ربع الصوت قد تكون مفيدة بوصفها أداة وصفية وتعليمية، لكنها تصبح خطرة عندما تتحول إلى اعتقاد بأن كل الدرجات التي نسميها بهذه الطريقة يجب أن تقع دائمًا في منتصف رياضي ثابت بين درجتين. المشكلة، إذن، ليست في الرقم خمسين سنتًا. المشكلة تبدأ عندما يُستبدل السمع بالرقم. القاهرة 1932: حين تجلس الموسيقى أمام لجنة وتصل هذه القصة إلى لحظة تاريخية شهيرة مع مؤتمر الموسيقى العربية الذي عقد في القاهرة سنة 1932. فقد جمع المؤتمر موسيقيين ومنظّرين وباحثين من بلدان عربية وأوروبية لمناقشة مسائل تتصل بالموسيقى العربية، من المقامات والإيقاعات والآلات إلى القياس والتدوين والتسجيل. وأصبح المؤتمر لاحقًا نقطة مرجعية مركزية في تاريخ دراسة الموسيقى العربية الحديثة. لكن ما يهمنا هنا ليس إعادة سرد تاريخ المؤتمر كله، وإنما إدراك المفارقة التي يمثلها. ففي تلك اللحظة كانت تقاليد موسيقية حية ومتنوعة، تحمل اختلافات محلية وأدائية وتاريخية، تدخل فضاءً مؤسسيًا يريد القياس والمقارنة والتصنيف. وهذه ليست عملية بريئة أو مذمومة في ذاتها. فمن دون التصنيف يصعب التعليم والمقارنة وحفظ المعرفة. لكن كل تصنيف يدفعنا إلى السؤال: ماذا يحدث لما لا يدخل بسهولة في الخانات؟ لقد مثل القرن العشرون مرحلة شديدة الأهمية في تثبيت كثير من المصطلحات والصيغ التي أصبحت مألوفة في تدريس الموسيقى العربية، وأصبح نموذج الأربع والعشرين طبقة أداة مرجعية واسعة الانتشار. غير أن الأرشيف الرقمي، حين يعيد وضع هذا النموذج إلى جوار أنظمة أقدم ومختلفة، يسمح لنا برؤية شيء كان التوحيد يخفيه: المعيار ليس هو التاريخ؛ إنه لحظة من لحظات التاريخ. وهذه العبارة قد تكون المفتاح لفهم المشروع كله. فالأرشيف التقليدي قد يحفظ الوثائق القديمة. أما هذا الأرشيف فيحاول أن يحفظ الاختلاف بين الوثائق أيضًا. هل ربع الصوت هو سر الموسيقى العربية؟ قليل من المصطلحات الموسيقية ارتبط في الوعي العام بالموسيقى العربية كما ارتبط بها ربع الصوت. بل إن التعريف الشعبي للموسيقى العربية خارج بيئتها كثيرًا ما يبدأ من هذه الفكرة: إنها الموسيقى التي تستخدم أرباع الأصوات. والعبارة ليست بلا أساس، لكنها إذا أُخذت حرفيًا تحجب أكثر مما تكشف. فأول مشكلة فيها أنها توحي بأن الموسيقى العربية تختلف عن الموسيقى الغربية لأن الأولى تضيف ببساطة نغمات تقع تمامًا في منتصف المسافة بين أنصاف الأصوات الغربية. وكأن لدينا بيانو عاديًا، ثم أضفنا مفتاحًا جديدًا بين كل مفتاحين وانتهت المسألة. لكن التاريخ النظري والممارسة الأدائية أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فالفواصل التي عرفتها أنظمة التنغيم التاريخية ليست كلها قابلة للاختزال في مضاعفات ثابتة لخمسين سنتًا، كما أن بعض المواضع النغمية تختلف بحسب النظام الذي نستخدمه. وهذا بالضبط أحد الأسباب التي تجعل الأرشيف يحتفظ بالقيم الأصلية للأنظمة المختلفة ويتيح تحويلها ومقارنتها بدل إجبارها على التطابق مع شبكة واحدة. وهنا يعود أمامنا الفارق بين القياس والتجربة. السنت وحدة رائعة للمقارنة؛ فهو يسمح لنا بأن نقول بدقة أكبر كم تفصل نغمة عن أخرى. لكنه لا يخبرنا وحده ماذا تفعل تلك