|
|
وليم شكسبير مالئ الدنيا وشاغل الناس
محمد نجيب السعد
الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 19:49
المحور:
الادب والفن
إنَّ وليم شكسبير ليس مجرد كاتبٍ عابرٍ في سجلات التاريخ، بل هو المرايا المحدبة التي وُضعت أمام الوعي الإنساني منذ أربعة قرون لتعكسَ صورتهُ حين يغرقُ في أوهامِ السلطة أو يذوي في متاهاتِ الحب أو يصطدمُ بعبثيةِ الموت. هو الرادار الكوني الذي التقطَ اهتزازاتِ النفسِ البشرية قبل أن يعيها علم النفس الحديث؛ فكلما ظننا أننا تجاوزنا عصرَ إليزابيث، وجدنا هاملت يهمسُ في أذنِ العصرِ الرقمي، والملك لير يصرخُ في وجهِ عواصفنا المعاصرة. إننا حين نقرأ شكسبير، لا نقرأ نصاً أدبياً، بل نقرأ شفرة الوجود التي لا يمحوها تقادمُ العصور، لأنها كُتبت بمدادِ القلبِ والدم. تُعدُّ رحلة شكسبير الإبداعية في عالم المسرح ملحمةً للتحول، حيث لم يكتفِ بكونه كاتباً بارعاً في القوالب الجاهزة، بل أعاد صياغة كل قالبٍ لامسته يداه. بدأت رحلته في أوائل تسعينيات القرن السادس عشر بالتأثر بصرعات العصر؛ فقد كانت المسرحيات التاريخية تستهوي الجمهور اللندني الذي كان متعطشاً لفهم جذور الصراع على السلطة، خاصةً مع صعود أسرة تيودور. استقى شكسبير مادتَه من سجلات هولينشيد ليحول التاريخ الجاف إلى دراما حية، مبيناً في ريتشارد الثالث وهنري السادس كيف يمكن لحاكمٍ ضعيف أو طموحٍ أعمى أن يقود أمةً إلى التمزق. في هذه المرحلة، كان أسلوبه لا يزال مُحملاً بلمساتِ المعلمين الأوائل مثل كريستوفر مارلو وتوماس كيد، حيث اللغةُ فخمةٌ والحوارُ خطابيٌّ صاخب والتركيز ينصبُ على الحدث أكثر من الشخصية. لكن هذا الأسلوب سرعان ما بدأ يذوب أمام نضج شكسبير المتزايد. في منتصف التسعينيات، انتقل إلى الكوميديات الرومانسية التي حملت في طياتها مزيجاً عبقرياً بين السحر والحب والواقعية القاسية. في مسرحية حلم ليلة في منتصف الصيف، رأينا عالماً يمتزج فيه ضجيج البشر بسحر الجنيات، بينما في تاجر البندقية، قدم شكسبير شخصية شايلوك، تلك الشخصية التي كشفت عن قدرته الفائقة على رسم أبعادٍ إنسانيةٍ معقدة حتى في الشخصيات التي يرفضها المجتمع. لقد كان شكسبير في هذه المرحلة مستكشفاً للتعقيد؛ فهو لا يقدم بطلاً مطلق الخير أو الشرير المطلق، بل يقدم بشراً تتصارع في دواخلهم الأهواء، وهو ما تجلى في مسرحيتي جعجعة بلا طحن و الليلة الثانية عشرة. بحلول مطلع القرن السابع عشر، دخل شكسبير مرحلة التراجيديات الكبرى، التي يعتبرها النقاد القمة التي لم يصلها غيره في الأدب الغربي. هنا، تحول المسرح من مجرد قصة إلى سؤال وجودي. في مسرحية هاملت، لم يكتفِ شكسبير بتقديم قصة انتقام، بل قدم أول شخصية في الأدب تمتلك وعياً بالذات يفوق وعيَ محيطها، حيث تحولت مونولوجاته —وعلى رأسها أن تكون أو لا تكون— إلى صرخةٍ فلسفيةٍ لا تزال تتردد في كل عقلٍ بشري. لقد كانت هذه التراجيديات: هاملت وعطيل والملك لير وماكبث بمثابة تشريحٍ دقيقٍ لـمفهوم الخطيئة التراجيدية. في عطيل، نرى الغيرة وهي تلتهم الجسد والنفس؛ وفي الملك لير، نشهدُ العريَ الوجودي لملكٍ يفقد عرشه وعقله ليجد الحقيقة وسط العاصفة؛ وفي ماكبث، نعيشُ لحظة التآكل الداخلي للطموح الذي يسعى للخلود فيفنى في غداً وغداً وغداً . ما يميز أسلوب شكسبير في هذه المرحلة هو التحول اللغوي؛ فقد تحرر من القوافي المتكلفة والخطابة الفارغة، واستخدم الشعر المرسل ليجعل الشعر ينساب كأنه كلامٌ طبيعي. إن اللغة هنا لا تصف المشهد، بل تخلق المشهد داخل ذهن المشاهد. لقد أدرك شكسبير أن أعظم المآسي هي تلك التي تحدث في الداخل، في غرفة العقل، وليس على خشبة المسرح فقط. وقد أضاف في ماكبث