أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب السعد - في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في الخوف والسلطة والجسد والآخر في رواية ج. م. كوتزي/1















المزيد.....



في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في الخوف والسلطة والجسد والآخر في رواية ج. م. كوتزي/1


محمد نجيب السعد

الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 11:46
المحور: الادب والفن
    


مدخل: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو
ربما لا تبدأ الإمبراطوريات حين ترسم حدودها، بل حين تتخيل ما يوجد وراء تلك الحدود. فكل حدّ سياسي يرسم خطاً في المكان، لكنه يرسم في الوقت نفسه خطاً في المخيلة: هنا نحن، وهناك الآخر؛ هنا النظام، وهناك الفوضى؛ هنا المدينة والقانون واللغة، وهناك الصحراء والمجهول و«البرابرة». وما إن يستقر هذا التقابل في الوعي حتى لا يعود ضرورياً أن يظهر العدو فعلاً، لأن صورته قد تصبح أكثر فاعلية من وجوده. يكفي أن يُقال إنه قادم، وأن تتناقل السلطة أخبار تحركاته، وأن يتكاثر الحديث عن خطره، حتى يبدأ المجتمع في إعادة تنظيم حياته على أساس حدث لم يقع بعد. عندئذ لا يعود الخوف استجابةً لخطر واقعي؛ يصبح الخوف نفسه مؤسسة سياسية، وتتحول إمكانية العدو إلى حقيقة أشد تأثيراً من العدو ذاته.
من هذه المنطقة الملتبسة بين ما يحدث وما يُتخيَّل أنه سيحدث تنطلق رواية «في انتظار البرابرة» للكاتب ج. م. كوتزي. إنها، في ظاهرها، حكاية بلدة صغيرة تقع عند تخوم إمبراطورية مجهولة، يدير شؤونها حاكم مدني أمضى سنواته في خدمة النظام، إلى أن يصل رجال السلطة المركزية حاملين معهم خبراً خطيراً: ثمة برابرة وراء الحدود، وثمة مؤشرات على أنهم يستعدون للهجوم. ومنذ تلك اللحظة يبدأ كل شيء في التغير. يصل المحققون، ويُعتقل الناس، وتُنتزع الاعترافات، وتُرسل الحملات العسكرية، وتتحول البلدة الهادئة إلى مكان ينتظر حرباً لا يعرف أحد على وجه اليقين إن كانت ستقع أصلاً. لكن هذا المستوى الحكائي، على أهميته، ليس سوى السطح الأول للرواية. ففي العمق، يطرح كوتزي سؤالاً أكثر قلقاً: ماذا لو كانت الإمبراطورية لا تدافع عن نفسها من البرابرة، بل تحتاج إلى البرابرة لكي تستمر في الإيمان بنفسها؟
هنا تقع المفارقة التي ستبني الرواية عالمها الأخلاقي كله عليها. فالبرابرة الذين يخشاهم الجميع لا يظهرون بوصفهم جيشاً منظماً يزحف نحو المدينة، ولا يمنحهم كوتزي صوتاً جمعياً يعلن الحرب، ولا يقدم للقارئ دليلاً حاسماً على وجود الخطر الذي تتحدث عنه الإمبراطورية. إنهم موجودون، بالطبع، جماعات تعيش خارج حدود الاستقرار الإمبراطوري، لكن المسافة بين وجودهم الواقعي وبين الصورة التي تصنعها السلطة عنهم هي المسافة التي تتحرك داخلها الرواية كلها. ولذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس: ماذا يريد البرابرة؟ بل: لماذا تحتاج الإمبراطورية إلى أن تتخيل ما يريدونه؟
ليس اختيار كوتزي لكلمة «البرابرة» بريئاً. فالكلمة نفسها تحمل تاريخاً طويلاً من تقسيم البشر إلى من يملكون لغة مفهومة ونظاماً وحضارة، ومن يقفون خارج هذا النظام. وحين تسمي الإمبراطورية أولئك الذين يعيشون وراء حدودها «برابرة»، فإنها لا تصفهم فقط؛ إنها تحدد مسبقاً الموقع الأخلاقي الذي سيشغلونه في الحكاية التي ترويها عن نفسها. التسمية هنا فعل من أفعال السلطة. فقبل أن يصبح الآخر جسداً يمكن اعتقاله أو تعذيبه أو قتله، ينبغي أن يصبح اسماً يمكن عزله عن بقية البشر. ومن هذه الزاوية تبدأ البربرية، في رواية كوتزي، باللغة قبل أن تبدأ بالسيف.
وهذه واحدة من أخطر الأفكار التي تقترحها الرواية: العنف يحتاج إلى قصة تسبقه. لا تستطيع الإمبراطورية أن تعذب إنساناً عشوائياً ثم تظل محتفظة بالصورة الأخلاقية التي صنعتها عن نفسها. ولذلك عليها أولاً أن تروي حكاية تجعل التعذيب ضرورياً. ثمة خطر. ثمة مؤامرة. ثمة هجوم قادم. ثمة أسرار يعرفها الأسرى ولا يريدون الإفصاح عنها. وحين تكتمل هذه الحكاية يصبح المحقق، في نظر المؤسسة التي أرسلته، لا صانعاً للعنف وإنما حامياً للمجتمع منه. وبذلك تتحول اللغة من وسيلة لوصف الواقع إلى وسيلة لإنتاج واقع تستطيع السلطة أن تتصرف داخله.