المسافة داخل جملة موسيقية. فالعدد يستطيع قياس المسافة بين نقطتين، لكنه لا يستطيع بمفرده أن يخبرنا لماذا تبدو هذه الحركة شديدة التوتر هنا، أو مستقرة هناك، أو لماذا ينتظر المستمع المتمرّس اتجاهًا معينًا للجملة. بعبارة أخرى: تستطيع الرياضيات أن تصف مكان النغمة، لكنها لا تكفي وحدها لوصف معنى وجودها في المقام. وهنا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام السؤال الذي بدأنا منه. هل يمكن للأرشيف أن يحفظ الموسيقى؟ الجواب الذي بدأ يتشكل ليس نعم أو لا. فالأرشيف يستطيع أن يحفظ طبقات مذهلة من المعرفة: أسماء النغمات، والنسب، والترددات، والأجناس، والمقامات، وأنظمة التنغيم، والسير والانتقالات، والمصادر التي وردت فيها هذه المعلومات. لكنه لا يدّعي، لمجرد ذلك، أنه استنفد التجربة الموسيقية نفسها. وهذا التواضع المنهجي مهم، لأن أسوأ ما يمكن أن تفعله الرقمنة بالتراث هو أن تجعل ما يمكن قياسه يبدو كأنه كل ما يوجد. حين تتحول الموسيقى إلى بيانات وهنا نصل أخيرًا إلى النقطة التي تجعل أرشيف المقام العربي الرقمي مشروعًا ينتمي إلى القرن الحادي والعشرين حقًا. لو كان الهدف مجرد جمع المعلومات عن المقامات، لأمكن تأليف موسوعة مطبوعة ضخمة. ولو كان الهدف مجرد سماع المقامات، لأمكن إنشاء مكتبة تسجيلات. ولو كان المطلوب عرض تاريخ النظرية، لأمكن بناء موقع إلكتروني تقليدي يضم مقالات وصورًا وملفات صوتية. لكن المشروع يفعل شيئًا مختلفًا: إنه يحاول أن يجعل المعرفة المقامية قابلة للحوسبة. تصف وثائقه المشروع بأنه قابل للقراءة آليًا، وتتيح بنيته تمثيل أنظمة التنغيم والأجناس والمقامات والسيور والانتقالات في صورة بيانات منظمة. كما يوفر وسائل لتصدير البيانات والوصول البرمجي إليها، بما يسمح باستخدامها في البحث الموسيقي الحاسوبي وتطوير البرمجيات والدراسات المقارنة. قد تبدو هذه التفاصيل تقنية، لكنها تحمل تحولًا ثقافيًا بالغ الأهمية. فالفرق بين صفحة إلكترونية تقول لنا هذا مقام الراست وقاعدة بيانات تفهم العلاقات التي يتكون منها الراست يشبه، بدرجة ما، الفرق بين صورة كتاب ونص يستطيع الحاسوب قراءته. في الحالة الأولى يستطيع الإنسان النظر إلى المعلومة؛ في الثانية يستطيع الإنسان والبرنامج العمل عليها. وهذا يعني أن المخزون النظري للموسيقى العربية يمكن، من حيث المبدأ، أن يدخل مجالات جديدة: التحليل الحاسوبي، والمقارنة واسعة النطاق بين الأنظمة، وتصميم الأدوات الموسيقية الرقمية، وتطوير البرمجيات التعليمية، ودراسة التسجيلات، وبناء تطبيقات للتأليف والأداء، وربما تدريب أنظمة تعلم آلي أكثر قدرة على التعامل مع المنطق المقامي. لكن هذه الإمكانية تحمل معها مسؤولية كبيرة. فالآلة لا تتعلم الموسيقى العربية بوصفها جوهرًا سحريًا موجودًا في العالم. إنها تتعلم التمثيل الذي نقدمه نحن لها عن هذه الموسيقى. إذا كانت البيانات فقيرة، سيكون العالم الذي تتعلمه الآلة فقيرًا. وإذا افترضت قاعدة البيانات أن كل المقامات ليست سوى سلالم، فسيتعلم الحاسوب عالمًا لا وجود فيه للسير. وإذا سُوّيت الاختلافات التاريخية في نظام واحد، فسيتعلم تاريخًا لم يكن موجودًا قط. وإذا جُعلت النظرية الغربية