بعداً غيبياً (السحر والقدر)، ليؤكد أن التراجيديا ليست مجرد صدفة سياسية، بل هي اضطراب في النظام الكوني نفسه. أما في مرحلة حياته الأخيرة، فقد اتجه شكسبير إلى ما يُعرف بـ الرومانسيات أو التراجيكوميديات، مثل مسرحيتي العاصفة وحكاية الشتاء. لم تعد هذه المسرحيات تبحث عن الفناء كما في التراجيديات، بل بدأت تبحث عن التصالح. أن نبرةُ هذه المسرحيات أكثر وقاراً، ونهاياتها تمنحُ الشخصيات فرصةً للغفران. يرى بعض النقاد أن هذه الفترة تعكس حكمة شكسبير المتأخرة، حيث أدرك أن الحياة رحلةٌ من الخطأ إلى الندم ثم إلى المغفرة. في مسرحية العاصفة، نجد بروسبيرو الذي يلقي بكتب السحر في البحر، وهو ما يراه الكثيرون بمثابة إعلانٍ من شكسبير شخصياً عن اعتزاله للفن والدراما . خلاصة القول إن مسيرة شكسبير المسرحية هي خارطةٌ لتطور الوعي البشري. من حكايات التاريخ التي تدرس أخطاء الماضي إلى الكوميديا التي تضحك على ترهات الحاضر وصولاً إلى التراجيديات التي تواجه رعب المستقبل والموت ثم الرومانسيات التي تتصالح مع حتمية الزوال. إن شكسبير لم يكن يكتب مسرحيات، بل كان يكتب سيرة الروح، مدركاً أنَّ كل ممثلٍ مهما علا شأنه، ليس في النهاية إلا ظلاً سائراً على خشبةٍ اسمها الوجود، يؤدي دوره بضجيجٍ وغضبٍ ثم يختفي، تاركاً خلفه حكايةً لا تنتهي فصولها إلا بـ الصمت. الخصائص الأسلوبية (بصمة شكسبير) لا يمكن حصر عظمة شكسبير في مواضيعه فحسب، بل تكمن جوهرياً في اللغة التي اخترعها لإعادة صياغة الوجود. بدأ شكسبير مسيرته في عصرٍ كان المسرح فيه يعتمد على الخطابة البلاغية المتكلفة، حيث كان الكلام أقرب إلى الإلقاء الشعري المُصطنع الذي يُشبع الأذن ولكنه لا يخاطب الروح. لكن، بمرور الزمن، أحدث شكسبير ثورةً صامتة؛ إذ نجح في كسر قيود التناظر اللفظي ليرسم لغةً تتنفس مع الشخصية. لقد تحول أسلوبه من الزخرفة الخارجية إلى الحقيقة الداخلية، حيث أصبحت استعاراته تنبع من صميم التجربة الإنسانية، لا من القواميس اللغوية. إنَّ العمود الفقري لأسلوب شكسبير هو شعره المرسل الذي يتكون كل بيت فيه من عشر مقاطع في البيت الواحد، يتناوب فيها الضغط الصوتي، مما يخلق إيقاعاً يحاكي نبض القلب البشري أو أنفاسه المتقطعة. لكن العبقرية لم تكن في الالتزام بهذا الوزن، بل في القدرة على كسره. لقد كان شكسبير يقطع إيقاع البيت أو يطيله أو ينهيه في منتصفه، ليجعل الشعر يتدفق كأنه حديثٌ عفويٌّ يخرج من حيرةِ هاملت أو غضبِ الملك لير. هذا التحرر اللغوي هو الذي منح شخصياته العمق النفسي؛ فلم تعد الكلمات مجرد وسيلة لوصف الحدث، بل أصبحت وسيلةً لاكتشاف الشخصية لنفسها. عندما يقول هاملت جملته الشهيرة عن القتال في قلبه الذي يمنعه من النوم، هو لا يصفُ حالةً درامية فحسب، بل يستخدمُ لغةً تعكسُ اضطرابَ وعيِهِ الممزق بين رغبته في الفعل وعجزه عن التنفيذ. تتجلى بصمة شكسبير أيضاً في قدرته الفائقة على استخدام التلاعب بالألفاظ ليس كترفٍ لغوي، بل كأداةٍ لكشف التناقضات. في عالم شكسبير، تحمل الكلمة أكثر من معنى في آنٍ واحد؛ فالمهرج يسخرُ من الملك بلغةٍ مزدوجة، والمنافق يظهر براءته من خلال توريةٍ دقيقة. هذا الغنى اللغوي هو الذي جعل مسرحه متعدد الطبقات؛ فالعامة يضحكون على النكتة السطحية، بينما يدرك المثقفون ما وراءها من عبثٍ وجودي. لقد اخترع شكسبير آلاف الكلمات والتعابير الجديدة في اللغة الإنجليزية، محطماً الجمود اللغوي، ومؤكداً أن اللغة ليست قالباً ثابتاً، بل هي كائنٌ حي ينمو مع اتساع خيال الإنسان. علاوة على ذلك، كان شكسبير سيد الاستعارة الحية . فبدلاً من التشبيهات التقليدية التي تقارن الشيء بشيءٍ آخر بشكلٍ مباشر، كان شكسبير يذيب