من هنا تأتي أهمية الكولونيل جول، أحد أكثر شخصيات الرواية إثارة للقلق. إنه لا يصل إلى البلدة لأنه رأى جيش البرابرة يتقدم نحوها، بل لأنه ينتمي إلى جهاز يعرف مسبقاً أن هناك «حقيقة» ينبغي استخراجها. والمشكلة أن الحقيقة التي يبحث عنها ليست مستقلة عن الوسائل التي يستخدمها للوصول إليها. فهو يستجوب الأسرى لأنه يفترض أنهم يخفون شيئاً، وحين ينكرون وجود ما يخفونه يصبح الإنكار نفسه دليلاً إضافياً على ضرورة الاستجواب. هكذا تنغلق دائرة السلطة على نفسها: نحن نعرف أن هناك مؤامرة لأن الأسرى لا يعترفون بها، وعدم اعترافهم بها يثبت أنهم يخفونها، ولذلك ينبغي تعذيبهم حتى يعترفوا بها.
عند هذه النقطة يصبح التعذيب أكثر من ممارسة جسدية وحشية؛ يصبح نظرية في الحقيقة. وهذا بالضبط ما يجعل رواية كوتزي تتجاوز الحكاية السياسية المباشرة. فالمحقق لا يعذب الجسد لأنه يكرهه بالضرورة، بل لأنه يتعامل معه كما لو كان وعاءً يحتوي حقيقة خفية، وكأن الألم قادر على فتح الجسد وإخراج تلك الحقيقة منه. ولكن ماذا يحدث إذا لم تكن هناك حقيقة مخفية أصلاً؟ عندئذ سيصنع التعذيب الحقيقة التي جاء للبحث عنها. سيقول الضحية في النهاية ما يريد الجلاد سماعه، وستعود الكلمات المنتزعة تحت الألم إلى المؤسسة باعتبارها دليلاً على صحة الشبهة التي بدأت منها العملية كلها.
لهذا السبب احتلت مسألة التعذيب موقعاً مركزياً في الدراسات النقدية عن «في انتظار البرابرة». فالتعذيب عند كوتزي ليس مجرد علامة على وحشية النظام، وإنما هو الموضع الذي تنكشف فيه علاقة السلطة بالحقيقة والجسد واللغة. إن الجسد المعذب يصبح صفحة تحاول الإمبراطورية أن تكتب عليها الرواية التي تريد تصديقها عن أعدائها، بينما تصبح الاعترافات الناتجة عن الألم جزءاً من الجهاز الذي يمنح العنف شرعيته. وما يبدو بحثاً عن الحقيقة ينقلب إلى عملية لإنتاجها.
لكن كوتزي لا يسمح للقارئ بالاحتماء بسهولة خلف ثنائية مريحة يكون فيها الكولونيل جول شريراً والحاكم رجلاً صالحاً. فالحاكم نفسه جزء من الإمبراطورية. عاش سنوات طويلة موظفاً فيها، واستفاد من استقرارها، ومارس سلطته باسمها، ولم يبدأ اعتراضه إلا حين رأى وجهاً من وجوه النظام كان يستطيع قبل ذلك ألا يراه. ولذلك فإن أزمته ليست أزمة رجل بريء اكتشف فجأة وجود الشر في العالم، بل أزمة إنسان يكتشف أن النظام الذي منحه حياته الهادئة كان يحمل العنف في داخله منذ البداية.
وهذا الفارق أساسي. فلو كان الحاكم غريباً عن الإمبراطورية، لتحولت الرواية إلى قصة تقليدية عن مقاومة الظلم. لكن كوتزي يجعله ابن المؤسسة نفسها. إنه يسكن بيتها، ويتحدث لغتها، ويستمد سلطته منها، ثم يكتشف بالتدريج أن المسافة التي كان يتصور أنها تفصل حياته اليومية الهادئة عن عنف الإمبراطورية ليست بالاتساع الذي تخيله. ومن هنا ينبثق أحد أصعب أسئلة الرواية أخلاقياً: إلى أي حد يستطيع الإنسان أن يعلن براءته من نظام استفاد منه لمجرد أنه لم يمارس بنفسه أقصى أشكال عنفه؟
إنه سؤال عن التواطؤ أكثر مما هو سؤال عن الجريمة. والتواطؤ، بخلاف الجريمة المباشرة، يعيش غالباً في المناطق الرمادية: في الصمت، وفي الاعتياد، وفي قبول الامتيازات، وفي القدرة على ألا نرى ما يحدث بعيداً عنا. والحاكم لم يكن جلاداً، لكنه كان موظفاً في إمبراطورية تملك جلادين. لم يكن هو الذي بنى آلة التعذيب، لكنه عاش آمناً داخل النظام الذي يستطيع تشغيلها حين يريد. ولذلك فإن وصول جول لا يجلب الشر إلى عالم بريء بقدر ما يكشف ما كان ذلك العالم يخفيه عن نفسه.
من هنا أيضاً تكتسب الحدود في الرواية معناها العميق. فالبلدة تقع على تخوم الإمبراطورية، لكن الحد الفاصل الحقيقي ليس بين أرض الإمبراطورية وأرض البرابرة وحدهما. ثمة حدود أخرى تمر داخل الشخصيات نفسها: بين الطاعة والضمير، وبين المعرفة والجهل، وبين النظر إلى ألم الآخر والإحساس به، وبين الرغبة في العدالة والرغبة في الحفاظ على الراحة الشخصية. ومع تقدم الرواية يبدأ الحد الجغرافي في الانهيار، بينما يصبح الحد الأخلاقي أكثر اضطراباً. فمن هو داخل الحضارة؟ ومن هو خارجها؟ ومن يملك الحق في إطلاق اسم «البربري» على الآخر؟
وقد وصف الناشر الرواية بأنها حكاية رمزية عن الصراع بين المضطهِد و المضطهَد ، لكنه يلفت أيضاً إلى أن أزمة الحاكم هي أزمة العيش في تواطؤ مع أنظمة تضع بقاءها فوق العدالة. وهذه الإشارة مهمة لأنها تمنعنا من اختزال الرواية في قصة مواجهة بسيطة بين إمبراطورية وشعب مضطهد؛ مركز الثقل الأخلاقي فيها هو الإنسان الموجود داخل النظام والذي يبدأ في رؤية ما يتطلبه استمرار ذلك النظام من الآخرين ومنه هو أيضاً.