المرجع الوحيد لترجمة كل مفهوم موسيقي عربي، فقد تنجح الخوارزمية في الحساب بينما تفشل في فهم بنية المعرفة التي تحسبها. وهنا يصبح تصميم قاعدة البيانات قرارًا ثقافيًا. فالخانة ليست مجرد خانة. والاسم ليس مجرد اسم. والطريقة التي نربط بها الجنس بـالمقام، والمقام بـالسير، والسير بـالانتقال، تحدد صورة الموسيقى التي سيجدها الباحث والمبرمج والآلة أمامهم. لهذا يمكن القول إن القيمة الأكثر طموحًا في أرشيف المقام العربي الرقمي ليست أنه يحول التراث إلى بيانات، بل أنه يطرح سؤالًا أصعب بكثير: هل نستطيع أن نبني البيانات انطلاقًا من منطق التراث نفسه؟ ومن هنا ندخل إلى أكثر مناطق المشروع حساسية وإثارة للنقاش؛ لأن المسألة لم تعد تقنية ولا موسيقية فقط. إنها تصبح مسألة سلطة معرفية: من يضع المصطلحات؟ من يحدد المعيار؟ وبأي لغة ينبغي أن تتعلم الآلة كيف تفكر في الموسيقى العربية؟ وهذا هو الباب الذي يقودنا إلى الفكرة التي يعلنها المشروع صراحة ضمن إطاره الثقافي: إنهاء استعمار المعرفة الموسيقية.
#محمد_نجيب_السعد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نظريات القصة القصيرة/ 6* الواقعية والرواة في قصص توبياس وولف
...
-
نادين كورديمر ومضات اليراع
-
نهج معرفي للقصصية
-
تشارلز مَي : نقد القصة القصيرة في الولايات المتحدة الأميركية
-
لويزا ماريا غونزاليس رودريغيز التناص والكولاج في قصص بارثيلم
...
-
فرحات افتخار الدين: سياسة الجسد: الديناميكيات الأنثوية في مج
...
-
التقليلية في الشعر : مقدمة تعريفية
-
القصة المايكرو
-
قصص همنغواي القصيرة /3:
-
حروف سوداء فوق صفحات بيض: أدب سكان استراليا الأصليون
-
التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-5
-
قصص همنغواي القصيرة/2
-
قصص همنغواي القصيرة /1
-
التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-4
-
التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-3
-
وداعاً للسلاح وعناقيد الغضب : تقليلية همنغواي وتكثيرية شتاين
...
-
التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-1
-
هل الأكثر يعني أكثر أم الأقل يعني الأكثر : بين التقليلية و ا
...
-
رسائل إليوت الى إميلي هيل تكشف عن لوعة حب كبيرة
-
لماذا ما زلنا نقرأ إرنست همنغواي؟
المزيد.....
-
جمعت الكتب من تحت الركام.. نيفين الغرابلي تؤسس مكتبة الخيمة
...
-
الإقبال الشديد يدفع متحف برلين إلى تمديد عرض بورتريه أنغيلا
...
-
سينما -كينوبورت- تستقطب 18 ألف مشاهد في المحطة النهرية الشما
...
-
أقدم مسجد في فرنسا.. حفريات جزيرة -مايوت- تعيد كتابة تاريخ د
...
-
-نازا- في سان سيباستيان.. مهرجان السينما يجدد موقفه من حرب غ
...
-
فيلم -نازا- الوثائقي في قلب عاصفة سياسية في إسرائيل
-
تراث متجذر في حياة السودانيين.. زراعة الحناء تصارع الجفاف وت
...
-
وفاة صاحب أغنية -Barely Breathing- الشهيرة عن عمر ناهز 56 عا
...
-
جدران مدن الأردن.. من كتل صامتة إلى صفحات مفتوحة للذاكرة
-
رغم الغضب الإسرائيلي.. فيلم -نازا- يصل إلى دور العرض الأمريك
...
المزيد.....
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
المزيد.....
|