الشيء في استعارته. إن العالم عنده هو مسرح، والحياة هي ظلال سائرة، والموت هو قبوٌ أو غرفة تبديل ملابس. هذه الصور لا تزيّن النص، بل تُشكل هيكلَ الوعي لدى المتلقي. لقد كان شكسبير يرى العالم من خلال صورٍ بصريةٍ حادةٍ جعلت من نصوصه —حتى بعد أربعمئة عام— صالحةً للتحويل إلى أي وسيطٍ بصري، سواء كان سينما أو مسرحاً تجريبياً، لأن صورته الشعرية تمتلكُ كثافةً لا تذبل. أما الخصيصة الأكثر إبهاراً فهي تعدد الأصوات فالمتأمل في أعماله لا يجد صوت شكسبير يهيمن على المسرحية، بل يجدُ لكل شخصيةٍ بصمتها اللغوية الفريدة. فالملك يتحدث بوزنٍ رفيع والمهرج يتحدث بنثرٍ عاميٍّ بليغ والعاشق يتحدث بأسلوبٍ غنائيٍّ حزين. لقد كان شكسبير يتقنُ تقمصَ الأرواح لدرجة أننا ننسى أنه هو من كتب هذه الكلمات. هو لم يكن يملي على شخصياته ما يقولون، بل كان يتركها تعبر عن نفسها من داخل محنتها الوجودية. إن هذا الأسلوب الشكسبيري، الذي يمزجُ بين الدقة اللغوية والحرية الفنية، هو السبب وراء بقاء نصوصه عصيةً على الزمن. فكلما حاول النقادُ حصره في مدرسةٍ أدبية، أفلتَ منهم؛ لأنه لم يكن ينتمي إلى عصرٍ أو تيارٍ، بل كان ينتمي إلى جوهرِ اللغة. لقد جعل شكسبير من الإنجليزية لغةً قادرةً على استيعابِ أقصى درجاتِ الوجعِ البشري، وأرقى لحظاتِ التسامي الروحي. وبذلك، فإن بصمة شكسبير ليست مجرد أسلوبٍ كتابي، بل هي طريقةٌ في الرؤية؛ رؤيةٍ ترى في كل تفصيلٍ دنيويٍّ —زر قميصٍ، صرخةِ طفلٍ، أو زفرةِ ملكٍ محتضر— رمزاً كونياً يعكسُ عظمةَ المأساةِ الإنسانيةِ وجمالَها الموحش. ما الذي دفع الشاعر والمسرحي بين جونسون، وهو نار على علم، الى القول ان شكسبير ليس لعصرٍ واحد، بل لكل الأزمان ؟ انه اعترافٌ من النقدِ بـ الخطيئةِ الجمالية التي ارتكبها شكسبير؛ وهي أنه سرقَ شعلةَ الأبديةِ وخبأها في نصوصٍ بشريةٍ هشة. لكي نفهم لماذا شكسبير أعظم، يجب ألا ننظر إليه ككاتبٍ إنجليزيّ عاش في عهد إليزابيث، بل كـ رادارٍ إنسانيّ استطاع أن يفكك خوارزميات الروح البشرية التي لا تتغير بتغيرِ الأزياءِ أو القلاعِ أو حتى التكنولوجيا. 1. سيمياءُ الوجود: ما وراءَ هاملت وسؤال العدم حين نقرأ هاملت، فنحن لا نقرأ نصاً مسرحياً كلاسيكياً يدور حول حبكة الانتقام التقليدية؛ فلو كانت هاملت مجردَ مسرحيةٍ عن أميرٍ يسعى لقتلِ قاتلِ أبيه، لكانت قد طُويت في رفوفِ التاريخِ منذ زمنٍ بعيد. نحن هنا أمام ملفٍ وجوديٍّ مُغلقٍ منذ الأزل، فتحه شكسبير بمشرطٍ جراحيٍّ لم يعرف المسرحُ له مثيلاً. إنّ ما قصده بين جونسون بوصف شكسبير بأنه كاتبٌ لكل الأزمان يتجسد هنا بوضوح؛ فهاملت ليس أميراً دنماركياً يرتدي السواد في بلاطٍ فاسد، بل هو تجسيدٌ للوعي البشري حينما يصطدم بجدار الموت، وحين يدركُ الإنسانُ فجأةً أن العالمَ الذي بناه هو مجردُ سراب. في ذلك المشهد الذي يُعدُّ الذروة الوجودية في تاريخ الأدب، حين يحمل هاملت جمجمة المهرج يوريك، هو لا يواجه الشخصيةَ التاريخيةَ للمهرج الذي عرفه في طفولته، بل يواجه العدم كحقيقةٍ بيولوجيةٍ لا مفر منها. إنَّ السؤال الذي يطلقه: ما هو الإنسان؟ أهيَ جوهرةٌ في تاجِ الخليقة، أم مجردُ مسخرةٍ من طينٍ تحتدمُ فيهِ الأوجاع؟ هو المفتاح الذي يفتح أقفال كل العصور ويخاطب كل إنسانٍ واجه الحقيقةَ في عُريها التام. إن شكسبير هنا رادارٌ إنساني استشعر أزمة الحداثة وما بعد الحداثة قبل وقوعها بقرون. أن الفلسفة التي يطرحها تتجاوز حدود العصور؛ فهي تخاطب الإنسان في لحظة انهياره أمام عبثية الفقد والزمن. أن بين جونسون كان يعي أن هذه المسرحية ليست تاريخاً، بل هي أيقونة أبدية للارتباك البشري. كل إنسانٍ يقفُ أمام قبرِ حلمٍ مجهض أو أمام خيانةِ صديق أو في مواجهةِ ضياعِ الهوية في غابةِ هذا العالم، هو هاملت بامتياز. هذا التماهي ليس صدفةً، بل هو بصمة وضعها شكسبير بحرفيةٍ تجعل النص حياً رغم تعاقب الأزمنة. إن هاملت يمثل العقل الحديث الذي اكتشف أن الحقائق ليست سوى أقنعة، وأن العدالة في هذا العالم المليء بالخيانة هي حلمٌ بعيدٌ ومستحيل. أن هذا الجرح الوجودي الذي يتركه النص هو السبب في أن هاملت لا يشيخ ولا يذبل؛ فكلما ازداد العالم تعقيداً، وازدادت التكنولوجيا عزلاً للإنسان، ازداد هاملت قرباً منا، كأننا نراه في المرآة كل صباح. لقد أدرك بين جونسون بحدسية الشاعر والمسرحي أن شكسبير لم يكتب لجمهور غلوب، بل كتب لجمهور الوجود، واضعاً يده على جرحِ الإنسان الأزلي: كيف نحيا ونحن نعلم أننا في طريقنا للزوال؟ هذا السؤال ليس مسرحياً، بل هو جوهرُ ما يجعلنا بشراً. شكسبير هنا لا يعطينا إجابات سهلة، بل يمنحنا مرآةً لنرى فيها هشاشتنا وعظمتنا في آنٍ واحد، مرآةً لا تصدأ ولا تتغير ملامحها، لأنها تعكسُ خوفنا الدائم من الفناء. إن هاملت هو الصرخة التي نطلقها جميعاً عندما نكتشف أن العالم ليس كما وُعدنا به، وأنه مكانٌ يتطلبُ منا شجاعةً لا نملكها أحياناً. بهذا المعنى، تظل مسرحية هاملت هي الدستور غير المكتوب لكل الباحثين عن المعنى في عالمٍ لا يكترث، وهذا ما يجعلها – كما وصفها جونسون – نصاً لكل الأزمان، نصاً يولدُ من جديدٍ في كل لحظةِ وعيٍ بشرية. 2. لغةُ الرعد: حينَ تتماهى الكلمةُ مع الطبيعة أن السر الأعظم في كون شكسبير لكل الأزمان ليس في موضوعاته فحسب، بل في كيمياء اللغة التي استطاع من خلالها تحويل الكلمات إلى قوى طبيعية تنبضُ في أعماق المتلقي. في مسرح شكسبير، لا تُستخدم اللغة لتوصيفِ الواقع، بل لخلقه؛ فهي لغةٌ لا تصف العاصفة، بل هي العاصفة نفسها التي تتجسد في روحِ الممثل وتنفجرُ في فضاءِ المسرح. خذْ على سبيل المثال الملك لير في ذروةِ غضبِهِ وانهيارِ عالمِهِ، حين يصرخ في وجهِ الكون: هبي أيتها الرياح، ومزقي الأوداج منك. هيجي واعصفي، وأنت أيتها الشلالات والزوابع المعصرات، أفيضي ماءك حتى تغرقي قلل البروج والصوى، وأنت أيتها النيران الكبريتية المجفلة أجفال الخاطر، منذرة بالصواعق الشاطرة جزوع السنديان، عصفري هامتي البيضاء، وأنت أيها الرعد الزعزع، حطِّم كرة هذه الدنيا واجعلها بطيحًا جرزًا، واجعل قوالب الخليقة هشيمًا، وأهلك من فورك بذور الحياة جميعًا حتى لا تدع في الأرض ما تطول به حياة الإنسان الكنود ! هنا، يتخلى شكسبير عن التشبيهات البلاغيةِ الجامدة ويستعير من الطبيعةِ لغتَها المتوحشة، ليجعل من رعدِ السماءِ انعكاساً لرعدِ الروحِ الممزقة. أن الملك لير ليس مجرد ملكٍ فقد عرشَه، أنه العرشُ المنهار، وأن العاصفةُ التي تضربُ الخلاء هي انتقامُ الكونيِّ من الغطرسةِ البشرية. هذا التلاحم العضوي بين الطبيعة المادية (الرعد، البرق، الصخر) والاضطراب النفسي (الجنون، الندم، التلاشي) هو ما يجعل أعماله تبدو وكأنها قوى طبيعية وليست مجرد نصوصٍ أدبيةٍ قابلةٍ للتحليل. إن اللغة عند شكسبير ليست وسيلةً للتواصل، بل هي هيكلُ الوجود. أن بين جونسون، ككاتبٍ كان يؤمن بقدسية القواعد اللغوية، صُدم أمام هذه اللغة المتمردة التي كسر فيها شكسبير موازين الشعر الإليزابيثي ليخلق إيقاعاً نفسياً يسبقُ زمنه بقرون. فعندما نراقب ماكبث وهو يتصارع مع طموحه القاتل في لحظة خلوة ومناجاة للنفس لا نجد كلماتٍ توصفُ جريمةً، بل نجدُ الكلمات وهي تتفكك كما تتفكك أخلاق البطل. هنا، اللغة تعمل كـ قانون فيزيائي لا يرحم؛ فهي تضطربُ مع اضطرابِ الشخصية وتتقطعُ مع انقطاعِ أنفاسِها وتنفجرُ مع لحظاتِ اليأسِ المطلق. هذه المقدرة على تطويع