ولعل أكثر ما يضاعف قوة هذا البناء أن كوتزي يرفض أن يمنح الإمبراطورية اسماً. لا نعرف على وجه التحديد أين تقع، ولا في أي حقبة تاريخية تدور الأحداث، ولا ما اسم عاصمتها، ولا نجد خريطة يستطيع القارئ أن يضع إصبعه عليها ويقول: هنا تقع الحكاية. وهذا التجريد ليس نقصاً في المعلومات، وإنما جزء من استراتيجية الرواية. فلو منح كوتزي الإمبراطورية اسماً محدداً، لأصبح من السهل أن نضع الشر داخل الماضي أو داخل بلد بعينه. أما حين تبقى بلا اسم، فإنها تتحول إلى صيغة للسلطة أكثر منها دولة بعينها.
وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن الرواية بلا تاريخ. فقد ظهرت في جنوب أفريقيا سنة 1980، في زمن كان نظام الفصل العنصري ما يزال قائماً، وكان سؤال الدولة والعنف والتصنيف العرقي والسيطرة على المكان جزءاً من الواقع السياسي والاجتماعي الذي كتب كوتزي في داخله. غير أن الرواية تقاوم أن تُقرأ باعتبارها شفرة بسيطة يكون فيها كل عنصر مقابلاً مباشراً لعنصر من عناصر الواقع الجنوب أفريقي. إن قوتها تنبع تحديداً من قدرتها على أن تكون تاريخية وغير محصورة في تاريخ واحد في الوقت نفسه. إنها تأتي من مكان سياسي محدد، ثم تمحو أسماء المكان لكي تجعل الآلية التي تكشفها قابلة لأن تظهر في أمكنة وأزمنة أخرى.
ومن هنا نفهم لماذا لا ينبغي أن يكون سؤالنا: «أي إمبراطورية يقصد كوتزي؟» بقدر ما ينبغي أن يكون: كيف تعمل الإمبراطورية حين تشعر بأنها مهددة؟ فالرواية ليست لغزاً علينا حل رموزه حتى نكتشف أسماء الدول والشخصيات الحقيقية المختبئة وراءها. إنها مختبر أخلاقي وسياسي: يضع كوتزي فيه مجتمعاً صغيراً على حافة الخوف، ثم يراقب ما يفعله الخوف باللغة والقانون والجسد والذاكرة.
ولذلك فإن كلمة «انتظار» في العنوان لا تقل أهمية عن كلمة «البرابرة». نحن أمام رواية لا تجعل الحرب نفسها مركزها، بل تجعل انتظار الحرب مركزاً لها. والانتظار حالة زمنية غريبة؛ إنه يجعل المستقبل، مع أنه لم يحدث بعد، قادراً على السيطرة على الحاضر. يعيش الناس شيئاً لم يقع. تتغير حياتهم بسبب احتمال. وتستطيع السلطة أن تطلب منهم التضحية بحرياتهم وطمأنينتهم لأن كارثة قد تقع غداً.
وهنا يقترب عنوان كوتزي من قصيدة قسطنطين كفافيس الشهيرة «في انتظار البرابرة»، التي تقوم على مفارقة مجتمع ينتظر البرابرة حتى يصبح مجيئهم جزءاً من الحل الذي يتصوره لأزمته. وعندما لا يأتون ينكشف فراغ عميق: ماذا يفعل المجتمع الذي بنى معنى وجوده على عدو ثم اكتشف أن ذلك العدو قد لا يأتي؟ يأخذ كوتزي هذه المفارقة إلى منطقة أشد قتامة. فالسلطة عنده لا تحتاج بالضرورة إلى أن يصل البرابرة؛ يكفي أن يظلوا قادمين. إن الخطر المؤجل أكثر فائدة أحياناً من الحرب الواقعة، لأنه يستطيع أن يستمر بلا نهاية.
وبذلك يتحول الانتظار إلى تقنية من تقنيات الحكم. الحاضر كله يصبح مؤقتاً لأن المستقبل مهدد، والقانون يمكن تعليقه لأن الخطر استثنائي، والعنف يمكن تبريره لأنه وقائي، والشك يمكن أن يحل محل الدليل لأن الوقت لا يسمح باليقين. وكلما طال انتظار العدو ازدادت الحاجة إلى علامات تثبت أنه موجود، وحين لا توجد هذه العلامات يمكن للسلطة أن تنتجها بنفسها.
لهذا تبدو رواية «في انتظار البرابرة»، بعد أكثر من أربعة عقود على صدورها، أبعد كثيراً من أن تكون رواية عن استعمار مضى. إنها رواية عن آلية تتكرر كلما أصبح الخوف مصدراً للشرعية. وليست المسألة أن كل تهديد سياسي وهم، أو أن المجتمعات لا تواجه أخطاراً حقيقية؛ فهذه ليست حجة كوتزي. المسألة الأكثر تعقيداً هي ما يحدث عندما تصبح المؤسسة التي تقرر وجود الخطر هي نفسها التي تجمع الأدلة عليه، وتفسرها، وتعاقب باسمه، ثم تستخدم العقاب دليلاً جديداً على أن الخطر كان حقيقياً منذ البداية.
لكن كوتزي يذهب أبعد من السياسة. فالإمبراطورية في الرواية ليست مؤسسة خارجية فقط؛ إنها أيضاً طريقة في رؤية الآخر. ولذلك لن يكون الصراع الأساسي بين جيشين، وإنما بين نظرتين إلى الإنسان. وفي قلب هذا الصراع ستظهر الفتاة البربرية، بجسدها الذي ترك التعذيب عليه علاماته، لكي تضع الحاكم أمام السؤال الذي لم يعد يستطيع الهروب منه: هل يمكن حقاً معرفة الآخر بعد أن تكون السلطة قد كتبت على جسده قصتها الخاصة؟
من هنا تبدأ الرحلة الأخطر في الرواية. فبعد سؤال من هم البرابرة؟ سيظهر سؤال أكثر إزعاجاً: من الذي صنعهم بوصفهم برابرة؟ وبعد سؤال من يمارس العنف سيظهر سؤال أصعب: من ينظر إليه، ومن يصمت عنه، ومن يستفيد من النظام الذي يسمح بحدوثه؟ وعندئذ لن يعود الحد الفاصل بين الحضارة والبربرية خطاً يمتد عبر الصحراء خارج أسوار البلدة، بل خطاً متحركاً يمر في قلب الإمبراطورية نفسها، وربما في قلب كل فرد يعيش داخلها.
الحاكم: ضمير الإمبراطورية المنقسم على نفسه
لا يختار ج. م. كوتزي بطلاً بريئاً ليقودنا عبر العالم الأخلاقي المضطرب في «في انتظار البرابرة». وهذه نقطة ينبغي التوقف عندها منذ البداية، لأنها تحدد طبيعة الرواية كلها. فالحاكم ليس رجلاً قادماً من خارج الإمبراطورية لكي يفضح ظلمها، وليس ثائراً قضى حياته في مقاومتها، ولا ضحية اكتشفت فجأة الوجه الوحشي للسلطة. إنه، على العكس، موظف قديم فيها، عاش تحت حمايتها، ومارس سلطته باسمها، وتمتع بما وفرته له وظيفته من مكانة وراحة وامتياز. وحين تبدأ أزمته الأخلاقية لا يكون السؤال الذي يواجهه هو كيف يقاوم نظاماً غريباً عنه، وإنما كيف يفهم علاقته بنظام كان، حتى وقت قريب، يعتبر نفسه جزءاً طبيعياً منه.
ولهذا لا ينبغي أن نقرأ تحوله باعتباره انتقالاً بسيطاً من الشر إلى الخير أو من الجهل إلى المعرفة. كوتزي أكثر حذراً من بناء مثل هذه الحكاية الأخلاقية المطمئنة. فالحاكم، حتى عندما يبدأ في الاعتراض على أفعال الكولونيل جول، لا يتحول فوراً إلى نقيض الإمبراطورية. يبقى مشدوداً إليها باللغة والعادة والذاكرة والمصلحة، وتبقى داخله آثار الرجل الذي كانه قبل وصول رجال المكتب الثالث. ومن هنا تنشأ قوة الشخصية: إنها لا تجسد ضميراً نقياً في مواجهة سلطة فاسدة، بل تجسد ضميراً يتكون ببطء داخل بنية كان متواطئاً معها.
في بداية الرواية يبدو الحاكم رجلاً يريد، قبل كل شيء، أن يُترك وشأنه. لقد أمضى سنوات طويلة في هذه المستوطنة الحدودية، وتعلم إيقاعها، وعرف فصولها وأهلها وأسواقها ومحيطها. لا يحلم بمجد عسكري ولا بترقية سياسية كبرى. يريد حياة يمكن توقعها: إدارة الشؤون اليومية والقراءة والحفريات والطعام والنوم والعلاقات العابرة وانتظار التقاعد. وقد يبدو هذا التواضع دليلاً على طيبته بالمقارنة مع الكولونيل جول، لكن كوتزي يدفعنا تدريجياً إلى رؤية الجانب الآخر من المسألة: ربما كانت رغبته في الهدوء هي نفسها إحدى صور الامتياز.
فالهدوء الذي يعيشه موظف الإمبراطورية ليس حالة طبيعية بلا تاريخ. ثمة سلطة تجعل هذا الهدوء ممكناً، وثمة حدود تحرسه، وثمة جماعات بقيت خارج النظام الذي يتمتع هو بحمايته. والحاكم يستطيع في البداية ألا يفكر كثيراً في هذه الشروط. وهنا يلتقط كوتزي شكلاً بالغ الدقة من أشكال التواطؤ: ليس التواطؤ دائماً فعلاً يرتكبه الإنسان، فقد يكون أحياناً امتيازاً في عدم الاضطرار إلى السؤال.
قبل وصول جول كان الحاكم يستطيع أن يعيش من دون أن يسأل كيف تحافظ الإمبراطورية على حدودها، أو ماذا يحدث حين ترفض جماعة ما سلطتها، أو كيف تتصرف حين تشعر بالخطر. لقد كانت المؤسسة بالنسبة إليه خلفية مستقرة لحياته اليومية. لكن وصول المكتب الثالث يحول الخلفية إلى مشهد أمامي. الأشياء التي كان يستطيع تجاهلها تدخل الآن إلى البلدة نفسها: الأسرى والتحقيقات والجروح والخوف. وما كان يحدث في مكان بعيد يصبح موجوداً على مسافة تسمح له برؤيته.
هنا تبدأ أزمة الرؤية.
فالحاكم يرى.
وهذه الكلمة البسيطة ستصبح شديدة الأهمية في الرواية. فهو يرى آثار التعذيب ويرى الأسرى ثم يرى الفتاة البربرية وجسدها المصاب. لكن كوتزي يرفض المعادلة الأخلاقية السهلة التي تقول إن الرؤية تؤدي بالضرورة إلى المعرفة، وإن المعرفة تؤدي بالضرورة إلى الفعل الأخلاقي. فقد يرى الإنسان الألم ولا يفهمه، وقد يفهمه ولا يعرف ماذا يفعل إزاءه، وقد يتعاطف مع صاحبه بينما يظل جزءاً من البنية التي أنتجت ذلك الألم.