الإيقاع ليعكسَ نبض القلبِ البشري هي التي تجعلُ نصوصه أبدية. إنها لغةٌ تمسُّ اللاوعي الجمعي للبشر؛ فليس من الضروري أن تكون خبيراً في تاريخ إنجلترا لتشعر برعبِ ماكبث أو بوحدة الملك لير؛ فالموسيقى الداخلية للجملة كفيلةٌ بنقلِ الإحساسِ إليك مباشرة. وعليه، يظل شكسبير معاصراً لكل من يفتح كتاباً ليبحث عن صوته وسط الضجيج. ففي كل مرةٍ يواجه فيها الإنسانُ عاصفتَه الخاصة –سواء كانت عاصفةً سياسيةً كما نرى في مآسي الحروب التي نعيشها اليوم، أو عاصفةً داخليةً كخيبات الأمل التي تنهشُ الروح– يجد في لغة شكسبير صوتاً يصفُ حالته بدقةٍ مرعبة. هو لا يكتبُ نصوصاً للجمال الساكن في المتاحف، بل يكتبُ نصوصاً حركية تنبضُ كما تنبض الحياة ذاتها. إنها لغة الرعد التي لا تعرفُ الصمت؛ لأنها نابعةٌ من جوهرِ الألمِ الإنساني الذي لا يتغير. إن كل مخرجٍ يحاول اليوم تقديم هاملت أو الملك لير يدركُ أنه أمام قوةٍ طبيعية لا تحتاج إلى تحديث، بل تحتاجُ فقط إلى ممثلٍ يمتلكُ شجاعةَ أن ينطقَ تلك الكلماتِ بإيقاعِها الحقيقي. أن شكسبير لا يستخدم اللغة لتصوير العالم، بل هو يُعيد صياغة العالم من جديد في كل مرةٍ يُنطقُ فيها سطرٌ من سطوره. وهكذا، تصبح الكلمةُ في مسرحه هي الفعل ذاته، وتصبحُ الاستعارة هي الحقيقة ذاتها، مؤكدةً رؤية بين جونسون بأن هذا الرجل كان يكتبُ بلغةٍ لا تنتمي لعصرٍ معين، بل تنتمي لـ أصل اللغة التي يرتعدُ لها كلُّ قلبٍ بشريٍّ عرف معنى الوجود. 3. التسامحُ مع ظلالِ النفس (الأخلاقُ كمعضلة وجودية) إنَّ أعظم ما قدمه شكسبير للبشرية ليس الحكمة الأخلاقية المباشرة، بل هو شجاعةُ الاعتراف بالظلام الكامن في دواخلنا. في دراما شكسبير، لا توجد خطوطٌ فاصلةٌ بين الخير المطلق والشر المطلق؛ هناك فقط إنسانية واقعة تحت وطأة الظروف، أو مهزوزةً بفعل الأهواء، أو مكسورةً أمام سطوةِ القدر. خذ على سبيل المثال شخصية إياغو في مسرحية عطيل : لو قرأنا إياغو بعينٍ أخلاقيةٍ سطحية لقلنا إنه شيطانٌ مجسد، لكن شكسبير يجعلنا نلمسُ فلسفة الشر لديه. إياغو يكره الجمال والنزاهة لا لأنه يفتقر إلى الضمير فحسب، بل لأنه يرى في فضيلة الآخرين مرآةً لعجزه الشخصي ومرآةً لنقصه الذي لا يُحتمل. أن شكسبير لا يكتب لنا أشراراً ليحاكمهم، بل يكتب ممكناتٍ بشرية؛ فهو يدرك أن داخل كل واحدٍ منا عطيلاً مستعداً للغرق في غيرةٍ عمياء، وداخل كل واحدٍ منا إياغو يهمسُ بالشكِّ في أذنِ الحقيقةِ كلما أحسَّ بالتهديد. إن هذا التشريح الأخلاقي هو ما يجعل شكسبير كاتباً لكل الأزمان؛ فالنفسُ البشرية لم تتطور أخلاقياً منذ عهد الإغريق؛ فنحن لا نزال نغار ونقتل ونحب ونعاني بنفس الطريقة البدائية التي كان يفعلها أبطال شكسبير قبل قرون. لقد كان بين جونسون يعلم أن هذه الرؤية الدرامية ليست لعصرٍ معين، لأنها لا تتعامل مع الأخلاق كقوانين، بل مع الأخلاق كمعضلة. عندما يصور شكسبير صراع ماكبث مع ضميره، هو لا يعطينا درساً في عدم القتل، بل يضعنا في قلب الرعب النفسي الذي يعقب الجريمة؛ حيث تصبح اليد التي تلطخت بالدماء ملطخةً إلى الأبد ليس بالدم فقط، بل بـ الوعي. هذا الغوص في ظلال النفس هو ما يجعل مسرحه محكمةً للضمير لا ترحم. وعليه، فإن شكسبير يمنحنا الحق في التناقض. هو الكاتب الوحيد الذي استطاع أن يوثق الدائرة المغلقة للرغبة البشرية بدقةٍ لا تترك مجالاً للشك. نحن أمام شخصياتٍ تتنفس وتخطئ، وشخصياتٍ نبيلةٍ تنهارُ أمام أول اختبارٍ للواقع. هذه الرؤية الشمولية هي ما جعلت بين جونسون ينحني إجلالاً؛ لأنه رأى أن شكسبير لم يكن يكتبُ نصوصاً لتلقين الناسِ الفضيلة، بل كان يكتب لتعريتهم أمام أنفسهم. إن عظمة شكسبير في هذا المحور تكمن في التعاطف السادي؛ فهو لا يرحم أبطاله، لكنه يفهمهم بعمقٍ مؤلم، بحيث يجعلنا نحن –القراء والمشاهدين– نتساءل في كل مرة: لو كنتُ مكانهم، هل كنتُ سأتصرفُ بشكلٍ مختلف؟ إن هذا السؤال هو جوهرُ ما يربط المسرح الشكسبيري بالتجربة الإنسانية المرة في كل مكان. ففي مجتمعاتنا التي تعاني من انقساماتٍ حادة ومن صراعاتٍ سلطوية ومن خيباتِ أملٍ وجودية، نجد أن أبطال شكسبير يعيشون بيننا. نحن نراهم في القادة الذين يطاردون السلطة حتى الجنون، وفي العشاق الذين يغرقون في وهمِ الحب، وفي المظلومين الذين يجدون في انتقامهم هلاكهم الأخير. أن شكسبير هو الكاتب الذي لم يحاول تجميل الواقع، بل حاول فهم الجحيم الذي نحمله جميعاً في دواخلنا. لقد كان بين جونسون يرى أن هذا الفهم هو الخطيئة الجمالية التي جعلت من شكسبير خالداً؛ لأنه لم يكتب ليرضي أخلاقيات العصر، بل كتب ليفتح لنا أبواب السرداب النفسي الذي نخاف أن نزوره، مؤكداً أن الفن العظيم هو الفن الذي يجرؤ على قول الحقيقة عن ظلامنا دون الحاجة إلى التبرير أو الاعتذار. وهكذا، تظل شخصيات شكسبير حية، لأنها تعبر عن كل لحظةِ ضعفٍ أو قوةٍ نمرُ بها، ولأنها تذكرنا بأننا جميعاً، في لحظة ما، نملك القدرة على أن نكون عطيلاً أو إياغو أو حتى الملك لير في عاصفته الوجودية الكبرى. 4. الاستعارةُ كأداةِ نجاة: فنُّ الخلود والوعي بالوهم إنَّ ادعاء بين جونسون بأن شكسبير ينتمي لكل الأزمان لا يمكن فهمه بالكامل إلا إذا نظرنا إلى فلسفة شكسبير العميقة تجاه الواقع. أن شكسبير لم يكن يكتب ليوثق وقائع، بل كان يفكك وهم الوجود. أن الاستعارة في أعماله ليست مجرد أداةٍ بلاغية لتزيين النص، بل هي الهيكل الوجودي الذي يصيغُ من خلاله الإنسانُ معناه الخاص في عالمٍ يخلو من المعاني الجاهزة. عندما يكتب شكسبير عبارته الخالدة : الدنيا مسرح، والرجال والنساء ما هم إلا ممثلون، هو لا يقدم لنا حكمةً اجتماعية، بل يعلنُ فلسفةً وجوديةً تتنبأ بـ تفكك الهوية في الحداثة. هو يدرك أن الواقع الذي نعيشه ليس سوى قشرةٍ هشة، وأن الأنا هي مجرد دورٍ نؤديه لنتجنب الجنون أمام اتساع الفراغ. هذا الفكر الوجودي يسبق وجودية سارتر و كامو بقرون، ويجعل من شكسبير فيلسوفاً متخفياً في زي شاعر. إن شكسبير عظيم لأنه علمنا كيف نستخدم الاستعارة كدرعٍ ضد الرعب. عندما يكتب عن الموت، هو لا يكتب عن القبر أو الفناء المادي، بل يكتب عن التحول. وفي مسرحية العاصفة، يضع شكسبير على لسان بروسبيرو –الذي يمثل وعي الفنان في أقصى درجات نضجه– تأملاً لا مثيل له في هشاشة الوجود: ومثلما خبا وهْم احتفالنا الكبير وانتهى بلا أثرْ لن يترك الذي يمضي نُثارًا من سحابْ! إنا خُلِقنا من خيوطٍ تُنسَج الأحلام منها! وهكذا يكلِّل النعاسْ … حياتنا القصيرة الضئيلة! هذه الاستعارة ليست وصفاً، بل هي مواجهةٌ مع العدم. هنا يدرك شكسبير أن الموت ليس عدواً خارجياً، بل هو نهايةُ الدور الذي نلعبه، وأن الحكمة تكمن في قبول هذا الوهم بوعيٍ كامل. إن الاستعارة عند شكسبير تعمل كـ أداة نجاة؛ فهي تمنحنا اللغةَ لنواجه بها صمتَ الكون. إننا نعيش في عالمٍ يغص بالتقلبات والحروب والخيبات –تماماً كما في مسرحيات شكسبير– ونحن بحاجةٍ دائمةٍ لتحويل هذا الألم الخام إلى معنى. شكسبير يمنحنا هذا المعنى من خلال صورٍ شعريةٍ تجعلُ من الفقدِ طقساً جمالياً، ومن المعاناةِ عملاً بطولياً. لقد أدرك الشاعر والمسرحي بين جونسون أن هذا النوع من الفن هو أدبٌ لكل الأزمان لأنه يلامس الحاجة البشرية الأزلية إلى الخلود. نحن بشرٌ زائلون، لكننا نملك اللغة، وباللغة نستطيع أن نصنع عوالم تتحدى الزمن. هذه القدرة على خلق الخلود من قلب الفناء هي جوهر الديالكتيك الذي نبحث عنه فالموت في مسرح شكسبير ليس نهايةً، بل هو محرّكٌ للمعنى. لماذا يظل هذا الجزء من مسرح شكسبير حياً؟ لأن الإنسان في 2026، كما في 1600، لا يزال يقفُ أمام المرآة ويسأل: من أنا؟ شكسبير يخبرنا بأننا استعارات متحركة، وأننا إذا أدركنا أننا نصنّعُ أحلامنا، فسنمتلك شجاعة الاستمرار في العيش رغم معرفتنا بنهايتنا المحتومة. إن بين جونسون عندما مدح شكسبير، كان يمدحُ قدرته على إنقاذنا من أنفسنا. لقد حول شكسبير المسرح من مكانٍ للترفيه إلى محرابٍ وجودي نطرح فيه أسئلتنا الكبرى. إن اللغة هي الجسد الذي لا يموت، والاستعارة هي الروح التي ترفض الفناء. وبينما نحن نمضي في حياتنا، تظل كلمات شكسبير مرايا لا تعكس وجوهنا فحسب، بل تعكسُ جوهرنا الذي يأبى أن يغيب، مؤكدةً أننا، رغم كل شيء، بناةُ عوالم من أحلام. 5. سيمفونيةُ الصمتِ في ختامِ العرض: الجدلية النهائية بين الكلمة والعدم السبب الأعمق والأكثر إثارةً للدهشة في كون شكسبير لكل الأزمان ليس فقط فيما قاله، بل في إدراكهِ العميق لـ نهايةِ الكلمات وقدسية الصمت. في أعماله التراجيدية الكبرى، يحمل الصمتُ دائماً ثقلاً وجودياً يفوقُ في تأثيرِهِ أقوى المونولوجات. عندما ينهي هاملت صراعه الوجودي بكلماتِهِ الأخيرة ما سيبقى هو الصمت هو لا يعلنُ فقط عن نهايةِ حياتِهِ، بل يعلنُ عن انتصارِ الحقيقة المطلقة على ضجيجِ الفكرِ واللغة. لقد أدرك شكسبير، بعبقريةٍ فلسفيةٍ لا تكاد تُصدق، أن كل محاولاتنا لتفسيرِ الموتِ والوجود، وكل ملاحمنا وشعرنا، ليست سوى قشورٍ تغطي صمتاً كونياً عظيماً. إن هذا الصمت الذي يختمُ به شكسبير أعماله هو الحقيقة التي كان يبحث عنها طوال حياته؛ الحقيقة التي تذوب فيها كل التناقضات، وتتلاشى فيها كل أسئلة السلطة والغيرة والحب. أن بين جونسون ربما لم يدرك في البداية أن شكسبير في صمتِهِ هذا قد تفوق على كل قواعدِ الدراما. لقد جعل شكسبير من الصمتِ مساحةً للتأمل، ليدعونا نحن، القراء والمشاهدين، لنملأ هذا الفراغ بأسئلتنا الخاصة. هذا هو سرُّ خلودِهِ؛ فهو لم يحاول أن يغلقَ ملفاتِ الوجودِ بأجوبةٍ نهائية، بل ترك الأبوابَ مشرعةً على اللا-نهاية. هو الكاتبُ الوحيدُ الذي علمنا كيف نبتلعُ الدموعَ بابتسامةٍ ساخرة، وكيف نقفُ أمام حافةِ العدمِ دون أن نسقطَ في اليأسِ المطلق. إنَّ هذا الديالكتيك بين الكلمةِ الحارقةِ والصمتِ المهيب هو نفسَ هذا التوتر بين الرغبة في التعبير عن وجعِ الوجود وبين عجزِ اللغةِ عن احتواءِ فداحةِ الموت. لم يكتب شكسبير ليعطينا درساً، بل كتب ليعيدَ لنا دهشةَ السؤال. هو الأعظم لأنه مساحُ الأحزانِ الكونية؛ ولأنه في كل سطرٍ كتبه، كان يهمسُ لنا بما نخشى مواجهته: أننا جميعاً في هذا العالم مؤقتون، وأننا –رغم هذا الزوال– نمتلكُ قدرةً عجيبةً على الإبداعِ والحب. أن بين جونسون كان يعلم أن من يلمس هذا الوتر الحساس في النفسِ البشرية لن يغيبَ أبداً؛ لأن البشرَ سيظلون يولدون ويحبون ويعانون ويواجهون الموت بنفسِ الطريقةِ التي كان يصورها شكسبير. إن شكسبير لكل الأزمان لأنه حينما نكتبُ نحن اليوم عن العدالة أو الحرية أو معنى الموت، نجد أن شكسبير قد مر من هنا قبلنا، وترك لنا إشاراتٍ لا يمحوها تقادمُ العصور. ختاماً، إن عبارة بين جونسون ليست مجرد مديح، بل هي اعترافٌ بالهزيمة أمام عبقريةٍ لا تدركُ حدوداً. شكسبير هو الكاتبُ الذي حوّل المسرح من مجرد مكانٍ للعرض إلى محكمةٍ للضمير الإنساني. هو ليس لعصرٍ واحد لأنه استطاع أن ينقلَ نفسَ الإنسان من سجلاتِ التاريخ إلى ساحةِ الخلود. لقد جعلَ من الإنجليزية لغةً قادرةً على استيعابِ أقصى درجاتِ الوجعِ البشري، وأرقى لحظاتِ التسامي الروحي. وبذلك، تظل أعماله