ولهذا فإن الحاكم لا يصبح بريئاً لمجرد أنه يشعر بالنفور من جول. فالمقارنة بين الرجلين قد تخدع القارئ. جول بارد وقاسٍ ومقتنع بأدواته؛ والحاكم أكثر حساسية وتردداً وشفقة. لكن الرواية تسأل سؤالاً أصعب من سؤال أيهما أفضل أخلاقياً: ما العلاقة التي تربطهما داخل المؤسسة نفسها؟
كلاهما يخدم الإمبراطورية، وإن كان كل منهما يتخيل معنى الخدمة بطريقة مختلفة. الحاكم يريد إمبراطورية هادئة، إدارية، تستطيع التعايش مع الأطراف ما دام النظام مستقراً. أما جول فيمثل إمبراطورية الطوارئ: الإمبراطورية التي ترى الخطر في كل صمت وتبحث عن المؤامرة خلف كل حركة وتعتقد أن بقاءها يتطلب أن تعرف ما يفكر فيه الآخر قبل أن يفعله. الصراع بينهما ليس، في بدايته على الأقل، بين الإمبراطورية وعدوها، وإنما بين صورتين للإمبراطورية عن نفسها.
وهذه نقطة أساسية في البناء السياسي للرواية. فالحاكم لا يبدأ بالتشكيك في حق الإمبراطورية في الوجود، وإنما في الأساليب التي تستخدمها. إنه يريد منها أن تكون أقل وحشية، وأكثر عقلانية، وأقرب إلى الصورة التي كان يحملها عنها. ولذلك يحمل اعتراضه الأول قدراً من الحنين: كأنه يقول إن هذه ليست الإمبراطورية التي عرفتها.
لكن السؤال الذي تبدأ الرواية في دفعه نحوه هو: وماذا لو كانت كذلك دائماً؟
ماذا لو لم يكن جول انحرافاً عن النظام، وإنما ظهوراً صريحاً لمنطق كان موجوداً فيه بصورة كامنة؟ ماذا لو كان السلام الذي عرفه الحاكم على الحدود مجرد مرحلة تستطيع الإمبراطورية أن تنهيها بمجرد أن تقرر أن أمنها مهدد؟ عندئذ يصبح ظهور جول كشفاً لا استثناءً؛ إنه لا يجلب إلى الإمبراطورية شيئاً غريباً عنها، بل يكشف قدرة كانت تمتلكها طوال الوقت.
هنا يصبح الحاكم شاهداً على انهيار الصورة التي بناها لنفسه عن المؤسسة التي يخدمها، ولكن انهيار تلك الصورة يعني أيضاً انهيار صورته عن نفسه. فإذا كانت الإمبراطورية التي خدمها طوال حياته قادرة على هذا العنف، فما معنى السنوات التي قضاها في خدمتها؟ وهل يستطيع أن يفصل سيرته الشخصية عن تاريخ المؤسسة بمجرد أن يقول إنه لم يكن هو الذي عذب الأسرى؟
إنه السؤال الذي يحول الرواية من نقد للسلطة إلى بحث في المسؤولية.
المسؤولية عند كوتزي لا تبدأ بالضرورة عند اللحظة التي يرتكب فيها الإنسان الجريمة بيده. ثمة درجات أكثر التباساً: الاستفادة والصمت وعدم السؤال والاعتياد، وقبول أن يقوم آخرون بالأعمال القذرة التي تضمن استمرار النظام. وهذه المنطقة الأخلاقية الرمادية هي التي تجعل الحاكم شخصية أكثر إثارة من بطل مقاومة تقليدي. فهو يستطيع أن يقول بصدق إنه لم يكن جلاداً، لكنه لا يستطيع أن يقول بالسهولة نفسها إنه لم يكن جزءاً من العالم الذي جعل وجود الجلاد ممكناً.
وهنا تلتقي الرواية مع سؤال واسع في الأخلاق السياسية: ما مقدار المسؤولية التي يتحملها الفرد عن مؤسسة لم يصنعها وحده، لكنه يعيش داخلها ويستفيد منها ويؤدي وظيفة في استمرارها؟ كوتزي لا يقدم جواباً نظرياً جاهزاً، بل يحول حياة الحاكم إلى تجربة لهذا السؤال. ولهذا نراه يتردد ويتراجع ويبرر لنفسه ويشعر بالخجل ثم يبحث عن وسيلة لاستعادة نوع من الاتزان الأخلاقي. إنه لا يسير في خط مستقيم نحو التطهر، بل يتعثر داخل وعيه.
وتساعد صيغة المتكلم في جعل هذا التعثر محسوساً. نحن لا ننظر إلى الحاكم من الخارج، وإنما نستمع إلى الطريقة التي يروي بها نفسه لنفسه. وهذه المسافة بين ما يفعله وما يقوله عن فعله شديدة الأهمية. فالإنسان لا يبرر أفعاله للآخرين فقط؛ إنه يحتاج أيضاً إلى قصة يستطيع من خلالها أن يعيش مع نفسه. والحاكم، مثل الإمبراطورية على مستوى آخر، ينتج سردية عن ذاته.
الإمبراطورية تقول: نحن نمارس العنف لأن البرابرة يهددوننا.
والحاكم يستطيع بدوره أن يقول: أنا مختلف عن الإمبراطورية لأنني أشعر بالشفقة على ضحاياها.
لكن هل تكفي الشفقة؟
هذا السؤال سيصبح أكثر إلحاحاً في علاقته بالفتاة البربرية. فهو يأخذها إليه، ويغسل قدميها المصابتين، ويتأمل جسدها، ويحاول فهم ما فعله رجال جول بها. ويمكن قراءة أفعاله بوصفها محاولة لاستعادة إنسانيتها بعد أن حولها التعذيب إلى موضوع. لكن كوتزي يجعل العلاقة أكثر اضطراباً بكثير. فالحاكم لا يكتفي برعايتها؛ إنه يريد أن يفهمها. يريد معرفة ما حدث لها، وما الذي تعنيه العلامات الموجودة على جسدها، وما الذي تشعر به تجاهه، وما الذي تخفيه عنه.
وبهذا تبدأ رغبته في المعرفة في الاقتراب، على نحو مقلق، من رغبة جول في المعرفة، مع أن الوسائل مختلفة جذرياً.
جول يريد أن يجعل الأسيرة يتكلم.
والحاكم يريد أن يجعل الفتاة تصبح مفهومة.
الأول يستخدم الألم، والثاني يستخدم الرعاية والرغبة والأسئلة والتأمل. ولا يعني هذا بالطبع أن الرواية تساوي أخلاقياً بين التعذيب والشفقة؛ مثل هذه المساواة ستكون عبثية. لكنها تكشف شيئاً أدق: حتى الرغبة الخيّرة في معرفة الآخر يمكن أن تتحول إلى رغبة في امتلاك معناه.
الفتاة تقاوم هذا الامتلاك بالصمت والغموض. لا تمنح الحاكم القصة الكاملة التي يريدها، ولا تصبح مرآة يستطيع أن يرى فيها بسهولة طيبته الأخلاقية. وكلما حاول قراءة جسدها اكتشف أنه لا يعرف كيف يقرأه. ولهذا يصبح الجسد، كما أشرنا في القسم السابق، شبيهاً بالألواح القديمة التي يستخرجها من الأرض. كلاهما يحمل علامات، وكلاهما يشهد على تاريخ منقضٍ، وكلاهما يقاوم الترجمة الكاملة.
لكن ثمة فارقاً أخلاقياً حاسماً: الألواح أشياء، والفتاة إنسان.
ومن هنا تكمن خطورة تحويل جسدها إلى نص. فحين يسأل الحاكم نفسه عما تعنيه الندوب، يمكن أن يبدو كأنه يعيد للضحية تاريخها؛ لكنه يستطيع في الوقت نفسه أن يحولها إلى لغز يتمحور حول حاجته هو إلى الفهم. عندئذ يصبح ألمها جزءاً من أزمته الأخلاقية هو، وتصبح هي الوسيلة التي يحاول من خلالها معرفة ما إذا كان رجلاً صالحاً أم لا.
وتذهب بعض القراءات النقدية للرواية إلى هذه المنطقة تحديداً. فقد ركزت سوزان فان زانتن غالاغر في دراستها عن التعذيب والرواية على الطريقة التي يجعل بها كوتزي التعذيب مشكلة للتمثيل السردي نفسه، لا مجرد موضوع سياسي؛ فكيف يمكن للكلمات أن تقترب من ألم الجسد من دون أن تحول ذلك الألم إلى مشهد يمكن استهلاكه أو تفسيره بسهولة؟ وهذه المسألة مهمة جداً لفهم علاقة الحاكم بالفتاة، لأن عجزه عن قراءة جسدها ليس مجرد فشل شخصي، بل جزء من سؤال الرواية الأوسع عن حدود معرفة ألم الآخر.
وهنا يمكن أيضاً أن نستحضر، بحذر، إيمانويل ليفيناس وفكرته عن أن الآخر لا يُختزل في المعرفة التي نمتلكها عنه. قيمة هذا المدخل بالنسبة إلى كوتزي لا تكمن في تحويل الرواية إلى شرح لفلسفة ليفيناس، بل في مساعدتنا على تسمية المأزق الذي يواجه الحاكم: إنه يريد أن يصل إلى الفتاة، لكن الوصول إليها عن طريق تحويلها إلى موضوع كامل للمعرفة قد يكون طريقة أخرى لمحو اختلافها. فالآخر لا يصبح أخلاقياً «آخر» لأنه لغز ينبغي أن نحلّه، وإنما لأنه يضع حدوداً لقدرتنا على امتلاكه معرفياً.
وهذا ما لا يفهمه الحاكم كاملاً في البداية. إنه يريد اعترافاً ما، وإن لم يكن الاعتراف الذي يريده جول. يريد من الفتاة أن تساعده على فهم آثار العنف، وربما يريد منها شيئاً أشد خفاءً: أن تمنحه دليلاً على أنه مختلف عن الرجال الذين عذبوها.
لكن الضحية ليست موجودة لكي تمنح المتفرج براءته.
هذه الفكرة من أكثر الأفكار قسوة في الرواية. فالشعور بالخجل أمام الظلم يمكن أن يكون بداية أخلاقية مهمة، لكنه يستطيع أيضاً أن يتحول إلى انشغال بالذات: ماذا يقول هذا الظلم عني؟ هل أنا متواطئ؟ هل أنا صالح؟ هل يمكن أن أغفر لنفسي؟ وعندئذ يجد الإنسان نفسه، من دون أن يقصد، وقد أعاد مركز الحكاية من الضحية إلى ضميره هو.
لذلك تبدو علاقة الحاكم بالفتاة كأنها امتحان طويل لفشل الشفقة حين لا يصاحبها الاعتراف باستقلال الآخر. إنه يغسل قدميها مراراً، في طقس يجمع بين الرعاية والرغبة والذنب والانجذاب، لكنه لا يستطيع أن يعرف بدقة ماذا يعني هذا الطقس بالنسبة إليها. إن الجسد قريب جداً منه، لكنه يظل بعيداً. يلمسه ولا يمتلك معناه.