مرايا متحركة؛ كلما نظرنا إليها، رأينا انعكاساً لقصتنا الخاصة، ووجدنا صدىً لآلامنا في صمته المليء بالحكمة. إنه شكسبير: ليس كلماتٍ في كتابٍ عتيق، بل نبضٌ أبديٌّ في عروقِ الزمنِ والإنسانية، يذكرنا دائماً بأننا، على الرغم من كل شيء، جزءٌ من تلك السمفونية العظيمة التي بدأت بالكلمة وستنتهي –لا محالة– بالصمتِ الجميل. وفي النهاية، يظل شكسبير هو اللغزَ الذي يُفسّرُ كل الألغاز. لقد رحل البارد عن مسرحِ العالم، لكنه ترك خلفه نصاً مفتوحاً لا يشيخ، نصاً يجعلنا ندرك أننا لسنا سوى ظلالٍ سائرة على خشبةٍ واسعة، نلعبُ أدوارنا بإتقانٍ حيناً، وبارتباكٍ حيناً آخر. إنَّ عظمةَ شكسبير ليست في أنه أعطانا إجابات، بل في أنه جعلنا نحبُّ الأسئلة. فبينما يغرقُ العالم في الصمتِ الأبدي، تظل كلماتُ شكسبير نبضاً لا يتوقف، تذكرنا بأنَّ كل ما نملكه في هذه الرحلة العابرة، هو أن نكون أحياءً بوعيِنا، وأن نؤدي أدوارنا في هذه السمفونية الكبرى، قبل أن يسدلَ الستارُ، ويبقى.. الصمت.
1. عبارة مالئ الدنيا وشاغل الناس هي لقبٌ أطلقه الناقد والمؤرخ ابن رشيق القيرواني على شاعر العربية الأعظم أبو الطيب المتنبي. وُصف بذلك لأن شعره وشخصيته امتدّا عبر العصور ليصبحا ظاهرة أدبية حيّة تثير الجدل والإعجاب المستمر حتى يومنا هذا 2. المقالة مستلة من مقدمة كتاب شكسبير و الأسلام ( مسودة) للمؤلف .
#محمد_نجيب_السعد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ما القصة القصيرة الغنائية؟ مشكلة الاسم قبل مشكلة الشكل
-
جيكوريات السياب : حين يصبح المكان ذاكرةً ويصير الشعر مكانًا
-
نحو أنطولوجيا الانكسار: رحلة البطل من قدسية الأسطورة إلى عبث
...
-
أنطونيو ميتشادو و حقول قشتالة : حين تتحول الأرض إلى سؤال عن
...
-
في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في
...
-
في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في
...
-
في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في
...
-
في انتظار البرابرة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى عدو قراءة في
...
-
حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية : أرشيف المقام العربي واستعادة ت
...
-
حين تصبح النغمة ذاكرة رقمية أرشيف المقام العربي واستعادة تار
...
-
نظريات القصة القصيرة/ 6* الواقعية والرواة في قصص توبياس وولف
...
-
نادين كورديمر ومضات اليراع
-
نهج معرفي للقصصية
-
تشارلز مَي : نقد القصة القصيرة في الولايات المتحدة الأميركية
-
لويزا ماريا غونزاليس رودريغيز التناص والكولاج في قصص بارثيلم
...
-
فرحات افتخار الدين: سياسة الجسد: الديناميكيات الأنثوية في مج
...
-
التقليلية في الشعر : مقدمة تعريفية
-
القصة المايكرو
-
قصص همنغواي القصيرة /3:
-
حروف سوداء فوق صفحات بيض: أدب سكان استراليا الأصليون
المزيد.....
-
حمزة الحاج علي يمنح الفنون القتالية السورية أول ميدالية عالم
...
-
ليمور -الإندري-.. أعجوبة الخلق الذي يغنّي كنجوم الأوبرا في غ
...
-
الحديث بصوت مرتفع في حافلات سنغافورة قد يُكلِّفك
-
عنصرية الحجب الفلسطيني عن التمثيل البرلماني
-
فلسطين وروسيا تتفقان على أسابيع ثقافية متبادلة وترجمة الأعما
...
-
معركة شطب أمام المحكمة العليا.. التمثيل العربي في انتخابات ا
...
-
الأمن المصري يكشف تفاصيل مقتل عم الفنان حمدي الميرغني بالرصا
...
-
الصندوق الأسود للحرب العظمى.. من عهد السلطان عبد الحميد الثا
...
-
من البرج إلى الجبل.. هل نجا فيلم -سقوط 2- من فخ التكرار؟
-
من يصنع الأدب اليوم.. الكاتب أم الذكاء الاصطناعي؟
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|