ولعل هذا ما يفسر لماذا تبدو الرغبة الجنسية للحاكم تجاهها مرتبكة ومضطربة. ليست المسألة أن كوتزي يريد إضافة علاقة عاطفية إلى الحبكة، بل إن الرغبة نفسها تصبح جزءاً من مشكلة المعرفة. فهو يستطيع أن يرغب في نساء أخريات بصورة مباشرة نسبياً، لكن جسد الفتاة المعذب يقاوم تحويله إلى موضوع بسيط للرغبة. ثمة تاريخ مكتوب عليه، وهذا التاريخ يقف بين الرغبة والجسد.
إنه يرى آثار جول حيث يريد أن يرى الفتاة.
وهكذا يصبح الجلاد حاضراً بصورة غير مرئية في علاقتهما. فحتى بعد أن انتهى التعذيب، تستمر آثاره في تنظيم نظرة الآخرين إلى جسد الضحية. وهذه واحدة من أعمق صور السلطة في الرواية: العنف لا ينتهي حين تتوقف الضربة. يستطيع أن يبقى في الجسد وفي الذاكرة وفي الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه ويراه بها الآخرون.
لكن رحلة الحاكم الأخلاقية لن تتوقف عند مشاهدة هذه العلامات. فالرواية ستقلب الوضع لاحقاً بصورة حاسمة: الرجل الذي كان يقرأ الألم على جسد آخر سيصبح هو نفسه جسداً تمارس عليه الإمبراطورية الإذلال والعنف. وهذه النقلة أساسية، لأن المعرفة التي لم يستطع الوصول إليها بالنظر ستأتي إليه، جزئياً على الأقل، بالتجربة.
ومع ذلك ينبغي الحذر هنا أيضاً. أن يتعرض الحاكم للتعذيب لا يعني أنه أصبح يعرف تماماً ما عرفته الفتاة. لا توجد معادلة بسيطة تجعل ألماً يعادل ألماً آخر، ولا تمنح المعاناة الإنسان تلقائياً القدرة على امتلاك تجربة شخص مختلف عنه. لكن جسده المعذب سيهدم المسافة التي كانت تفصله عن جهاز السلطة. لم يعد يستطيع أن يقول إن التعذيب شيء يفعله رجال مثل جول بأشخاص مثل البرابرة؛ لقد أصبح جسده هو الآخر قابلاً لأن تصنفه الإمبراطورية جسداً عدواً.
وهنا نصل إلى التحول الأكثر خطورة في موقعه السياسي. فالإمبراطورية التي منحته اسمه الوظيفي ومكانته تستطيع أن تنزع عنه تلك الهوية. كان «الحاكم» لأن المؤسسة اعترفت به حاكماً، وحين تشك في ولائه يصبح من الممكن أن يتحول إلى سجين ومتهم ومثير للسخرية. وهذا يكشف حقيقة أخرى عن السلطة: الامتياز الذي تمنحه المؤسسة ليس ملكاً دائماً لمن يحصل عليه؛ يمكنها استعادته حين يتوقف صاحبه عن أداء الدور الذي حددته له.
لهذا فإن الحاكم لا يخرج من الإمبراطورية بمجرد قرار أخلاقي. الإمبراطورية هي التي تبدأ في إخراجه منها. وكلما ابتعد عن الدور الذي منحته إياه اقترب، في نظرها، من أولئك الذين وضعتهم وراء الحدود. وبذلك تنهار الثنائية التي بدأت بها الرواية: الإمبراطورية هنا، والبرابرة هناك. يمكن لموظف الإمبراطورية نفسه أن يصبح، سياسياً ورمزياً، «بربرياً» حين لا يعود قابلاً للإدراج داخل قصتها عن نفسها.
ومع ذلك يبقى كوتزي رافضاً لفكرة البطولة السهلة. الحاكم نفسه يدرك أنه لا يريد أن يُنصب قديساً في مواجهة جلاديه، ولا يريد أن تتحول معارضته إلى قصة تمنحه صورة بطولية عن ذاته. وهذا الوعي شديد الأهمية، لأنه يكشف أحد أفخاخ المقاومة الأخلاقية: يستطيع الإنسان أن يعارض الظلم ثم يبني من معارضته هوية تمنحه شعوراً بالتفوق الأخلاقي.
إن السؤال ليس فقط: هل عارض الحاكم جول؟
بل: لماذا يعارضه، وكيف يفهم معارضته، وماذا يريد أن يرى حين ينظر إلى نفسه وهو يعارضه؟
وهنا تصل الرواية إلى مستوى شديد التعقيد. فالضمير ليس صوتاً صافياً يأتي من خارج الذات ليخبرها بالحقيقة؛ إنه مختلط بالرغبة والخوف والكبرياء والذنب والحاجة إلى احترام النفس. والحاكم يعرف ذلك جزئياً، ولذلك يشك في دوافعه بقدر ما يشك في الإمبراطورية.
وهذا الشك هو الذي يمنع الشخصية من التحول إلى رمز أخلاقي مسطح. إنه رجل يستطيع أن يفعل شيئاً صحيحاً لأسباب ليست كلها نقية، وأن يشعر بالشفقة بينما يظل أسير نظرة أبوية، وأن يقاوم السلطة بينما يتوق في بعض اللحظات إلى استعادة الراحة التي كانت توفرها له. إنه، باختصار، ليس ضميراً يقف خارج التاريخ، وإنما ضمير صنعه التاريخ ثم بدأ يتمرد على صانعه.
ومن هنا يصبح الحاكم أكثر من راوٍ للأحداث. إنه المكان الذي تختبر فيه الرواية إمكانية الأخلاق داخل نظام فاسد. هل يجب على الإنسان أن يكون بريئاً لكي يعترض على الظلم؟ يبدو كوتزي بعيداً عن هذا الشرط. لو انتظرنا البريء تماماً فلن يتكلم أحد. لكن الاعتراف بالتواطؤ لا يكفي هو الآخر. ينبغي أن يغير شيئاً في علاقة الإنسان بالنظام وفي استعداده لتحمل ثمن اعتراضه.
ولهذا ستكون رحلة الحاكم إلى إعادة الفتاة إلى أهلها لحظة حاسمة لاحقاً. إنها فعل يمكن أن يُقرأ بوصفه محاولة للتكفير، أو استعادةً لقدر من العدالة، أو رغبة في التخلص من عبء أخلاقي، أو كل ذلك في الوقت نفسه. و كوتزي، مرة أخرى، لا يمنحنا راحة الدافع الواحد.
إن أخلاق الرواية تنشأ تحديداً من هذا الامتناع عن الراحة.
فالجلاد سهل الإدانة، لكن السؤال الأصعب هو ماذا نفعل بالرجل الذي لم يعذب أحداً، واستفاد من النظام، ثم رأى التعذيب واعترض عليه، لكنه ظل غير قادر على فصل اعتراضه عن رغباته وذنبه وصورته عن نفسه. الحاكم هو هذا السؤال وقد أصبح شخصية.
ولذلك، قبل أن ننظر إلى جول بوصفه نقيض الحاكم، ينبغي أن نتذكر أنهما لا يقفان منذ البداية على ضفتين منفصلتين. إنهما ابنان لمؤسسة واحدة. الفرق أن أحدهما يؤمن بأن الحقيقة يمكن انتزاعها من الجسد، بينما يبدأ الآخر في اكتشاف أن الجسد قد يحمل حقيقة لا تستطيع السلطة، وربما لا يستطيع هو نفسه، أن يمتلكها.
ومن هنا يصبح الانتقال إلى الكولونيل جول ضرورياً. فالرجل ذو النظارات الداكنة ليس مجرد «شرير» الرواية، وإنما يمثل تصوراً كاملاً للحقيقة: الحقيقة موجودة في مكان ما داخل الآخر، والسلطة تملك الحق في الوصول إليها، والألم هو الطريق الذي سيجبر الجسد على الكلام.
وهذا يقودنا إلى السؤال التالي: ماذا يحدث عندما لا يعود التعذيب مجرد وسيلة لمعرفة الحقيقة، بل يصبح هو الآلة التي تصنع الحقيقة التي تدّعي السلطة أنها اكتشفتها؟
الهوامش
Susan Van Zanten Gallagher, “Torture and the Novel: J. M. Coetzee’s Waiting for the Barbarians,” Contemporary Literature, Vol. 29, No. 2, 1988, pp. 277–285.
Michael Valdez Moses, “The Mark of Empire: Writing, History, and Torture in Coetzee’s Waiting for the Barbarians,” The Kenyon Review, Vol. 15, No. 1, 1993, pp. 115–127.
Emmanuel Levinas, Totality and Infinity: An Essay on Exteriority, trans. Alphonso Lingis, Pittsburgh: Duquesne University Press, 1969.



#محمد_نجيب_السعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية : أرشيف المقام العربي واستعادة ت ...
- حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية أرشيف المقام العربي واستعادة تار ...
- نظريات القصة القصيرة/ 6* الواقعية والرواة في قصص توبياس وولف ...
- نادين كورديمر ومضات اليراع
- نهج معرفي للقصصية
- تشارلز مَي : نقد القصة القصيرة في الولايات المتحدة الأميركية
- لويزا ماريا غونزاليس رودريغيز التناص والكولاج في قصص بارثيلم ...
- فرحات افتخار الدين: سياسة الجسد: الديناميكيات الأنثوية في مج ...
- التقليلية في الشعر : مقدمة تعريفية
- القصة المايكرو
- قصص همنغواي القصيرة /3:
- حروف سوداء فوق صفحات بيض: أدب سكان استراليا الأصليون
- التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-5
- قصص همنغواي القصيرة/2
- قصص همنغواي القصيرة /1
- التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-4
- التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-3
- وداعاً للسلاح وعناقيد الغضب : تقليلية همنغواي وتكثيرية شتاين ...
- التقليلية الأدبية في القصة القصيرة الأميركية-1
- هل الأكثر يعني أكثر أم الأقل يعني الأكثر : بين التقليلية و ا ...


المزيد.....




- وزير الثقافة اللبناني: هناك مئات المواقع الأثرية بانتظار الا ...
- هدى ابراهيم الخميس..ثلاثون عامًا من الفن والثقافة بين الشرق ...
- أدباء العراق يستذكر صلاح القصب.. حارس التجريب المسرحي
- صُوّر بالكامل في القطاع.. -غزة 13- يحصد جائزة -نيتباك- في مه ...
- طهران تقرر إغلاق مركز اللغة الفرنسية التابع للسفارة بتهمة ال ...
- الرصاصة العكسية.. كيف روجت إسرائيل لفيلم -نازا- عبر تهديد صن ...
- إيران تغلق مركزا فرنسيا في طهران لمناهضته الثقافة الإسلامية ...
- -داخل سوريا-.. بودكاست جديد يقدم السردية السورية للعالم بالل ...
- صاغوا أبحاث طلاب غربيين لسنوات.. الذكاء الاصطناعي يعصف بـ-كت ...
- -دير جيست- يضيء ليل القاهرة بتكريمات جديدة لنجوم الفن والإعل ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد نجيب السعد - في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في الخوف والسلطة والجسد والآخر في رواية ج. م. كوتزي/1